تفاجأ عم حسن بقدومي وقدّمني للرجال قائلا :
ـ دا غريب قريب المعلم صابر بتاع سوق العبور .
ومنذ هذه اللحظة وبدأ الناس ينادوني باسم ( غريب ) ، عن حسن كان معترض إنّي أساعده بس تفاجىء إنّي بعرف أقرأ واكتب وانبهر أوي وقال :
ـ طيب هنروج لـ شاهين وهو هيشغلك .
سألته :
ـ شاهين دا صاحب المزرعة .
ضحك عم حسن وقال :
ـ لا دا اللي بيقوم بإدارة المزرعة … لكن البيه الكبير مش فاضي من شغله وسفره .
عم حسن قدّمني لشاهين على إنّي ( غريب صابر ) ، شاهين كان شاب تقريبا جاوز الخامسة والأربعين ، بس مش عارف ليه لمّا شفته مكنتش مرتاح خالص ، جايز علشان تقاسيم وجهه الصارمة وجايز علشان كان بيكلمنا بطريقة فيها تكبر ، المهم شاهين قال :
ـ طيب دلوقتي يشتغل العمّال وطالما يعرف يقرأ ويكتب هشوف له فرصة في الحسابات قريب .
وبدأت أجني الثمار وأحمل الأقفاص على كتفي لحد العربيات والشاحنات العملاقة ، الشغل رغم إنّه يبدو للبعض سهل لكن كان بالنسبة لي صعب وشاق ، وبعد الظهر أمرنا شاهين باستراحة لمدة ساعة لتناول الطعام ، والطعام كان مجانا لكل العمال ، جلستُ تحت شجرة برتقال أتناول طعامي بعيد عن العمال ، وشاهين كان بالقرب منّي يعبث في تليفونه المحمول ، وفجأة سمعت شاهين ينادي عليا قائلا :
ـ غريب … بص كده علي الكاميرا .
لمّا بصيت على الكاميرا قال :
ـ ابتسم .. ابتسم يا غريب .
مكنتش عارف هو بيعمل كده ليه بس لمّا ابتسمت ألتقط لي صورة ثم انصرف وهو يعبث في تليفونه المحمول . رواية رسالة من زوجي الميت
بالعامية المصرية
تأليف السيد عبد الكريم الفصل السادس….رواية رسالة من زوجي الميت
يرويه نادر التاجي
لمّا شاهين قام بتصويري بالموبيل مكنتش عارف بيعمل كده ليه ، بس عم حسن نصحني إنّي لازم أطيعه ؛
علشان هو اليد اليمنى للبيه الكبير ولازم يكون مبسوط منّي على حد تعبير عم حسن علشان استمر فى الشغل ، وكمّلت شغلى في جني الثمار وحملها عبر أقفاص إلى شاحنات وعربات ضخمة تابعة لكبار التجار في محافظات القاهرة والإسكندرية ووجه بحري ، وعند المساء وقفنا طابور أمام شاهين لنحصل على الأجرة ، عرفت إنْ العمّال هنا بيحصلوا على راتبهم بشكل يومي ، ولمّا نادي شاهين على اسمي تقدمتُ وانقدني أجرتي وأخبرني أنّه لابد من الحضور مبكرا غدا ؛
لأن تاجر مشهور سيأتي لشراء حصة من الفواكه ، انتهي اليوم وخرجت من المزرعة وبدأت أتجول في القرية وشوارعها وسوقها ، وقمتُ بشراء ما يلزمني من طعام وعدت إلى غرفتي ، صعدتُ الغرفة وبدّلت ملابسي التى أعطاني إيّاها عم حسن ، وبدأتُ في تجهيز الطعام ، ثم سمعتُ طرقات على الباب ، كانتْ رحمة تبتسم في رقة، قالتْ :
ـ مساء الخير .
ارتبكت شوية ورددتُ التحية ، ثم سمعتها تقول :
ـ عرفت إنّهم بينادوك باسم غريب .
مكنتش عارف أرد أقول إيه بس قدرت أتشجع وقلت :
ـ اهو اسم وخلاص .
قالتْ :
ـ عارف … انا مش حابه الاسم ده …انا هناديك باسم ضياء .
قلتُ :
ـ ماشي .
ويظهر إنْ إجابتي مكنتش كافية ؛ لأنّها قالت :
ـ مسألتش يعني اشمعنا الاسم ده .
قلت :
ـ جايز يكون اسم حد من قرايبك أو حد عزيز عليكي .
ضحكت ضحكة مشرقة بدت فيها أسنانها الناصعة وضاقتْ عيناها في سعادة وقالتْ :
ـ لا .
قلتُ :
ـ طيب اومال إيه ؟
أجابتْ :
ـ هتعرف مع الأيام .
لم أرد ولم تتكلم هي وطال الصمت ثم قالتْ :
ـ طيب تعالى بقا علشان أنا مجهزة الأكل من بدري .
قلتُ :
ـ لا … أكل إيه … كفاية عليكم كده وانا جبت أكل من السوق على فكرة وهجهز لنفسي .
قالتْ في غضب واضح :
ـ طالما أنا موجودة يبقي مش هتاكل إلاّ من إيدي قصدي إلاّ معانا في بيت عمك حسن .
لم تمهلني لأعترض ؛ فذهبتُ معها .
( متنسوش روايتي الجديدة اسمها مدينة أوكجي هتلاقوها الان فى معرض الكتاب)
كنا حول مائدة الطعام أنا وعم حسن ومديحة ورحمة التى كانتْ تنظر لى إذا توقفتُ عن الطعام قائلة :
ـ هو الأكل مش عاجبك .
وبدأ عم حسن يتحدث عن المروعة والعمّال والبيه الكبير وشاهين ، ثم قال لزوجته :
ـ تخيلي إنْ غريب بيعرف القراءة والكتابة .
نظرت لي رحمة بإعجاب كأنني عالم فضاء ، كانتْ عيناها تقول أشياء كثيرة ، قلتُ :
ـ أنا حاسس كمان إنّي خريج جامعة .
قالتْ رحمة :
ـ لا جامعة إيه … هي القراءة والكتابة وخلاص .
مكنتش فاهم تقصد إيه بس قالتْ موضحة :
ـ لو خريج جامعة يبقي أكيد هتتركنا لمّا تفتكر حياتك .
قلتُ :
ـ معقولة … طيب والله أنا حاسس إنّكم أهلي …واللى عمله معايا عم حسن ..
قاطعني عم حسن قائلا :
ـ عيب الكلام ده يا غريب … أنا اللى عملته معاك كنت هعمله مع أي حد كان فى موقفك .
انتهينا من الطعام ونهضت للرحيل لكن رحمة قالتْ :
ـ لا … استنى لمّا تشرب الشاي .
كنت في حرج من هذا الكرم وهذه المعاملة الحسنة ، لكنني صممتُ على الرحيل .
فى غرفتي فتحت الشباك المُطل على الزروع والأشجار ورحت أفكر ، أنا مين ، وحياتي السابقة شكلها إيه ، وكنت عايش فين ومع مين ، وليه الضبّاط كانوا عايزين يحققوا معايا في المستشفي ، أنا شفت بعينى المحققين ووكلاء النيابة كل يوم وكل ساعة في المستشفي ما بيصدقوا إنْ مريض يقدر يتكلم ويحققوا معاه ، يا تري إيه الجـ,ـريمة اللى عملتها ، وازاى أصلا شاركت مع الناس دي في جـ,ـريمة كانت مخلية رجال الشرطة والقضاء مهتمين أوي كده ، وبينما أنا شارد في أفكاري سمعتُ طرقات على الباب ، حينما فتحت الباب وجدت رحمة تحمل بين يديها صينية عليها كوب شاي
، قالتْ :
ـ أزعجتك ؟
أجبتُ :
ـ لا طبعا … بس أنا محرج أوي من المعاملة دي … حاسس إنّي حمل تقيل عليكم … إقامة وأكل وشرب وانتو متعرفوش عنّي حاجة .
قالتْ في تعجب :
ـ نعرف عنّك كل خير … سيبك من الماضي يا ضياء … أنتَ من ساعة ما جيت هنا مشفناش منّك غير الأدب والاحترام
قلتُ في نفسي
( أه لو يعرفوا إنْ الشرطة بتبحث عنّي وعايزين يحققوا معايا فى الجرـ,ـيمة اللى أنا عملتها ) ،
المهم سمعتها بتقول :
ـ يعني ناس كتير تتمني تنسي ماضيها وتبدأ حياة جديدة ..وأنتَ بتحاول تفتكر ماضيك !
قلتُ :
ـ انتي متعلمة يا رحمة ؟
أجابتْ :
ـ على قدي … دبلوم …. مش جامعة زي ناس تانية .
قلتُ :
ـ انتي هتزعلي يعني لو أنا طلعت خريج جامعة .
شردتْ في خواطرها فزاد جمالها وقالت دون أنْ تنظر نحوي :
ـ مش عارفة .
قلتُ :
ـ عامة أنا مش عارف ولا فاكر أي حاجة عن حياتي الماضية …وموضوع إنّي خريج جامعة مجرد إحساس مش اكتر .
قالتْ في حزن وشرود :
ـ طيب .
ثم غادرتْ . تاني يوم الصبح كنت بوقّع في دفتر حضور العمّال عند شاهين ، وبدأتُ في عملي المعتاد ، وفى منتصف النهار رأيتُ عم حسن مقبلا نحوي وقال :
ـ أنا كلّمت شاهين ينقلك تبع مجموعتي .
ووضح لي إنْ العمّال هنا مقسمين إلى مجموعات ، كل مجموعة لها رئيس ، وعم حسن رئيس مجموعة ، وشاهين هو رئيس كل المجموعات ومسئول عن المرتبات ومتابعة بيع كل ثمار المزرعة ، انتقلتُ إلى مجموعة عم حسن الذي قال بينما نحن نعمل :
ـ انهارده فيه تاجر جديد جاى من القاهرة ..أول مرة يشتري مننا …ولازم نكسبه علشان يبقي زبون دائم … شاهين بيقول إنّه معاه سلاسل محلات وفرش كبير في سوق العبور وحدايق القبة .
قلتُ :
ـ هو مفيش حد بيورد للقاهرة غير البيه الكبير ؟
أجاب :
ـ فيه كتير … بس البيه الكبير رقم واحد في الصعيد .
قلتُ :
ـ وهو ليه مش بنشوفه هنا ؟
أجاب :
ـ هو من مواليد القاهرة ومشاغله كلها هناك بحري … وعضو مجلس شعب 4 دورات ورا بعض …بس الدورة اللى فاتت أخدها منه حسان بيه الله يرحمه .
وقبل أنْ يتكلم رأيت شاهين مقبلا من بعيد ثم قال :
ـ يلاا يا عم حسن …جهز طلبية البرتقال وطلبية البنجر ؛ علشان المعلم ( إيهاب ) وصل .
قالها ثم انصرف ، ثم سألتُ عم حسن قائلا :
ـ مين المعلم إيهاب ده يا عم حسن ؟
أجاب في بساطة :
ـ ما هو ده التاجر الجديد اللى قلتلك عليه جاي من القاهرة
يتبع رواية رسالة من زوجي الميت
بالعامية المصرية
تأليف : السيد عبد الكريم
الفصل السابع رواية رسالة من زوجي الميت
يرويه نادر التاجي
حينما حضر المعلم إيهاب من القاهرة طلب منّي عم حسن الإشراف على بقية الأنفار لحين استقبال التاجر الجديد ، وقمتُ بمساعدة العمّال في نقل الأقفاص إلى شاحنة التاجر الجديد بينما كان التاجر الجديد في فيلا البيه الكبير يشرب الشاي مع شاهين وعم حسن وبعض الأشخاص ، حينما انتهينا من تحميل الأقفاص عدتُ لجني الثمار مع بقية العمّال وبعد ساعة رأيتُ من بعيد رجلا يصافح شاهين فعلمتُ أنّ الصفقة تمتْ وأنّ المعلم إيهاب اتفق على السعر وسيكون ذبونا دائما لدي المزرعة .
غادرتْ شاحنة المعلم إيهاب وجاء عم حسن وأخبرني أن المعلم إيهاب اشترى حصة كاملة وسوف يكرر الصفقة قريبا ؛لأن المحصول أعجبه ، قلتُ لعم حسن :
ـ حابب أكلمك فى موضوع .
قال :
ـ قول يابني .
قلتُ :
ـ موضوع العشاء وكده أنا بصراحة بكون محرج أوي ولو أكلت لوحدي في أوضتي هكون واخد راحتي أكتر وأرجو إنّك متزعلش من صراحتي .
قال :
ـ بص يا غريب … لو خايف تكون تقيل علينا فالحمد لله مستورة يابني والخير كتير … لكن لو حابب يكون لك خصوصيتك فمفيش مانع .
عدتُ في المساء إلى غرفتي وجهزتُ الطعام وبدأتُ أتناوله في شرود ، ثم سمعتُ طرقات على الباب فرأيتُ رحمة التي قالتْ :