
يوم الخميس جه. المطبخ كان فيه حاجات بسيطة، بس أنا قررت إني مش هعمل “المجهود الجبار” اللي بعمله كل مرة. بدأت أجهز المكرونة، بس كنت بشتغل ببطء… ببطء شديد.
الساعة بقت 8 بالليل، والضيوف وصلوا. 6 أفراد من صحابه. قعدوا في الصالة، وأحمد بيصوت: “يا سعاد! المكرونة فين؟ الشاي فين؟”
طلعت المكرونة، كانت مستوية، بس مافيهاش “النفس” المعتاد. الصواني مش مزينة، السلطة مقطعة خشن، ومفيش “حلويات” ولا “فطاير” ولا أي “شغل عالي”.
أحمد بصلي بغضب وهو قدام صحابه: “إيه ده يا سعاد؟ فين صواني الجلاش؟ فين الحلويات؟”
بصيتله بكل هدوء، ومسحت إيدي في المريلة وقلت قدامهم كلهم:
“والله يا أحمد، أنا مهندسة حصر كميات، زي ما أنت عارف، وفي الفترة الأخيرة الشغل ضاغط عليا جدًا. وبعدين… أنت قلت إنها قعدة طولة، فقلت الأكل الخفيف أحسن.”
أحمد وشه احمرّ: “بس ده مش أسلوب! أصحابي واكلين عندك قبل كدة ومبهورين!”
هنا وقفت، وربعت إيدي وقلت الجملة اللي خلت المكان يتقلب:
**”إنـت اللـي عزمتهـم يا أحمد؟ يبقـى إنـت اللـي هتخـدمهم.”**
ساد صمت تام في الصالة. صحابه سكتوا وبصوا في الأرض، وأحمد وقف ووشه بيطلع نار. عمري ما اتكلمت كدة، ولا عمري “كسرت” هيبته قدام حد.
أحمد قام وقف، وشدني من إيدي عشان ندخل المطبخ، بس أنا شدّيت إيدي بقوة وقلت بصوت مسموع: “الأكل على السفرة، والمواعين في الحوض، والمطبخ مفتوح.. اللي عاوز حاجة يروح يخدم نفسه.”
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، وسيبت “الزلزال” ورايا. دي كانت المرة الأولى اللي أعمل فيها كدة في حياتي… المرة الأولى اللي أقول فيها “لا”، بس كانت “لا” ليها دويّ أكبر من أي صرخة.
قعدت على السرير، قلبي كان بيدق بسرعة، كنت خايفة، بس في نفس الوقت… كنت حاسة بنشوة غريبة. أحمد برا بيخبط على الباب، بيزعق، بيشتم، وبيحاول يكسر هيبة اللحظة دي.
بس أنا كنت بفك طرحتي، وبتنفس بعمق.
سألت نفسي: يا ترى إيه اللي هيحصل لما يخلصوا؟ يا ترى أحمد هيقدر يلم الدور؟ ولأول مرة… ماكنش فارق معايا.
أحمد صوته عليّ وهو بيقول: “سعاد! افتحي الباب ده فورًا! إنتِ اتجننتي؟ إيه اللي عملتيه ده؟”
رديت من جوه بصوت ثابت: “لا ما اتجننتش يا أحمد. أنا بس تعبت. وتعبت من إني أكون ‘الجوكر’ بتاع عزوماتك. لو عايزهم يتبسطوا، قوم أنت انبسط معاهم، وضيفهم، واغسل مواعينك بإيدك.”
البيت سكت تمامًا. صحابه مشيوا بسرعة، وسمعت صوت قفل الباب وهو بيخرج وراهم. وبعدها… خبطة قوية على باب أوضتي…
خبطة ماكنتش خبطة غضب بس، كانت خبطة “صدمة”.
قمت وقفت قدام المرايا، مسحت دمعة نزلت غصب عني، وشفت في عيوني واحدة تانية خالص. واحدة بدأت تاخد حقها… حتى لو كان التمن هيكون خراب البيت اللي بنيته بدموعي.
أحمد فضل يخبط، وأنا فضلت واقفة مكاني، سامعة صوته وهو بيزعق: “سعاد، قسماً بالله لو ما فتحتي لأوريكي مين اللي بيخدم التاني!”
ضحكت بسخرية.. المرة دي ماكنتش خايفة من تهديده. لأن اللي بيوصل للمرحلة دي من التعب، مابيبقاش فارق معاه “العقاب” بعد ما داق مرارة “الاستعباد”.
فتحت الباب ببطء. أحمد كان واقف، وشه أصفر من كتر الغضب، وعيونه بتطلع شرار.
بصلي وقال بصوت واطي ومخيف: “أنتِ عارفة إن اللي عملتيه ده معناه إنك قللتي مني قدام الناس؟ عارفة يعني إيه مراتي تقولي قدام صحابي اخدمهم؟”
بصيت في عيونه وطلعت كل اللي في قلبي: “عارفة يا أحمد. وعارفة أكتر إنك قللت مني بقالك 12 سنة. 12 سنة وأنا “المهندسة” اللي بتطبخ، و”المدام” اللي بتغسل، و”الخادمة” اللي بتبتسم في وش ضيوفك وهي بتفطس من التعب. المرة دي أنا مش بقلل منك، أنا بحط النقط على الحروف.”
أحمد سكت، بس كان سكوت “ما قبل العاصفة”. مسك إيدي بعنف وقال: “إنتِ شكلك نسيتي نفسك.
بكرة الصبح هيكون لينا كلام تاني، وكلام يخليكي تندمي على الكلمة اللي قولتيها.”
سحب إيدي وخرج من الأوضة، وسمعت صوت باب الصالون وهو بيقفله بقوة. قعدت على السرير ودموعي بدأت تنزل، بس كانت دموع “انفجـ,ـار” مش دموع “ضعف”.
تاني يوم الصبح… كانت الشمس طالعة صافية، بس البيت كان مشحون بكهرباء. أحمد ماكلمنيش، وأنا ماخرجتش من الأوضة غير عشان أشوف طلبات الولاد – لو كانوا موجودين.
المشكلة إن “المواجهة” لسه ماخلصتش… وأنا عارفة إن “أحمد” مش هيعديها بالساهل. وعارفة إن حياتي اللي كانت “روتين” ممل، بدأت تتحول لـ “معركة” ماليش فيها غير نفسي…
سمعت صوت مفتاحه في باب الشقة… أحمد رجع، ومعاه صوت “واحدة” تانية… صوت ضحك، وصوت أم محمد… أم أحمد.
أتاريها “الحرب” بدأت بدري أوي.



