Uncategorized

بقلم روميساء 1

” يوسف لو في حاجة لازم أعرفها، قولي دلوقتي… متخلينيش أكتشفها لوحدي.” كانت هذه الجملة كافية لجعل يوسف يشعر وكأن الأرض تهتز تحته. لم يكن يعلم ماذا يقول. لم يكن هناك شيء يعترف به، لكنه أيضًا لم يكن قادرًا على إقناعها أنه بريء تمامًا. في أحد المقاهي الفاخرة، جلست يارا أمام صديقتها المقربة، سمر، وهي تلوّح بملعقتها داخل فنجان قهوتها، وعيناها تلمعان بمكر. “يوسف لسه بيفكر فيا، أنا متأكدة.” قالتها وهي تتظاهر بعدم الاكتراث، لكنها كانت تنتظر ردة فعل صديقتها.

سمر رفعت حاجبها بشك: “إنتي بتتكلمي جد؟ ده متجوز وباين إنه مستقر في حياته.” ضحكت يارا بسخرية وهي تميل للأمام: “متجوز، بس مش سعيد. شوفي، هو أول ما شافني في الرحلة، مكنش عارف يخبي مشاعره. باين عليه إنه لسه متعلق بيا.” سمر هزّت رأسها ببطء: “يارا… إنتي متأكدة إنك مش بس بتتوهمي؟” ابتسمت يارا بخبث: “سمر، لو شوفتي نظراته ليّا، كنتي فهمتي كل حاجة. هو مش عارف يعترف، بس أنا عارفة… يوسف عايز يرجع لي.”

ترددت سمر للحظة قبل أن تسأل: “طب وإيه خطتك؟” يارا وضعت يدها على خدها ونظرت إلى الخارج كأنها تفكر بصوت عالٍ: “أنا بسهل عليه القرار. خليت رحيل تشك فيه، وسايباه يتصرف. في الآخر، لما المشاكل بينه وبينها تكتر، مش هيلاقي غيري قدامه.” سمر نظرت إليها بدهشة: “إنتي فعلًا بتلعبي بالنار.” لكن يارا ابتسمت بثقة: “وأنا بحب النار، يا حبيبتي.” في صباح اليوم التالي، جلس يوسف في مكتبه، يحاول التركيز لكنه لم يستطع. كان يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا… شيء لم يفهمه بعد.

أخرج هاتفه، فتح قائمة الأسماء، وظل ينظر إلى اسم يارا، تردّد… ثم ضغط على زر الاتصال. رنّ الهاتف مرتين قبل أن يأتيه صوتها، هادئًا لكنه يحمل نبرة خفية من الانتصار: “وأخيرًا افتكرت تتصل.” صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض: “يارا… إنتي اللي حطيتي الإسورة في شنطتي؟” ساد صمت قصير قبل أن ترد بصوت هادئ وكأنها تفكر بجدية: “إسورة؟ أي إسورة يا يوسف؟ أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه.” قطّب حاجبيه، شعر أن نبرتها خالية من أي انفعال… لا سخرية، لا اعتراف، لا ندم. فقط هدوء قاتل.

“يارا، متلعبِيش معايا. الإسورة اللي كنتي لابسها في الرحلة… إزاي وصلت لشنطتي؟” ضحكت ضحكة قصيرة، ثم ردت بهدوء أكثر، وكأنها تتعمد تركه يغرق في أفكاره: “أنا فعلاً مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه… بس واضح إن فيه حاجات في حياتك بقت تلخبطك، يوسف.” ثم أنهت المكالمة دون كلمة إضافية. ظل يوسف ممسكًا بالهاتف، يحدّق في الشاشة، يشعر أن عقله يوشك على الانفجار. هل كانت تكذب؟ أم أن هناك شيئًا آخر لا يفهمه بعد؟

لأول مرة، بدأ يشك في كل شيء… حتى في نفسه. في صباح اليوم التالي، وبينما كانت رحيل تستعد للخروج، رنّ هاتفها برسالة مجهولة المصدر. فتحتها، ووجدت صورة… صورة التقطت في الرحلة. الصورة كانت واضحة جدًا: يوسف ويارا يقفان في بهو الفندق الذي نزل فيه خلال الرحلة. كانت يارا تضحك، ويدها قريبة من كتف يوسف، بينما كان يوسف ينظر إليها نظرة لم تستطع تفسيرها. هل كان يبتسم؟ هل كان متوترًا؟ هل كان مستمتعا؟

لا يبدو الأمر كأنه “لقاء عابر” كما ادّعى. شعرت رحيل بوخزة في صدرها. من الذي أرسل هذه الصورة؟ ولماذا الآن؟ قبل أن تستوعب الصدمة، وصلتها رسالة أخرى: “الحقيقة دايمًا أوضح في الصور، مش كده؟” حاولت تتبع الرقم، لكنه كان مجهولًا. هل كانت يارا؟ أم شخص آخر يحاول تحذيرها؟ رفعت رأسها، ونظرت إلى يوسف الذي كان يخرج من الحمام وهو يجفف شعره، غير مدرك أن عالمه على وشك الانهيار أكثر. الفصل السادس – صدى الخيانة

صوت الماء المنهمر من الحمام كان الخلفية الوحيدة للصمت المشحون الذي اجتاح الغرفة. رحيل جلست على حافة الاريكة ،عيناها مثبتتان على شاشة هاتفها، حيث استقرت الصورة التي قلبت عالمها رأسًا على عقب. أصابعها قبضت على الجهاز بقوة، وكأنها تحاول سحق الشكوك التي بدأت تتسلل إلى قلبها. لم تكن مجرد صورة… كانت صفعة قاسية على ثقتها، على كل مرة أقنعها فيها يوسف أن ماضيه مع يارا قد انتهى. كانت رحيل تحدّق في هاتفها، نبضاتها تتسارع مع كل ثانية تمرّ. الصورة أمامها لم تكن مجرد لقطة عابرة، بل كانت خنجرًا غُرس في قلبها دون رحمة. يوسف… ويارا… معًا.

دوى صوت باب الحمام وهو يُفتح، ليخرج يوسف، يلف المنشفة حول خصره، وقطرات الماء تتساقط من شعره. مسح وجهه بالمنشفة الأخرى دون أن يلاحظ نظرة رحيل المتجمدة. لكنه شعر بالصمت. ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة. رفع رأسه أخيرًا، ليجدها جالسة في نفس الوضعية، ملامحها لا تعبر عن شيء سوى الغموض. لكنه يعرفها جيدًا، ويعرف أن هذه النظرة أخطر من أي صراخ. اقترب منها بحذر:
“رحيل؟ مالك؟” لم ترد. فقط رفعت الهاتف أمام وجهه، وعندما وقعت عيناه على الصورة، شعر وكأن الهواء قد اختفى من الغرفة.

نهضت واقتربت منه قليلًا: “يوسف… أنا سألتك قبل كده، وعايزة أسأل تاني… في حاجة لازم أعرفها؟” نظر إليها بعمق، كان يعلم أنها لم تعد تصدقه تمامًا، لكنه قال بثقة زائفة: “أنا مفيش حاجة بخبيها عنك.” ابتسمت رحيل بسخرية وهي تمسك هاتفها، ثم عرضت له الصورة مجددًا—الصورة التي وصلتها، والتي يظهر فيها يوسف ويارا معًا. “طب لو كده… ليه ماقولتش إنك شوفتها لما رجعت من السفر؟”

انت في الصفحة 4 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى