فقال عبدالرءوف وقد اكتست نبرته بروح الدعابة وهو يغمز لابنته مشيرا الى مريم التي كانت لا تزال تقف مشدوهة وعينيها معلقة على الباب بعد خروجه: قال وحشه أكل البيت قال؟
فبادلته ابنته الابتسام بينما كانت مريم في عالم أخر وتشعر وكأنها في حلم جميل لا تريد أن تصحو منه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت الشمس تميل الى الغروب, وأشعتها التي قد اكتسبت اللون الأحمر تملأ المكان لتضفي عليه مزيدا من السحر والجمال والرومانسية. وكانت هدى تجلس في حديقة الفيللا تحت المظلة وهي تلاعب قطة صغيرة حين سمعت صوتا مازحا يأتي من خلفها يقول: خلي بالك عشان ممكن تخربشك.
نظرت هدى الى صاحب الصوت ليظهر ماهر ببشرته الداكنه وابتسامته الصادقة لأول مرة والمشاكسة في نفس الوقت و التي منحته الكثير من الجاذبية, كانت هدى سترد عليه بلهجة قاسية ان كان ظهر في وقت آخر لكن يبدو ان عامل الجو والمكان قد أكسبتها هي أيضا بعض الهدنة مع نفسها ومع الغير جعلها تتخلى قليلا عن طبعها الحاد, لتجيب بابتسامة هادئة وهي تتلمس شعر القطة في رقة: لا ما تخافش دي صاحبتي من أكتر من ساعتين, دة انا حتى لسة مأكلاها من شوية.
ماهر: مش بيقولوا بردو ان القطط بتاكل وتنكر؟
فضحكت هدى بصوت ساحر وهي تقول:
لا, اكيد ساعتها ما شافوش بوسي.
ماهر: انتي سمتيها بوسي؟
فقالت هدى وقد نهضت من مكانها حاملة القطة وهي ترفعها أمامه : ايه رأيك مش اسم حلو؟ وكمان لايق عليها مش كدة؟
فداعب ماهر رأس القطة: حقيقي لا يق جدا, بس ممكن أعرف بقا اسمة صاحبة بوسي؟
وفجأة تذكرت هدى بأن هذا الشخص لا يزال غريبا عنها ولا تعلم لماذا تبسطت معه في الحديث الى هذا الحد؟ فقطبت جبينها سريعا و هي تسأله: حضرتك اللي مين؟ وازاي تدخل كدة من غير استئذان؟
تفاجىء ماهر قليلا بسرعة تغير مزاجها ولكنه قد أرجع ذلك الى حداثة سنها فقد بدت له كطالبة مدرسة مشاغبة ويبدو ان هذا هو ما جذبه لها فور رؤيتها عندما دخل الفيللا ووجدها تلعب مع قطتها تحت المظلة فظل واقفا بعيدا يراقبها في صمت , الى ان قادته قدميه رغما عنه ليقاطع ذلك المشهد البرىء, وجدها تنتظر ردا على سؤالها, فقال لها وكان لم يتخل بعد عن ابتسامته: انا ماهر كمال ابن عمة مريم مراة يوسف جلال صاحب الفيللا, ممكن بقا أعرف الانسة تطلع مين؟
هدى بلهجة جادة لا تليق بسنها كما تصور ماهر مما جعله يبتسم:
انا الانسة هدى عبدالعظيم, بنت عمة يوسف جلال نفسه صاحب الفيللا.
فهتف ماهر: معقول؟! دة احنا طلعنا قرايب بقا.
فصححت هدى له بتكشيرة صغيرة: نسايب مش قرايب.
فوافق ماهر على الفور فقط لامتصاص غضبها الذي كان على وشك الانفجار: ماشي يا ستي, نسايب ولا تزعلي. قوليلي بقا هو يوسف وماما جوة؟
هدى: مامتك جوة, بس يوسف لسة ما جاش.
ماهر: طيب باعتبارك قريبة صاحب الفيللا تسمحيلي ادخل؟ وعلى فكرة انا استأذنت من يوسف قبل ما اجي.
هدى وهي تحاول ان تقوم بدور سيدة المنزل والمضيفة: طبعا يا فندم, اتفضل.
وتوجهت هدى الى داخل الفيللا ويتبعها ماهر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وقفت مريم في مطبخ الفيللا تساعد ام ابراهيم في اعداد الطعام وبرفقتهما حياة التي حضرت فور مكالمة صديقتها لها, فقالت مريم وهي تشعر بالضجر حيث لم تكن من هواة فن الطبخ بل لقد أجزمت حياة منذ دخولهما المطبخ بأنها فاشلة تماما في ذلك الأمر: انا مش عارفة ليه يعني ما جبناش أكل من برة بدل كل التعب دة؟
فافتر ثغر ام ابراهيم بابتسامة رزينة وهي تقول: وهو أكل برة يابنتي هيبقا أحسن من أكل البيت؟
ثم غمزت الى حياة وهي تكمل: وكمان مادام الباشمهندس وليد هيتغدى هنا يبقا مش هيعجبه أكل برة لانه دايما بيحب أكل البيت.
مريم بغيظ:بقا كدة , يبقا الله يكون في عونك فعلا يا حياة, أكيد مقضية كل حياتك في المطبخ.
فتبست حياة وهي تقول بنبرة صادقة: وايه يعني؟ يا بنتي المطبخ دة مملكة الست, وكمان بيقولوا ان اقرب طريق لقلب جوزك معدته يا هبلة.
مريم مازحة: كدة يبقا ام ابراهيم قاعدة ومتربعة في قلب جوزها.
فضحكت ام ابراهيم وحياة التي قالت لصديقتها وهي تدفعها بعيدا بكتفها: عقبالك يا فالحة.
مريم محتجة: لا يا ستي, انا معدة جوزي واخدة على أكل برة.
حياة: يختي وهو كان لقى أكل جوة وقال لا. ماهو شايف الست هانم بتاعته زي خيبتها, طيب حاولي انتي بس كدة تعمليها وتفاجئيه انك انتي اللي طابخة, وهتلاقيه بعد كدة هو اللي بيصر انه ياكل في البيت على طول.
مريم وهي تزم شفتيها بتبرم: بس انا مش بعرف أطبخ.
حياة: يبقا لازم تتعلمي يا ماما.
مريم: واتعلم ليه؟ ماهو الخير والبركة في ام ابراهيم بقا.
فقالت ام ابراهيم مؤيدة لكلام حياة: ست حياة عندها حق, انتي لازم تتعلمي, افرضي يعني ان انا ما كنتش موجودة, وانك مش لاقية حد يعملك الاكل, ساعتها بقا هتتصرفي ازاي؟
فردت مريم سريعا دون تفكير: هطلب دليفري من برة.
فنظرت اليها كل من ام ابراهيم و حياة بيأس, وقالت حياة لام ابراهيم: سيبك منها يا ام ابراهيم, دي مفيش فايدة فيها. على راي الدكاترة حالة ميئوس منها.
مريم بتأفف: طب وهو احنا مش المفروض اننا خلصنا بقا؟
فقالت حياة وهي تهم بغسل يديها: اه خلاص, كل حاجة كدة ناقصة ع الفرن.
مريم بسعادة غامرة كالطفل الذي قد انهى واجبه: اخيرا, طب ياللا بقا عشان نغير هدومنا.
حياة موبخة: بابنتي اصبري شوية بقا لما الاكل يطيب.
فقالت لهما ام ابراهيم وهي ترى تكشيرة مريم التي عادت الى وجهها من جديد: لا , كفاية عليكم كدة يا ست حياة, روحوا انتو اجهزوا وانا هخلي بالي من الصواني.
فشكرتها حياة وهي تدفع صديقتها الى الخارج: قدامي يا مغلباني.
فتبسمت ام ابراهيم وهي تقر في نفسها بأن تلك السيدة الشابة هي بالفعل أنسب زوجة للمهندس يوسف جلال, فبصغر سنها و خفتها تستطيع أن تخرجه من القوقعة التي قد حبس نفسه فيها, وان تفتح له نافذة جديدة للحياة يستطيع أن يطل منها على عالم من المشاعر كان قد أنكر وجوده منذ زمن بعيد.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ وفي الجانب الاخر قال ماهر لهدى التي كانت تجلس بجواره بصوت خافت:
وانتي بقا عملتي ايه يا انسة هدى؟ ولا انتي لسة صغيرة على دخول المطبخ؟
فشعرت هدى بالغضب يشعل وجنتيها, ولكنها حاولت السيطرة على انفعالها حتى لا يلاحظ أحد ذلك, فردت عليه وهي تصر على اسنانها من شدة غضبها الذي تحاول كتمانه: انا مش صغيرة, انا داخلة اولى اعلام السنادي.
ماهر: طب خلاص خلاص, وزعلانة كدة ليه؟ انا اسف يا ستي. انتي كبيرة وكبيرة اوي كمان.
ثم نظر الي امه التي كانت تجلس على الجانب الاخر له وقال بصوت سمعه الجميع: ماما! ان شاء الله بقا بعد ما نتغدى, هتروحي معايا.
وردة:
لا يا ماهر, انا مش هرجع معاك بعد اللي عمله باباك, انا مليش عيشة معاه بعد كدة. انا هقعد مع بابا هنا لحد ما يقدر يتحرك و بعدها نرجع سوا على فيلتنا.
حاول ماهر الاعتراض: بس يا ماما…………
فقاطعه يوسف قائلا: لو سمحت يا ماهر سيب مامتك على راحتها, وسواء هنا او في فيللا عمي عبدالرءوف فهي مش هتبقا قاعدة مع حد غريب ع الاقل لحد الامور ما تهدى.
وكالعادة لم يستطع ان يعترض أحد على كلامه, فامتثل ماهر لامره المبطن في صيغة طلب.
وتناول الجميع وجبة الغداء ثم القهوة الى ان حان الوقت لمغادرة ماهر, فودع ماهر الحاضرين ثم خرج وفي اثره يوسف الذي قام بتوصيله حتى باب الفيلا فصافحه ماهر وقال له بامتنان حقيقي: انا متشكر اوي يا يوسف ع اللي عملته مع ماما وبتعمله دلوقت مع جدي.
يوسف: انا ما عملتش اي حاجة تستاهل الشكر.
ماهر: ازاي بقا؟ الموقف بتاع امبارح دة لوحده يخليني مدينلك بحياتي كلها, واحد غيرك كان بعد اللي عمله بابا معاك وانا كمان كان ممكن يطرد ماما من بيته والله اعلم كان هيبقا مصيرها ايه دلوقت؟
يوسف: اديك قولت بنفسك, واحد غيري يعني مش انا.
يا ماهر انا لو باباك نفسه رغم عداوتي معاه واللي انت عارفها كويس, فلو جه يوم ودخل بيتي يتحامى فيه انا مش هقدر اتخلى عنه.
ماهر بخجل شديد: عشان كدة انا بجد اسف للفكرة اللي كنت واخدها عنك, وياريت تسامحني على كل خطأ ارتكبته في حقك.
يوسف وهو يربت على كتفه بابتسامة صادقة: عيب تقول كدة, دة احنا في الاول وفي الاخر اهل.
ماهر: وانا لاول مرة هقولك اني بجد سعيد جدا بالنسب دة, عن اذنك.
يوسف: مع السلامة.
ماهر: الله يسلمك.
ورحل ماهر ونظرات يوسف الباسمة تشيعه وقد كان يشعر بالرضا التام لانه اليوم فقط قد كسب في صفه حليفا جديد , ولكنه كان يجهل انه في نفس اليوم قد تحالف ضده عدوا آخر.