
ثم أشار إلى الهاتف في يدها، وقد ازدادت نبرته غلظة: وبدل ما ترجعي قبل الامتحان، مبحلقة في الزفت ده وانتي ماشية!؟ آخر مرة أشوفك ماشية بيه كده، ولا هفرمهولك حتت تحت رجلك…
تعالت ضحكات أبناء خالتها في خبثٍ طفولي، فأحسّت شهد بغصّةٍ في صدرها، كادت دموعها تفرّ من شدّة قسوته، لكنها تماسكت وأجابت ببرودٍ مصطنع: مش محتاجة حد يعلّمني إزاي أمشي ازاي واعمل ايه؟ انا مابقتش عيلة صغيرة..!!
تجلّى العناد في صوتها، وارتسمت ابتسامة صغيرة عند طرف شفتيها ما بين الاستفزاز والأنوثة، حدّق فيها بعينين تتقدان صرامة، تلك النظرة التي جعلت الدـ,ـم يتجمد في عروقها، فأطرقت رأسها سريعًا هاربةً من أسهم نظراته.
وفي اللحظة ذاتها، خرجت صديقتها نوارة من بيتٍ مجاور، متزينة بابتسامة واسعة، وما إن وقعت عيناها على جلال حتى أشرقت أكثر.
اقتربت بخطوات متلاحقة، وألقت عليه السلام بصوتٍ ملؤه الدلع، وقد غاص في عينيها بريق إعجاب لم تحاول أن تخفيه: صباح الشهد عليك يا معلم جلال
ابتسم جلال وأجابها بودٍّ بسيط:
صباح النور علي نوارة حارتنا
لم تحتمل شهد كأن شرارة الغيرة انطلقت في أعماقها، فاقتربت بخفة، وضـ,ـربت ذراع نوارة بخفة خفيّة لم يلحظها أحد، وكأنها إشارة إنذار لا تريد أن تُفهم علنًا، ثم أمسكتها من يدها بقوة، وجذبتها لتسير بجوارها.
أما جلال، فقد ظل واقفًا في مكانه، عيناه تتابعانها حتى ابتعدت، وفي قلبه نارٌ لا يملك لها اسمًا، يخفيها تحت قناع الهيبة والبرود.
التفتت نوارة في حيرة، بينما شهد تمشي مسرعة، وجهها محتقن بالغضب المكتوم، أنفاسها مضطربة: كل ده عشان تنزلي!!!
قالت نوارة وهي تلهث بجانبها:
ما انتي عارفة مواويل امي للي علي الصبح، سيبك مني، هو ايه اللي حصل؟ الجو كان مكهرب كده ليه؟ هو قالك حاجة؟!
تساءلت نوارة بريبة، فدمدمت شهد بحنق، وهي تشيح بوجهها: ولا حاجة… فكك
ثم أضافت في غيظٍ مكتوم: بس انتي مش هتبطلي استعباط ومرقعة يا نوارة؟ مالك سهتانة علي نفسك كده ليه يا اوخا!!
نفخت نوارة باستياء: يوووه انا عملت حاجة، وانا مالي اصلا هو ينغزك بكلمتين في جنابك كالعادة، وتيجي تطلعيهم عليا!!
صمتت شهد لحظة، ثم تمتمت بحزن حائر:
اه بس لو اعرف ايه مشقلب حاله عليا بالمنظر ده، ده بقي مسكلي علي الواحدة اكتر من الاول!!
ضحكت نوارة بخبث: يا بت هتعمليهم عليا!! كل ده ولسه علي قلب زي العسل ولا نسيتي كلا..
لكنها لم تُكمل، فقد شدّت صديقتها من مرفقها وهمست من بين اسنانها: وطي صوتك حد من العيال يسمعك، يلا امشي متأخرين ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ:.
خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ: بابا؟
ركضت نحوه كطفلة فقدت أمانها منذ زمن، وألقت بنفسها بين ذراعيه، عانقته بصدق، بينما هو يربت على ظهرها ببطء، كأن الأمر لا يعنيه بذات القدر، لكنها لم تلحظ بروده، بينما عيناها تلمعان بالفرح، وصوتها يرتعش من الشوق: وحشتني اوي يا بابا… ايه المفاجأة الحلوة دي جيت امتي من البلد؟!
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مجهد:
انتي كمان وحشتيني يا شهد… انا مابقاليش كتير واصل، طمنيني عليكي صحتك كويسة
أمسكت بيده بحماس طفولي، وعيناها تلمعان كما لو أنها وجدت كنزها الضائع: ايوه الحمدلله، تعالي نتمشى شوية، نفسي أكلم معاك في حاجات كتيرة
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
جلسا معًا على مقهى مطل على النيل، كانت شهد تتحدث بلا توقف؛ عن دراستها، عن امتحاناتها، عن خالتها وضيّ وأخواتها الصغار، حتى عن أحلامها في المستقبل، كان قلبها أخف من الريشة، ولسانها لا يعرف التوقف.
أما خليل فكان يبتسم ويهز رأسه أحيانًا، لكن عيناه تراقبانها بصمت غامض، كل حركة صغيرة منها، كل التفاتة، كل ضحكة، كانت كافية لتثير داخله شيئًا مريبًا لم تفهمه ابنته المندفعة في براءتها.
بعد ساعتين من الحديث المتواصل، أخرجت شهد هاتفها، فوجدته بلا شحن، ابتسمت ببراءة، وقالت: ممكن تليفونك يا بابا؟ أكلم ماما أطمنها إني معاك نسيت خالص اتصل بيها وزمانها قلقانة اني مارجعتش لدلوقتي
تصلبت ملامحه للحظة، قبل أن يجيب سريعًا: تليفوني كمان فاصل… وبعدين احنا شوية ونمشي عشان ورايا مشاوير مهمة
ترددت شهد قليلًا، لكنها سرعان ما ابتسمت بعدم اكتراث مطمئنة: ماشي…
بس أوعدني نكرر الخروجة دي تاني بعد الامتحانات
خليل بابتسامة: أكيد يا شهد… أكيد
❊❊❊
في السيارة
جلست شهد تغني لنفسها بصوت منخفض، وهى تنظر إلى خليل الذى كان يشترى مشروبًا من إحدى البائعة وحين صعد السيارة يمدّ إليها كوبًا بلاستيكيًا: الحلبيسة اللي بتحبيها اشربيها قبل ماتبرد
تناولت الكوب بضحكة خفيفة:
والله كانت نفسي رايحالها بقالي كام يوم، ماقولتليش يا بابا جبت العربية الحلوة دي منين
خليل بهدوء: اخدتها من واحد صاحبي اعمل بيها مصلحة وارجعهاله
بعد قليل تثاقلت جفونها، وبدأت الرؤية تتماوج أمام عينيها، ارتجف قلبها في صدرها، وخرجت كلماتها متقطعة:
بابا انا معرفش ليه حاسة بنعسان…؟
انطفأ صوتها تدريجيًا، وغرقت في عتمة ثقيلة، تاركة خلفها آخر ما تتذكره ابتسامة باردة على وجه والدها.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ لمح جلال الطفلين جالسين على عتبة السلم أمام العمارة، عيونهم متوجسة ووجوههم شاحبة، توقّف عندهم وسأل بضحك: إيه يا واد إنت وهو، قاعدين مابتلعبوش زي عوايدكو، اكيد ماحلتوش كويس في الامتحان؟
رفع عاصم عينه، وقال بصوت متوتر: مستنيين شهد تيجي.
قطّب جلال حاجبيه، ونظر للساعة في معصمه، ثم سأل باستنكار: ليه هي فين دا كله؟ الساعة داخلة على خمسة بعد المغرب!
أجاب هشام وهو يحرك قدميه باضطراب: مانعرفش…
المفروض خلصت امتحانها من بدري ورجعت على البيت، بس بنتصل عليها مابتردش
قبل أن يستوعب جلال الكلام، نزلت سندس مسرعة، صدرها يعلو ويهبط من اللهاث، وخلفها زينب بملامح يكسوها الانزعاج. أشارت زينب للأطفال بسرعة وقالت بحزم: وله يا عاصم، خد أخوك واطلعوا فوق اقعدوا مع ضي لحد مانرجع، ماتنزلوش غير وإحنا موجودين… سامعين؟
رمقهم جلال باستفهام وقلق وسأل: خير يا جماعة؟ ايه الحكاية؟
أجابته زينب بصوت يقطر توترً: مش خير يا جلال… مش خير خالص، البت شهد لحد دلوقتي ما رجعتش، والدنيا قربت تعتم
رفع جلال يده مهدِّئًا: استهدوا بالله، طب ماجربتوش تكلموها على تليفونها؟
ردت سندس، والدموع بتلمع في عينيها: مقفول من الضهرية يا جلال! اتصلنا فوق الألف مرة… ولما كلمنا صحبتها نوارة، قالت إن خليل أبوها جه وخدها بالعربية، ومن ساعتها مفيش منها لا حس ولا خبر!
تجمد جلال لبرهة متعجبًا، لكنه تماسك قبل أن يقول بجدية: طيب اهدوا شوية، مافيش حاجة تخوّف، هي راحت مع أبوها خلا…ص
قاطعته سندس بسرعة: لا يا بني! الموضوع مايطمنش، أبوها دا بقاله سنين لا حس ولا خبر، لا بيرفع سماعة التليفون يطمن، ولا بيسأل عليها، ما انت عارف كل حاجة دلوقتي، فجأة ياخدها من غير ما حد يعرف؟! أنا مش هقعد على قلبي…
أنا رايحة أشوفها عنده
التفتت لسلالم البيت وهتفت: واد يا عاصم! روح هات لنا تاكسي من عالناصية بسرعة
جلال بحزم: استهدوا بالله… أنا هوصلكم بلاش بهدلة التاكسيات
تنهدت سندس محاولة الاعتراض: لا يا بني، كتر خيرك مش عايزين نتعبك معانا
ارتسمت الجدية على وجه جلال، وهو يفتح الطريق أمامهم: مافيش تعب ولا حاجة… اتفضلوا بينا
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊

