وقف طاهر الذي يرتدي بنطال أسود وقميص أبيض ناصع وقد صفف شعره الذي نبت به بعض الشيب وهذب لحيته وقد عمل على تخفيفها فأصبح أكثر وسامة وقد تكاثرت بسبب هذا النور الذي أصبح يسطع من وجهه.. – ألف مبروك يا عريس .. عقبالنا يارب – مبروك يا طاهر .. ربنا يتمملك بخير يارب.. – ألف مليون مبروك لأبو الطُهر كله، صبرت ونولت يا باشا البشوات كلهم وعقبال خروجك يارب.. كان وجهه مبتسمًا فقال بمحبة حقيقية:-
– الله يبارك فيكم يا رجاله، وعقبالكم وعقبال خروجنا كلنا يارب..
اقترب خليل يُهندم ملابس طاهر وياقة قميصه ثم نظر بتقييم وقال:-
– باشا .. باشا يعني .. أحلى عريس.. احتضنه طاهر وقال بتمني:-
– عقبالك يا أبو الخِلّ .. وعقبال خروجك يارب.. كان وجه خليل دائمًا جديّ عبوس بطبيعته رغم محبته وطيب قلبه لكن ما لاقاه برحلات عمره لم يكن بالهين حتى ألقت به الحياة هنا خلف القضبان.. بعد قليل أتى مدير السجن وقيادات المديرية والكثير من الضباط والجميع في حالة سعادة لهذا الحدث النادر الوقوع..
خرج الجميع في قاعة انتظار خاصة بالسجن ومشددة الأمن..
كان قلب طاهر يُحلق في سماء السعادة ونبض قلبه الشديد يكاد أن يخرق ضلوعه ويُحطمها..
من يراه الآن لا يتعرف عليه…
أهذا ذاته عزيز؟!
نعم … نعم .. حقًا وصدقًا “لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا” دلفت ضحى بصحبة والدها مطرقة رأسها بحياء ولم ترفع رأسها تجاه طاهر التي لا تعلم أين يقف!! جلس المأذون وجلس اللواء مدير المديرية والقادة وقسم الشرطة..
وبدأت مراسم الزواج تحت نبضات قلب ضحى الصارخة تخشى أن تخترق أذان الجالسون..
أغمضت أعينها وهي تستمع للشيخ يختم المراسم بالجملة المعهود..
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. ووضعوا أمامها الدفتر وأخذت توقع بقلب مرتجف سعيد…
التزمت جانب والدها فاقترب طاهر منهم وانحنى يُقبل يد والده الشيخ رضوان الذي كان ينظر لوجه طاهر ولده دون تصديق وسعادة ولم يكف عن ترديد الحمد..
انحنى طاهر يُقبل يد والد ضحى الذي ربت على رأسه وقال بسعادة:-
– الله يرضى عنك يا طاهر، مبارك يا ابني وعقبال خروجك يارب..
– الله يبارك فيك يا عم عبد الفتاح، اللهم آمين يارب.. رفع رأسه تجاه ضُحى والتقت الأعين لقاء حُر بعد أكثر من عشرون عامًا..
كانت أعينه الملهوفه تتأمل ملامحها الرقيقة النقية بلهفة واشتياق..
وأعينها الخجلة تتأمل ملامح حبيبها طاهر التي عادت كما عهدتها.. انهالت المباركات وقُطع وصال الأعين لكن القلوب مازالت بتعلق وتلهف.. وبعد مرور القليل سمح المسؤولين بلقاء قصير على انفراد الأزواج فقال اللواء صابر بوقار:-
– طاهر .. قاعة الزيارات التانية فاضية تقدر تقابل مراتك على انفراد وتباركلها يا ابني..
أردف طاهر بإمتنان:-
– ربنا يباركلك يا صابر باشا، شكرًا لذوقك ولسعيك في موضوعي، ربنا يجعل الرحمة دايمًا في قلبك.. بعد مرور القليل كانت ضابطة تصطحب ضحى الذي عبس وجهها معتقدة أنها ستُخرجها للخارج وهي لم ترى طاهر بعد ولم تتحدث معه..
وقفت الضابطة أمام أحد الغرف وابتسمت لضحى بودّ وقالت بلطف:-
– ألف مبروك .. اتفضلي جوا.. حركت ضحى رأسها بحزن وابتسمت لها بفتور قائلة:-
– الله يبارك فيكِ .. تسلميلي..
ودلفت ضحى للداخل بحزن لكن فور أن وقعت أعينها على هذا الذي يقف مترقبها بأعين مثبتة فوق الباب بتلهف ابتسمت باتساع.. همست بشوق وبدون تصديق:-
– طاهر… قطع المسافة التي تفصلهم بخطوتين ومدّ يده يتلمس كفيها برقة وحنان ليرتعش قلبها وينبض بجنون ورفع طاهر كفيها يقبل باطنهم كل واحدٍ على حدة فطفق الشفق فوق وجنتيها وابتسمت بخجل بينما همس لها بعشق:-
– يا عيون طاهر يا ضُحايا وصُبحي، مُبارك علينا يا حبيبتي.. أخيرًا يا ضُحى وصلت لبر الأمان..
أخيرًا الصبح أشرق ووصلت للضحى..
ابتسمت له وهي لا تصدق ما تسمعه، تأملت ملامحه الغائبة التي تبدلت لكن مازال هو طاهر بداخلها لم تتغير مكانته..
رفعت كفيها تُمسك كفيه فأخرج هو من جيبه حلقة ذهبية ووضعها بحب باصبعها وقال:-
– كلها كام شهر بس يا ضُحى وتبقى في بيتي، أنتِ رزقي الواسع وعوض جميل يا ضحى، أنا معملتش أي حاجة حلوة في حياتي علشان استحقك..
لما حياتي كانت كلها سواد، كنتِ أنتِ نقطة النور الوحيدة فيها، كان مجرد لما تيجي في بالي كنت بفزع وأحرك راسي علشان تخرجي منه بأسرع وقت ممكن علشان مش من حقي أفكر فيك ولا أحتفظ بالذكريات البسيطة، مكونتش عايز ألوثك حتى بمجرد إنك تيجي في مخيلتي وبالي..
ضحى أطهر وأنقى من إن هي تيجي في بال واحد قذر زيكء كنت دايمًا أقول لنفسي كدا..
اتحملتيني يا ضحى وضحيتي بدون مقابل، سامحيني يا نور عيني .. سامحيني يا ضحى..
وضعت يدها فوق فمه وقالت بأعين دامعة:-
– انتهى يا طاهر .. أنت وقتها مكونتش طاهر إللي أنا أعرفه .. إللي مريح قلبي إن وقتها كنت عزيز، أنت دلوقتي طاهر حبيبي وجوزي، الحياة الحلوة والعوض مستنينا يا طاهر، وأخيرًا الضلمة انتهت وأشرقت الشمس.. ورفعت يدها وضحكت وهي تُبعثر خصلاته بعشوائية وقالت بمرح:-
– أنت البطاطا بتاعة ضحى وبس .. قولتلك حتى لو منعكش هتبقى حلو بردوه..
ضحك بسعادة لتذكرها ذكرياتهم معًا وكوّب وجهها ثم لثم جبينها بعمق بينما يسند جبينه فوقها ووضع بيدها شيئًا ما ابتسمت حين علمت ماهيته دون أن تنظر .. ثمرة …موز..
همس لها بحنان متسائلًا:-
– لسه بتحبي الموز.. ابتسمت وهمست له بعشق:
– عمري ما بطلت أحبه.. همس طاهر:-
– وأنا الموز واخد عقلي.. تبسمت بخجل ليهمس لها ولن تكون آخر الهمسات:-
– كان ليلي طويل، كان به ظلمات شديدة بعضها فوق بعض، لكني كنت أعلم أن الصُبح بقريب..
وأشرق الإصباح … حتى أصبح الإشراق يحاوط الظلام … وعُلِم دائمًا أن الإشراق هو أول الضُحى.
<تمت بحمد الله> سارة نيل..
دُمتم بود..