_ وصلا الجميع أمام المشفى، ترجل رجال الإسعاف حاملين هلال على الناقلة، كان في إستقبالهم طاقم من التمريض والأطباء الذين تولوا المهمة من رجال الاسعاف _ أُغلق باب غرفة العمليات الذي اختفي خلفه هلال ومرافقيه من الأطباء وبعض التمريض، ساعد مصطفى والده على الجلوس في إحدي مقاعد الإنتظار بينما هو لم يطيق الجلوس، جاب المرر ذهاباً وجيئا في انتظار أي شئ يطمئنه على أخيه. _ في مكان آخر، لقد فاض الكيل بها هي لن تنتظر في تلك السرايا التي بدت وكأنها سجن لا تعرف الهروب منه، ستعصي أمر زوجها بالبقاء مكانها وهو سيبلغها بالجديد ما أن وصل لشئ..
_ خرجت من السرايا لا تريد سوي رؤية ولدها الذي إنفطر القلب حزناً على ما أصابه وأي حزن تتحدث فهو آخر ما العين رأت مدللها الصغير، هي من سهرت الليالي بجانبه، من أرضعته وأول من أطعمته بيدها، أول نُطقٍ له كان يردد بإسمها، شهدت طفولته وريعان شبابه، لم تكل يوماً من الأعباء التي كان يسببها بشقاوته منذ صغره، هو نصف الروح ونصف القلب وله في الفؤاد عشقاً لا ينتهي..
_ لا تعلم أي طريق سلكت ولا أي وقت مر عليها، فقط تسير ولا تعلم وجهتها، مقلتيها لم تجف من الدموع قط، خانتها ساقيها وتعسرت في إحدى الأحجار، وما إن إرتطمت بالأرض حتى جهشت باكية صارخة بألم شديد لم تعد تتحمله داخلها، صرخت وصرخت ربما يهدئ جوفها ولو قليل.. _ توقفت سيارة الربع نقل أمامها، ترجلت منها “صفية” مهرولة إليها بذعر يعتلي تقاسيم وجهها، جلست القرفصاء مقابل السيدة نادرة ورددت ببكاء مرير:-
الحمد لله أني لجيتك جلبي وجع في رچليا من خوفي عليكي، مجدرتش أشوفك بتركضي برا الدار وأهملك في حالتك ديي شيعت لطه أخوي ياجي بالعربية نوصلوكي للمستوصف
_ طالعتها بنظرة منكسرة ورددت بأنفاس متهدجة:-
ولدي.. رايدة أطمن عليه يا صفية _ إنهارت الأخري باكية متأثر من ضعفها التي تشهده لأول مرة، فالسيدة نادرة تُعرف بالحدة والثبات، يرتعب كل من في السرايا حينما تعبس فقط بوجهها.. _ حاوطت صفية ذراع نادرة التي إتكأت عليها لحين وصولها إلى السيارة، طالعها “طه” بشفقة على حزنها الواضح وتمني لولدها أن يكون بخير:-
ربنا يطمنك عليه يا ست نادرة ولا يخسرك فيه واصل
”يسمع من بوجك ربنا يا طه”
_ أردفتهم بمزاج غير سوي، أسندت رأسها على النافذة بحزن قد تبدد في قلبها تعد الثوانِ لكي تصل إلى صغيرها وتطمئن عليه.. *** _ إزدحم المرر أمام غرفة العمليات، كل من يعلم بتلك الحادثة البشعة لا يتردد في القدوم، فهلال إبناً للجميع، تمر الدقائق على الجميع كالأعوام العجاف لا خير يطمئنهم فيها _ فُتح باب الغرفة تلقائياً عند مرور أحد الأطباء قاصداً الخروج، كانت خطوات مصطفى أسرع من الجميع إليه كما تبعه خليل بمساعدة عسران حينما رأي صعوبة حركته
_ حالة سكون عمت المكان بعد أن كان يصعب سماع بعضهم البعض من خلف ضجتهم، الجميع منتظرين ما يسر قلوبهم على صغيرهم، وزع الطبيب أنظار بينهم ثم أردف بملامح جامدة:-
المريض إتعرض لطلج ناري عمله نازيف داخلي في الرئة وللأسف الحالة إدهورت لأنه بجاله وجت طويل إبينزف وهو داخل المستوصف منتهي، البقاء لله شدو حيلكم _ سكون مريب ساد للحظات يستوعب فيها الجميع حجم المصيبة التي حلت على روؤسهم، ألجمت الصدمة ألسنتهم كما أعتلت الحسرة وجوهم وقلوبهم
_ ”ولدي”
صرخت بها “نادرة” متحسرة على فراق رفيق روحها الصغير، تخطت ذلك الحشد من الرجال بصعوبة بالغة مستندة عل صفية، وصلت إلى حيث يقف مصطفة ورددت بنبرة انخلع القلب لها:-
الراچل ديه يجصد مين يا مصطفى يجصد خوك يا ولدي؟ هو جال شدو حيلكم في خوك يا ولدي؟ _ رفعت “ناردة” يدها على صدر مصطفى الذي تلقي ضرباتها عليه مضيفة بإنهيار:-
رد يا مصطفي، جولي لا مش أخويا ياما جولي هلال كيف الجبل ما يهزه ريح إنطج وجول
_ لقد فقد صوابه من خلف بكائها وكلماتها التي أثبتت له هول المصيبة الواقع بها، حاوطها بذراعه ضامم إياها لصدره محاولاً تهدئتها لكنه لم يقدر على النطق، فكيف سيوايها في شئ لم يستوعبه بعد!! _ خارت قوة خليل وإنكسر عموده الذي يساعده على الوقوف ووقع أرضاً، هرول الجميع نحوه مذعورين خشية مكروه قد أصابه، نظر “مصطفى” إلى حيث تقف صفية وردد بنبرة أمرة:-
سندي أمي _ أعطاها إلى صفية وركض إلى والده، إنحني أمامه وفتح أزرار جلبابه محاولاً إيفاقته، مرت دقايق معدودة إستعاد بها خليل وعيه بالكامل، لعن تلك الذاكرة التي مازالت محتفظة بتلك الذكري المؤلمة التي تزيده تحسراً
_ تنحي جميع الواقفين جانباً مشكلين ممراً يمر منه هلال ومرافقيه من التمريض، إقترب مصطفي منهم ووقف أمام الناقلة يرمق هذا الغطاء اللعين الذي يفصل بينه وبين شقيقه، مد يده وبهدوء حذِر سحب الغطاء من على وجهه.. _ خفق القلب قهراً على تلك العينين الموصدة التي لن يراهم مرة أخري، مال على أخيه ووضع قُبلة الوداع أعلى جبينه، شعر برجفة قوية في أوصاله حينما لمس جبينه وشعر ببرودته، خارت قوة تحمله وفرت دمعة من عينيه هامساً بنبرة مهزوزة:-
يا خوي….
_ مسح دموعه سريعاً ما إن شعر بإقتراب أحدهم، إقتربت نادرة بخطي ثقيلة تجر خيباتها وقهرتها خلفها بعد أن كانت مترددة كثيراً في الإقتراب منه، مالت عليه مقبلة إياه بعدة قُبلات على ثائر وجهه، جهشت باكية وهي تندب متحسرة:-
يا وجع جلبي عليك يا ولدي، أنت عتحب أمك متهملهاش لوحديها يا حبة عيني لسه بدري عليك جوي يا هلال لساتك عريس متهنتش بشبابك يا حبيبي، جوم روح لعروستك لساتكم معيشتوش يا نن عيني، مع السلامة يا حتة من روحي مع السلامة..
_ لم يتحلي خليل بالقدرة الكافية لينظر النظرة الأخيرة التي يودع بها ولده، إكتفي برمقه من بعيد حتى لا يجن جنونه إذا إقترب منه حتماً سيندب مثل النساء متحسراً على فراقه. _ أعادت الممرضة الغطاء على وجه هلال وتحركت به مبتعدة عنهم وهي تبكي حزناً على حديثهم الذي أثر بها، بدأ الجميع في الإنسحاب خارج المشفي منتظرين إنهاء إجراءات خروج هلال الذي يقوم بها مصطفي برفقة عسران.. ***
”الواد مات”
_ رددت بهم “ثريا” بعد أن أغلقت المكالمة التي قامت بها لتعلم وضع هلال، نظرت في الفراغ أمامها بصدمة جلية إعتلتها، صدرت شهقة قوية من “سنية” وضربت على صدرها بمرارة متحسرة عليطى أصاب زوج أبنتها:-
مات كيف، وبتي؟ الحزن بدري عليها جوي _رمقته بنظرات إحتقارته وهي تقترب بخطاها منه، ظلت تضرب صدره بكل قوتها وصرخت به هادرة:-
منك لله يا حمدان ربنا ينتجم منك، فاكر إن محدش جادر عليك بس ربنا منتقم جبار، مش هتفلت بعملتك ديي أني هبلغ عنك وأشفي غليلي فيك
_ تحركت مبتعدة عنه فلحق بها ممسكاً بذراعها التي غرز أظافره به فآنت سنية بنبرة متألمة، صوب نظراته الثاقبة أمام عينيها وحذرها بنبرته التي خرجت حادة صارمة:-
فكري تعمليها وتبلغي عني وهخلي بتك تحصله، أنتِ لساتك متعرفيش حمدان وشره إتجي شري يا سنية وعاودي أوضتك ولا كانك تعرفي حاجة من أساسه _ دفعها بقوة فإرتطمت بالأرض إثر قوة دفعته لجسدها الهزيل، إنسدلت دموعها على مقلتيها قهراً وحزناً، إتكأت بمعصميها على الارض لكي تنهض فالحركة بدت ثقيلة للغاية من هول الصدمة
_ عادت إلى غرفتها تعيد تهديد حمدان في عقلها بتوجس معانق لقلة الحيلة، ماذا تفعل أتخبر الجميع بحقيقة #حمدان المتعمد لهلال أم تصمت خشية أن ينفذ تهديده ويطيل صغيرتها مكروه؟