زيزي محمد لعبة الهوى الحلقة 1
.
.
.
ما بين البدايات والنهايات خطوط طويلة، تملؤها أحداثًا أحياناً مريحة للنفس، وأخرى مرهقة، نحتفظ بحلاوة البدايات ونستمتع بها لأقصى درجة، حتى إنها تظل معلقة بقلوبنا لفترات، أما النهايات فلها طريق مختلف موجع، قاسٍ، مرارته تتعلق بعقولنا، وأحيانًا تطمس معها متعة البدايات!.
في ليلة شتاء قارسة، تتساقط بها حبات المطر فوق شوارع القاهرة، في مشهد يتكرر إلى حد ما في فصل الشتاء، وكالعادة يفر المارة إلى بيوتهم، يحتمون بها من صعوبة الجو، إلا هي سرقها الوقت معه في الكافية الخاص الذي يملكه في إحدى مناطق القاهرة الراقية..
استندت رقية ذات الرابعة والعشرين على الزجاج الذي كان يمثل جزءًا كبيرًا من تصميمات الكافية، راقبت بعيناها الزرقاء تساقط حبات المطر في تناغم رهيب مع هدوء المكان الذي أثار بعض الريبة والقلق بداخلها.
وأثناء انغماسها في تفكيرها، انتبهت إلى تلك الساعة التي أصدرت صوتً مزعج فسرقت انتباها، حولت بصرها نحوها وحقًا لم تفهم سبب تعلق حمزة بها، فالمكان أساسه راقي وعصري، وهي قديمة وكبيرة، تحتل جزءًا كبيرًا من الحائط، غريب حمزة ذاك هو وأفكاره، رغم أن خطبتهم مرت عليها أكثر من شهران، إلا أن عيناه مازالت تدفن بها الكثير من الأسرار والغموض التي تحاول اكتشافه يومًا بعد الآخر، ظهوره في حياتها غريب وتقربه منها أغرب، ولكن… خرجت من تفكيرها على الأضواء التي تقفل واحدًا تلو الآخر، راقبت الإغلاق التدريجي بقلق، حتى توقف تمامًا وبقي النور الذي يقبع فوقها مضاء، التفتت حولها تبحث عن العاملين
لم تجد أحد، إلى هذا الحد شردت ولم تنتبه بخلو المكان!.
نادت بصوت مهزوز وضعيف :
– حمزة.
وانتظرت ثوان بسيطة رده، ولكن السكون هو سيد الموقف، كررت ما تفعله والرعب يدب في قلبها، حتى ظهر حمزة من آخر الردهة الخاصة بالمطبخ، تنهدت براحة وهي تقول في ضيق بالغ :
– حمزة ايه الرعب ده، بتقفل الانوار ليه؟!.
اقترب منها حمزة وهو يضع يده في جيب بنطاله ببرود :
– علشان ميحصلش ماس وفي مطر بره، ومفيش حد هنا أصلاً، فسبت النور ده بس نقعد عليه.
شهقة غبية صدرت منها تعجب هو لها، وهي تهتف في تساؤل غريب :
– ياعني إحنا لوحدنا دلوقتي؟!، لا لا أنا هامشي.
لم تنتظر إجابته بل انطلقت تجذب حقيبتها بسرعة واتجهت صوب الباب الرئيسي، إلا أنه قطع طريقها حينما مسك يدها يحاول إيقافها.
– رايحة فين؟!.
ابتعدت عنه وهي تجذب يدها من قبضته بعنف، مردفه بصوت غاضب لم تتحكم به :
– قولتلك مليون مرة، متمسكش ايدي، أنت إيه مبتفهمش.
– مـ…. إيه، عديها كده.
قالها وهو يقترب منها بطريقة أفزعتها، فجعلتها تبتعد عدة خطوات للخلف كالبلهاء، وصوتها يخرج مهزوزًا رغم محاولاتها بأن تجعله ثابتًا بقدر الإمكان :
– مقصدتش، متفهمش كلامي غلط.
وفي لمح البصر كان يحاوطها بيده ويحتجزها بينه وبين الحائط من خلفها، مصححًا لها بطريقة حادة أربكتها :
– اسمها، أنا أسفه.
وضعت الحقيبة بينهم وعيناها تزداد عناد وقوة، وكأنها غير عابئة بنظراته التي تلتهم أدق تفاصيل وجهها، مما زاد من احمرار وجهها، فبدت كحبه الطماطم في أوانها، لم تعلم أنها في تلك اللحظة وبنظراتها تلك اندلعت بسببها نيران به، لم يعلم هويتها، كل ما يعرفه الآن، هو مدى استمتاعه بقربها ذلك، فقرر الاستمتاع بتلك اللحظة غير مراعيًا لمشاعرها التي كانت في حالة صراع قوي مع معتقداتها وأفكارها، وخاصةً حينما دق ناقوس الخطر بعقلها يحثها على الابتعاد بأي طريقة، ولكن كيف؟!، وهو يحاوطها كالأسد الذي يود التهام فريسته.
نظراته لم تكن مخيفة لها بقدر ما كانت تسبب لها الخجل والإحراج لانعدام المسافة بينهم، تمسكت أكثر بحقيبتها، وكأنها تتمسك بآخر حبل للنجاة من السقوط في غرامه أكثر والاعتراف له بحبها الذي بدأ في الاندلاع بقلبها الغض منذ أول مقابلة معه، ولكن أفكارها كانت لها السلطان الأكبر في التحكم بمشاعرها ورسم حالة الجمود على وجهها بحرفية كما اعتادت معه أو مع غيره.
ولكن مع ذلك الوميض الذي يأسرها بعينيه، جعلها تترك عد الدقائق، وتنسى وضعهما ذلك وتنغمس معه للكشف عن ذلك الغموض الذي يحتل عيناه، وكأنه حاجز قوي ومنيع يمنع حقيقته عنها، ربما تلك الحقيقة مخيفة وموجعة، وربما هي تتعلق بشخصيته، كم تمنت أن تتحلى بقدر أكبر من الذكاء، لفك شفراته وتستطيع الاعتراف بشيء كاد أن يصبح مستحيل البوح به يومًا ما.
ارتفع رنين هاتفه بنغمه صاخبة جعلتها تنتفض بقوة وتبتعد عنه بعنف كاد أن يوقعه للخلف بعدما فقد تركيزه تحت تأثير عيناها التي تحمل زرقة البحر وصفاء السماء، مع تورد وجهها الجميل، لم يكن جريء من قبل بتلك الطريقة، ولكن هي استطاعت سلب أنفاسه، وخاطره للتعلق بها.
راقب اندفاعها نحو الخارج، فارتفع صوته في نبرة رخيمة :
– استني في العربية وأنا هقفل كل حاجه وهاجي.
***
وقفت أيسل أمام الجهاز الكهربائي، تضع حبات الفراولة ثم السكر وهي تعد ملعقة خلف الأخرى.
– واحد، اتنين، تلاته…هي ماما قالت أربعة ولا ستة.
_ أربعه كبار ودوقي الأول يا هبله.
التفت أيسل في سرعة حتى أنها أفلتت السكر من يدها وتناثر على الأرض في طريقة عشوائية أثارت غضب الأم فقالت بغضب مكتوم كاد ينفجر من حروفها :
– انتي عبيطة يابت، هتشليني ولا ناويه على مو…تي، تصدقي بالله شهاب هيطلقك من تاني يوم.
زفرت أيسل في غيظ، وهي تنحني بجسدها الضئيل نحو الارض، قائلة :
– ياعني هو كده مش هيسمعك وهو بره، وبعدين شهاب ميهموش الكلام الفاضي ده.
ضـ,ـربتها والدتها ” زينات ” بخفه خلف رأسها، مردفه في توبيخ :
– بقى أنا بقول كلام فاضي يا قليله الادب، يام لسان طويل..
واستكملت زينات حديثها وهي ترفع
يدها إلى السماء كحال جميع الأمهات المصرية، تمتم بضيق :
– اعمل إيه بس، واحده لسانها طويل وتانية ماشية تنقط الناس بكلام دبش، وأنا أصلح وراهم.
نهضت أيسل في خفة وقامت بطبع قبلة فوق وجنة والدتها رغم اعتراض زينات لها :
– مالك بس يا زوزو، من الصبح مضايقة ليه.
– خايفه على رقية، كل يوم أعد في الأيام واشوف هاطول مع العريس ده ولا ايه.
كتمت أيسل ضحكة قوية بصعوبة، قائلة :