منوعات

قصه عمر

في اللحظة اللي قال فيها كده ساد صمت تقيل خنق المكان كله. محدش اتحرك. حتى الخدم كانوا باصين في الأرض وكأنهم عارفين حاجة وخايفين ينطقوا. عمر ضحك ضحكة خفيفة وقال: “إنت تعبان من السفر ومراتك لسه ماتت… طبيعي تتخيل أي حاجة.” كريم رد من غير ما يرفع صوته: “أنا مبتخيلش… أنا بشوف.” خرج الزرار من جيبه وحطه قدام أخوه. “تقدر تقولي ده جه في إيد ندى إزاي؟” عمر بص للزرار ثانية واحدة وبعدين حاول يستخبى ورا ابتسامة باهتة.

“أكيد وقع مني في البيت قبل كده.” “غريبة… وقع منك وإيدها كانت قابضة عليه لحد ما ماتت؟” محدش رد. فايزة دخلت بينهم بسرعة. “كفاية بقى… دي مش ساعة خناقات.” لكن كريم كان حاسس إن كل كلمة بتتقال بتأكد شكوكه أكتر. قرب من النعش وباس جبين ندى برقة وهمس: “أوعدك… مش هسيب حقك.” وبعدين لف ناحية الخدم. “مين كان موجود في البيت يوم اللي حصل؟” الاتنين بصوا لبعض بخوف. واحد منهم قال بصوت واطي: “إحنا… وإحسان الداية… والحاجة فايزة… وأستاذ عمر جه قبل الفجر بشوية.”

عمر اتعصب. “إيه الهبل ده؟ هو أي حد هيقول كلمتين هتصدقوه؟” كريم تجاهله. “فين الداية؟” فايزة ردت بسرعة زيادة عن اللزوم: “سافرت عند أهلها.” “بعد الوفاة بساعات؟” محدش جاوب. بدأ كريم يحس إن كل حاجة مترتبة. دخل أوضة نومه هو وندى. كانت الأوضة نضيفة بشكل مبالغ فيه. ريحة المطهر مالية المكان. فتح الدولاب… لقى هدوم ندى متشالة بطريقة غريبة. فتح درج الكومودينو اللي كانت مخبية فيه حاجاتها المهمة. كان فاضي.

ندى عمرها ما كانت تسيب الدرج فاضي. فضل يدور لحد ما لمح ورقة صغيرة وقعت تحت السرير. كانت نص ورقة مقطوعة. مكتوب فيها بخط ندى: “لو حصلي حاجة… أوعى تصدق إن…” وباقي الكلام كان متقطع. قلبه دق بعنف. في اللحظة دي سمع صوت باب بيستخبط. خرج بسرعة. لقى واحدة من الخادمات واقفة بتعيط. أول ما شافته قالت وهي بتترعش: “يا باشمهندس… لازم تعرف الحقيقة… مدام ندى ما ماتتش زي ما قالولك…”

قبل ما تكمل… صوت صرخة قطع البيت كله. لف كريم يجري ناحية الصوت… فلقى الخادمة واقعة على الأرض والدم بينتشر حواليها… بينما الشخص اللي هرب من آخر الطرقة كان لابس جاكيت أزرق… ناقص منه زرار. كريم جري بأقصى سرعته ناحية آخر الطرقة لكن الشخص اللي كان بيجري اختفى قبل ما يقدر يوصله. رجع للخدامة وهي بتاخد نفسها بالعافية. مسك إيديها وقال: “مين؟ قولي مين عمل كده؟” فتحت عينيها بصعوبة وهمست: “الداية… اسمها أمينة… هي الوحيدة اللي عارفة كل حاجة… الحقها قبل ما يخلصوا عليها.”

وبعدين فقدت الوعي. كريم بلغ الشرطة وطلب إسعاف، لكنه قرر يدور على أمينة بنفسه. بعد ساعات من البحث لقاها مستخبية في بيت قديم على أطراف البلد، أول ما شافته انفجرت في العياط. قالت وهي بترتعش: “سامحني… كنت خايفة. مراتك كانت بخير، والولادة نجحت. ابنك اتولد عايش، لكن أمك وأخوك دخلوا الأوضة بعد الولادة.” كريم حس إن الأرض بتميد بيه. “ليه؟”

أمينة نزلت راسها وقالت: “أخوك كان مديون بمبالغ كبيرة، وكان عايز يبيع أرض العيلة من غير توقيعك. طول ما ندى وابنك موجودين، الورث كان هيبقى ليهم ومش هيعرف يعمل اللي في دماغه. مراتك سمعتهم وهما بيتكلموا وكشفت خطتهم. حاولت تهرب بابنك… حصل بينهم شد، فانتزعت الزرار من جاكيته وهي بتقاوم… وبعدها قتلوها.” كريم سأل بصوت مخنوق: “وابني؟” ردت أمينة وهي بتمسح دموعها: “أنا كدبت عليهم. قلتلهم إنه مات… لكن الحقيقة إني هربته وسلمته لأسرة أعرفها كويس لحد ما يظهر الحق.”

خرج كريم ومعاه عنوان الأسرة. قلبه كان بيدق كأنه هيقف. خبط الباب، وفتحت له ست كبيرة شايلة طفل صغير. أول ما الطفل شاف كريم مد إيده ناحيته من غير خوف. الست قالت: “أمينة قالتلي اليوم ده هييجي. ده ابنك.” كريم حضنه وهو بيبكي لأول مرة من يوم رجع. بعدها سلم كل الأدلة للشرطة: الزرار، والخطاب المقطوع، وشهادة أمينة، والخدش اللي كان في رقبة عمر واتطابق مع آثار مقاومة ندى، وكاميرات محل قريب سجلت دخول عمر البيت وقت الجري*مة وخروجه قبل إعلان الوفاة.

بعد أيام، اتقبض على عمر وفايزة. وأثناء التحقيق انهارت فايزة واعترفت بكل حاجة، وقالت إنها فضلت ابنها الكبير وكانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان يحافظ على ثروة العيلة. بعد شهور، صدر الحكم عليهم بالسجن المؤبد. رجع كريم بيته، لكن المرة دي وهو شايل ابنه بين إيديه. دخل الأوضة اللي كانت ندى بتحلم تربي ابنها فيها، وحط صورة كبيرة ليها على الحيطة. بص للصغير وقال بابتسامة كلها دموع: “أمك ماتت وهي بتحارب عشان تعيش إنت… وأنا أوعدها إنك هتكبر عارف قد إيه كانت بطلة.”

كبر الطفل وسط حب أبوه، وكل سنة كانوا يحطوا باقة زنابق بيضا قدام صورة ندى، مش علشان يفتكروا موتها… لكن علشان يفتكروا شجاعتها. وساعتها فهم كريم إن القبلة الأخيرة اللي طبعها على جبين مراته ما كانتش وداع… كانت وعد، والوعد ده هو اللي رجّع له ابنه، وكشف الحقيقة، وخلى العدالة تاخد مجراها أخيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى