
بعد انتهاء الحفل… ذهب “العروسان” إلى الفندق لقضاء أوّل ليلة. استقبلهما الموظفون بالورود والابتسامات.
فتح تيمور الباب، ودخل ممسكًا بخصر “عروسه”، بينما كانت رائحة الورد تملأ المكان. السرير مغطى ببتلات الورد.
الإنارة خافتة.
المكان كله معدّ للحظة الحميمية التي تنتظر كل زوجين. لكن بالنسبة لزُهى…
كان هذا أسوأ كابوس. ارتجف جسدها بالكامل وهي ترى تيمور يغلق الباب خلفه ويتجه نحوها. قال بهمس دافئ: “الآن… نحن وحدنا يا زينة.” ابتلعت زُهى ريقها بصعوبة.
لم تستطع التقدّم خطوة واحدة.
اقترب تيمور أكثر، أمسك يدها برفق، وابتسم: “هيا… انزعي الطرحة، زوجتي.” ثم رفع يده…
ووضع أصابعه على طرف الطرحة، استعدادًا لكشف وجهها. تجمدت زُهى كليًا. لا حركة.
لا نفس.
لا مفرّ. وفي جزء من الثانية…
انهار كل شيء داخلها. يتبع… تجمّدت زُهى عندما قال لها تيمور بهدوء:
“ارفعي الطرحة يا زينة.” لم تكن مستعدة.
لم تكن قادرة على احتمال لحظة انكشافها.
لكنها تمالكت نفسها وأجبرت شفتيها على ابتسامة خجولة كابتسامة عروس خجولة.
همست بصوت منخفض حتى لا يتعرف على نبرتها:
“اسمح لي… أرتّب نفسي قليلًا أولاً.” ابتسم تيمور بحنان، دون أن يشك بشيء:
“كما تريدين يا حبيبتي.” تحركت زُهى بسرعة نحو حقيبتها.
أخرجت منها زجاجة صغيرة شفافة تحتوي على سائل لا يظهر عليه شيء مريب.
ذلك السائل… تعويذة كانت قد اشترتها سرًا منذ أسابيع من امرأة مشـ,ـعوذة.
قيل لها إنه يجعل الرجل لا يرى الحقيقة… ولا يشك… ويطيع بلا وعي. رجفت يدها وهي تفتح الزجاجة، لكنها صبّت محتواها كاملًا في شرابٍ وضعته أمام تيمور على الطاولة.
ثم استدارت نحوه بابتسامة مصطنعة:
“اشرب هذا… سيريحك.” أخذ تيمور الكأس دون أي تردد.
شربه بالكامل.
وبعد ثوانٍ قليلة… تغير بريق عينيه.
ارتخى جسده.
تلاشت الشكوك التي كانت تزعجه سابقًا. ابتسم ابتسامة بطيئة وقال بصوت مبحوح:
“أنتِ… جميلة جدًا.” شعرت زُهى بنشوة الانتصار.
كل شيء يسير كما خططت له.
أصبحت زوجته شرعًا أمام الجميع…
والآن… بقي أن تكمل الخطوة الأخيرة لتصبح زوجته تمامًا في نظر الناس. اقترب منها تيمور، بلطف وثقة.
أمسك بخصرها، وقادها نحو السرير المغطى ببتلات الورد.
قلبها كان يطرق كالمطرقة—
هذه هي اللحظة التي كانت تنتظرها لتثبت “شرعًا وعرفًا” أنها الزوجة الحقيقية. صعدت معه إلى السرير، يداها ترتجفان، لكنها لم تتراجع.
اقترب تيمور منها ليقبّلها… وقبل أن تلامس شـ,ـفاهه وجهها… انفتح باب الغرفة بعنـ,ـف! لم يُفتح…
بل اصطدم بالجدار بقوة كأن عاصفة اقتحمت المكان. قفز تيمور مذعورًا.
تجمدت زُهى كالصخر.
اختفت ابتسامتها… وذابت شجاعتها في لحظة. وفي فتحة الباب…
وقفت امرأة بثوب أبيض ممزق… شعرها مبعثر… آثار ض.رب واضحة على جسدها…
لكن عينيها—
تشعّان غضبًا لا يشبه غضب البشر. كانت زَيْنَة. العروس الحقيقية. تنفّست بصعوبة، كل خطوة تأخذها داخل الغرفة كانت تحمل معها وجع الساعات التي قضتها مخطوفة. همس تيمور بصدمة:
“ز… زينة؟” وبمجرد أن رآها… انك.سر سحر التعويذة داخل رأسه.
عاد وعيه.
عاد قلبه يعرف صاحبته. تحولت نظراته نحو زُهى، ثم نحو زينة، بين ذهول لا يصدقه عقل. صرخت زُهى، صوتها يرتجف:
“كيف… كيف خرجتِ؟! كيف وصلتِ إلى هنا؟!” لم تجب زينة.
تقدمت بخطوات ثابتة، وكل خطوة كانت تحمل غضبًا مختزنًا… وخيا.نة… ووجعًا لا يوصف.
قالت بصوت مبحوح لكنه قوي:
“سـ,ـرقتِ زفافي… سـ,ـرقتِ ثوبي… مكاني… وزوجي.” شعر تيمور بد.مه يتجمد.
وقف من السرير بسرعة، يحدق في زينة بشعور بالذنب والغضب على نفسه لعدم اكتشافه الحقيقة. تراجعت زُهى للخلف فوق السرير، كأنها تهرب من شبح. أما زينة… فقد قبضت كفيها بقوة وقالت بصوت حاولت أن تثبّته رغم الألم: “هذه الليلة يا زُهى…
لن تنتهي كما تريدين.
هذه الليلة… ستدفعين ثمن كل شيء ارتكبته.” يتبع… —
ساد صمت ثقيل الغرفة.
جلست زُهى على السرير، جسدها يرتجف، ووجهها غارق في الذعر.
وقفت زَيْنَة عند الباب، متعبة، مجروحة… لكنها واقفة بقوّة لم تتوقعها حتى من نفسها.
أما تيمور فراح ينظر بينهما بعينين مذهولتين، لا يعرف من أين يبدأ أو ماذا يقول. قال بصوت مرتعش:
“أحد يشرح لي… ما الذي يحدث؟” تنفست زينة بعمق، ثم تقدمت خطوة:
“تيمور… زُهى اختطفتني. استأجرت رجالًا ليمنعوني من الوصول للحفل. سـ,ـرقت فستاني، طرحي… ووقفت أمامك بدلاً مني.”
اتّسعت عينا تيمور.
التفت ببطء نحو زُهى:
“هل هذا… صحيح؟” انفجرت زُهى بالبكاء فورًا، وانهارت الكلمات من فمها:
“أنا أحبك يا تيمور! أحبك منذ زمن… لكنك اخترتها هي. أردت فرصة… أردت أن تراني.” قال تيمور بصوت منخفض، يخفي غضبًا عميقًا:
“هذه ليست طريقة لتُحَبّي بها… ولا لتُفرضي نفسك على أحد.” تابعت زينة، صوتها ثابت رغم جراحها:
“حبسَتْني في مستودع… لكن أحد الرجال رقّ قلبه لي، ففك وثاقي. ركضتُ بكل ما أملك… لأمنعها من سـ,ـرقة حياتي.”
اقترب تيمور منها، ولمس خدّها المكدوم بحنان ممزوج بالغضب والحزن:
“سامحيني… سامحيني لأنك مررتِ بكل هذا بمفردك.” خفضت زينة عينيها، متألمة، بينما تابعت زُهى بكاءها:
“لم أكن أريد إيذاءكِ يا زينة… فقط… أردت أن أشعر بأنني مهمة، مرة واحدة فقط.” نظرت إليها زينة، بعينين تحملان خليطًا من الألم والحب الأخوي.
لم تكن زُهى شريرة… كانت مكسورة، غارقة في الغيرة، تائهة. قالت زينة بهدوء موجوع:
“ما كان عليك أن تدمّـ,ـري حياتي لتشعري أنكِ مهمة.”
التقط تيمور زجاجة صغيرة كانت على الطاولة. شمّ محتواها، فانعقد حاجباه:
“هذا… سحر؟ وضعتهِ في شرابي؟” أجهشت زُهى بالبكاء أكثر:
“كنت خائفة! لم أعرف ماذا أفعل… كنت أفقدك لحظة بعد لحظة…” نظرت زينة إلى تيمور برجاء:
“أرجوك… لا تتصل بالشرطة. مهما فعلت… تظل أختي.” تردد تيمور قليلاً، ثم هز رأسه موافقًا على مضض:
“لكن لا يمكنها البقاء هنا. ليس بعد كل ما حدث.” وقفت زُهى ببطء، رأسها منخفض، الخجل يغطي وجهها كستار ثقيل.
قالت بصوت مكسور:
“أنا آسفة… حقًا آسفة.”
ثم خرجت من الغرفة، دون أن تلتفت خلفها، وغادرت بهدوء… كأنها تجرّ خطواتها فوق الندم نفسه. ساد الصمت مجددًا.
لكن هذه المرة… كان صمتًا مختلفًا. اقترب تيمور من زينة، فتح ذراعيه، وقال لها بلطف يخـ,ـترق قلبها:
“تعالي.” أسرعت نحوه، واحتضنته بقوة.
انطلقت دموعهما معًا—دموع النجاة، والراحة، والخوف الذي تحوّل إلى أمان. همس وهو يمسح دمعتها:
“أنتِ بأمان الآن… ولن يفرّق بيننا شيء بعد اليوم.” ابتسمت زينة ابتسامة ضعيفة:
“ظننت أنني فقدت كل شيء.”
هز تيمور رأسه:
“لم تفقدي شيئًا… بل كسبتِ الحقيقة.” حملها برفق، ووضعها على السرير—not رغبةً، بل احترامًا لجروحها.
نظّف خدّها وجراحها، أمسك يدها، وبقي إلى جانبها حتى غفت بسلام. لم يكن شهر العسل كما خُطِّط له…
لكن كان حقيقيًا. وفي الصباح…
استيقظت زينة بجانب الرجل الذي يحبها حقًا—
آمنة، زوجة، ومستعدة لبدء حياة جديدة. تمت… مع بدايه جديده


