“طيب، هروح أخلص التمرين بسرعة وهاجي أوصلك انتي وياسين.” قبل أن تجيب عليه بالرفض، تحرك سريعًا من أمامها وهو يشعر بأن هناك شيئًا غير عادي يحدث. أمسكت رأسها بألم شديد وأغلقت عينيها، آملةً أن يخف حدة الألم قليلاً. بينما بدأ عمر في التمرين، كان لا يزال يسرق نظرات القلق نحو راما. بعد فترة، انتهى بسرعة من عمله، وتوجه ياسين إلى غرفة تبديل الملابس، ثم عاد عمر مرة أخرى إلى راما، وسأل بقلق:
“عاملة إيه دلوقتي؟” حركت رأسها بضعف وأجابت بصوت خافت، وهي تشعر بنوع من الإحباط: “مش كويسة، ممكن توصلنا أنا وياسين؟” تحدث بترحاب، كأنه يحمل شغفًا لمساعدتها: “طبعاً، من غير ما تطلبي هعمل كده، تعالي معايا.” أنهى كلامه وهو يمد يده لها ليسندها، ولكن نظرت إلى يده بضيق، وكأنها لا تريد أن تضع نفسها في موقف ضعف. استقامت بجسدها بصعوبة، وبدأت تتأرجح من شدة الدوار حتى كادت أن تقع. في لحظة سريعة، أمسكها عمر مرة أخرى، ونظر إليها بعينيها، لكن سرعان ما انتبه لوضعها وأشاح بنظره بعيداً، محاولًا عدم زيادة إحراجها. تكلم بتلعثم، محاولاً توضيح رغبته في مساعدتها:
“ق ق قولتلك تعالي اساعدك، اتفضلي معايا عند العربية.” أغلقت عينيها بتوتر، وشعرت أن قدميها تهتز بقوة، ولم تستطيع أن تتحرك، فوقفت في مكانها وضغطت على يد عمر بألم، كأنها تطلب العون. شعر بها وعلم بما تشعر به، وبلا تفكير مال بجسده وحملها بين ذراعيه، وتحدث بأسف حقيقي: “ا ا أنا آسف والله مقصدش حاجة، بس مضطر أعمل كده.”
لأول مرة لم تتجادل معه، بل وضعت رأسها على صدره بأعياء، وظلت صامته، وكأن الألم قد دفعها إلى الاحتياج لهذا الدعم. نظر إليها باستغراب، وشعر بحرارة جسدها المرتفعة، وكأن القلق يسيطر على الموقف. تحرك بها سريعاً تجاه غرفة تبديل الملابس، حيث وجد ياسين قد انتهى وينظر إليهم باستغراب، كأنه يشعر بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث. تحرك معه إلى السيارة وصعدوا بها، ثم انطلق عمر بسرعة جنونية نحو المستشفى، محاولًا الوصول في أقرب وقت. سأله الطفل بتساؤل، وجزء من القلق يتسلل إلى صوته:
“كابتن عمر، وهو احنا جاين المستشفى نعمل إيه؟” أجابه وهو يميل بجسده داخل السيارة حتى يحمل راما، كأن محاولته لتهدئة المشاعر تنبع من حنو: “عمتك راما شكلها تعبانه جداً، مينفعش نروح بيها البيت وهي كده. لازم الدكتور يكشف عليها ويديها علاج.” أومأ الطفل برأسه بتفهم، ورغم قلقه، كانت لديه رغبة في الاطمئنان على عمته.سأل بفضول: “طيب، هي مالها عمته؟” أجابه عمر، وهو يحاول معالجة مخاوف الطفل: “شكلها والله أعلم عندها حمى شديدة، الدكتور دلوقتي يطمنا عليها.”
أنهى كلامه وترك راما في غرفة الفحص، بينما دخل الطبيب ليجري الفحص ويأكد من حالتها. بعد عدة دقائق، خرج الطبيب، قائلاً بوضوح: “هي عندها التهاب في الشعب الهوائية وحمى شديدة.” نظر له عمر باستغراب وسأله، وهو يشعر بقلق كبير: “وأيه علاجه يا دكتور؟” أجابه الطبيب بمهانية وثقة: “هكتبلك علاج ليها، شربوها سوايل دافية كتير، شوربة خضار، أكل مسلوق، تبعد عن أي روائح نفاذة. وإن شاء الله، عشرة أيام بالكتير وهتبقى كويسة.”
أومأ رأسه بتفهم عميق، ثم شكر الطبيب، معبرًا عن امتنانه: “شكراً يا دكتور.” ابتسم له الطبيب وقال، في محاولة لتخفيف القلق عنهم: “العفو، ده شغلي. تقدروا تمشوا بعد ما يخلص المحلول، واهتموا بأكلها كويس لأنها ضعيفة جداً، عن إذنك.” تركوا الطبيب وذهب ليتابع عمله، ونظر عمر إلى ياسين وقال بجدية: “يسو، ادخل أنت الأول وبلغها أن أنا هدخلها.” أومأ ياسين برأسه بالموافقة، ثم ركض إلى الداخل، وما أن دخل حتى نظر إلى عمته بقلق وقال بطفولية:
“سلامتك يا راما.” ابتسمت له بحنو، وما زالت تعاني من التعب، لكن هذه الابتسامه كانت بالنسبة لها تذكيراً بأن هناك أشخاص يحبونها ويدعمونها في محنتها: “الله يسلمك يا قلب راما.” أشار ياسين بأصابعه إلى الباب: “كابتن عمر عايز يدخلك يا عمته.” أومأت رأسها بالموافقة، وأجابت بصوت هادئ: “ماشي يا حبيبي، خليه يدخل.” اتجه الطفل إلى الباب، وهتف على عمر الذي كان ينتظر بفارغ الصبر ثم عاد إلى الداخل وتحرك خلفه. نظر لها بقلق وسأل، محاولًا إظهار حقيقة مشاعره:
“عاملة إيه دلوقتي يا مدام راما؟” أومأت برأسها بتعب، لكنها حاولت أن تبدو إيجابية في حديثها وقالت: “الحمد لله، كويسة. أنا آسفة أن عطلتك وتعبتك معايا.” ابتسم لها بلطف، وأجاب بنبرة هادئة: “مافيش عطلة ولا حاجة، أنا أصلاً بخلص الشغل في النادي وبروح على البيت على طول، ومافيش تعب، المهم إنك تبقي بخير.” تنحنحت بتوتر، ثم قالت: “ش ش شكراً، ممكن بقى نمشي علشان زمانهم قلقانين علينا في البيت.” حرك رأسه بتفهم واسع، وأوضح:
“متقلقيش، أنا اتصلت بيهم في البيت وطمنتهم عليكي، وهم مستنيين أوصلك بس لما يخلص المحلول ده كله.” ابتسمت له بتوتر، لكن ابتسامتها كانت تحمل مشاعر شكر وامتنان عمقين. “م م ماشي.”
لأول مرة، ابتسمت له، مما جعل قلبه يتراقص من شدة السعادة. جلس على الأريكة وجلس ياسين بجواره، مقبلاً رأسه بحنو، ثم ظل يتابعها حتى وجدها قد غفت. خرجت منه تنهيدة حارة، وظل نظره معلقاً عليها بكل اهتمام حتى انتهى المحلول. نهض من مقعده، مال بجسده، وحملها بين ذراعيه، ثم خرجوا من الغرفة. اتجهوا خارج المستشفى، وضعها داخل السيارة، وصعد ياسين بالمقعد الخلفي، وانطلق بهم إلى منزل راما، حيث كانت محاطة بأجواء الحب والدعم من عائلتها.
…………………………………………………. في صباح اليوم التالي، استيقظت راما من نومها على صوت يؤذي السكون، كان صوتاً رجولياً آتياً من الخارج، يتردد خارج جدران الغرفة. نهضت من فراشها، بخطوات متثاقلة وثقيلة وكأنها تحمل ثقل الأيام التي مرت، واتجهت نحو الباب، مشدودة إلى الصوت، الذي كان يخلط بين القلق والجدية. عندما فتحت الباب بلطف، كان قلبها ينبض بسرعة، ونظرت من خلفه لتجد عمر يقف هناك، محاطاً بكثير من الحقائب التي تعكس جهوده في مساعدتها. كان يمد يده إلى مي، بلهجة جادة ومتجددة، قائلاً:
“خدي دول يا مي، أسلقي فرخة واعملي ليها شوربة خضار، واهتمي بأكلها. وكمان جبتلها شوية مشروبات، أعملي منها على طول وخليها تشربهم وهم دافيين. وده العلاج، مكتوب عليه المواعيد، لازم تخده في مواعيده. مي، ركزي في اللي قولته. الدور ده عايز سوايل دافية كتير والعلاج بانتظام وغذا.” رفعت إحدى حاجبيها بملامح مازحة، وكأنها تبحث عن خفة في الأجواء التي كانت مشحونة بالقلق، ثم قالت بمرح: “أحلف! انت فيه أيه يا عم، ما براحة علينا يا حونين.”
لكن عمر، بتعابير وجه جادة وملامح تتسم بالقلق العميق، تنبهها بأسلوب صارم وعاطفي: “مي، الموضوع مش هزار. اهتمي كويس براما. الدور اللي عندها صعب، ومحتاجة غذا كويس.” ابتسمت مي بسعادة بملامحها الندية، ووافقت على حديثه برأسها، قائلة: “عيوني من غير ما تقول كل ده، أنا واخده بالي منها من إمبارح. مسبتهاش طول الليل، قاعدة معاها في الأوضة بعملها كمادات.”