Uncategorized

حكايات لولو

~ملك بحماس بريء، كأنها بتحلم:
أيوه، وحشتني الحصة والسبورة، نفسي أرجع زي زمان. “علي يهمس لنفسه:
أنا، أنا ضيعتك. يسكت شوية، ياخد نفس تقيل، وبعدين يبصلها بعزم وهو بيبص في عينيها:
من النهارده، إنتي حرة. هرجعك بيتك، وهترجعي مدرستك. انتي مش مراتي، إنتي طفلة. وأنا ماليش حق أكمّل كده. ” علي بياخد ملك ويرجعها بيت أهلها الأب اول لمايشفهم يوقف، وعلي قدامه متوتر. وملك قاعدة في الركن خايفة. علي ياخد نفس تقيل ويقول بحزم:
يا عمّي، أنا قررت أطلّق بنتك. هي طفلة، ومينفعش أكمل معاها.

الأب يتصب فجأة، عينيه تبان فيها الغضــ,,ـب ويصرخ: أنتي عملتي ليه إيه يا بنت الكلب؟!
كان بيبص لبنته بغل ويهجم عليها كأنه هي السبب. -الأب موجّه كلامه لعلي:
وأنت يا أستاذ علي، تاخد بنات الناس تلعب بيهم وترميهم زي اللعبة؟! هو ده الرجولة؟! ملك تعيط وترتجف. وعلي يوقف قدامها بسرعة يحوش عنها ويقول بحزم:
إيدك عنها! ما تلومهاش، هي ملهاش ذنب. هي طفلة، وأنا الغلطان اللي وافقت من الأول. -الأب يحدّف نظره على علي بغضــ,,ـب وصوت عالى:
طفلة ولا مش طفلة إنت خدت حقك وزيادة، وجاي تقول هتطلّقها كده ببساطة؟!

•الأم تدخل فجأة من المطبخ، بصوتها عالي بس فيه وجع:
هو هيتطلّقها إزاي يا راجل؟ دي طفلة، والجواز كان عرفي. ينفع يكتب طلاق إزاي وهي أصلاً ما كملتش 18؟ الكل يسكت لحظة، الصدمة تملأ الجو. علي بيتجمد، الأب يعض شفايفه من الغيظ. “علي بحزم:
الحل الوحيد إنها تفضل على ذمتي لحد ما تكمل السن القانوني. بعد كده نكتب رسمي، وبعدها الطلاق اللي إنت عايزه يحصل. ملك بتبص حوالينها بدموع، لأول مرة تستوعب حجم المصيبة: إنها لسه مربوطة بالجواز، مش بإرادتها.

بتعدي السنين لحد ملك متكمل ال18وتطلق من علي بس طول الفترة دي كانت مهتمة جداً بدراستها ودايما بتطلع من الاوائل لحد ما في يوم بترجع لابسة لبس مدرسة، شكلها أكبر وأنضج من قبل، لكن في عينيها أثر سنين الوجع بتلاقي ابوها قاعد. -الأب بهدوء مصطنع:
تعالي يا بنتي، عايز أقولك خبر حلو. ~ملك بتحذر:
خير يا بابا؟ -الأب بابتسامة مكر:
جايبلك عريس متريش، راجل هيعوضك عن اللي فات. مش أي كلام، ده فرصه ما تتفوتش.

~ملك تسكت لحظة، وبعدين دموعها تلمع لكن صوتها يخرج قوي وتقول بحزم ممزوج بوجع:
لا يا بابا، مش عايزة أتجوز تاني. حرام عليك، كفاية اللي ضاع بسببك. كفاية اللي اتسلب مني وأنا طفلة. الجبروت اللي إنت عايش فيه ده ك*سرني، ومش هتكرر تاني. -الأب يضر*ب إيده في الطربيزه ويقول بعصبية:
إزاي لا؟! إنتي بنتي ! وهتتجوزي يعني هتتجوزي. أنا مش هقدر أصرف عليك طول عمري. ~ملك بانفعال ودموع:
ومين قالك إني عايزة حد يصرف عليا؟! أنا هشتغل، وهكمل تعليمي، وهصرف على نفسي بنفسي. مش عايزة أتجوز تاني عشان ترضى طمعك وتق*بض التمن!

الأب يبص لها بغل، لكن صوته يتقطع قدام قوتها. هي تنهار في البكاء، لكن لأول مرة مش بكاء ضعف، بكاء قرار. وبتعدي الأيام… تتحول لشهور، والسنين تمشي، وملك تكبر.
كبرت بسرعة أكبر من عمرها، شايلة وجع مش من حق طفلة تعيشه.
كل ذكرى كانت زي شوكة في قلبها: ليلة فرح اتسر*ق فيها طفولتها، كلمة جارحة من جوز أكبر منها بكتير، نظرة قسوة من أبوها اللي باعها.

لكن رغم الانكسار… كان جواها شعاع نور صغير، بتحافظ عليه زي ما بتحافظ على روحها.
قررت إنها مش هتفضل ضحية. بدأت تشتغل في أي حاجة صغيرة: دروس خصوصية للأطفال، شغل في مكتبة، أي شيء يخليها تقدر تكمل. كانت ترجع البيت مرهقة، عينيها محمرة من السهر والشغل، لكن جواها إصرار: “لازم أحقق حلمي… لازم أثبت إني أقدر.”

التعب النفسي ما سابهاش…
كانت بتخاف من كل صوت عالي، من كل كلمة تهديد، من كل مرة تشوف فيها بنت صغيرة في فستان أبيض.
الكوابيس ما كانتش بتسيبها، كانت تصحى مفزوعة كأنها لسه عايشة الليلة اللي غيرت حياتها. ومع ذلك، كل صباح كانت تلم روحها المكسورة وتقوم تاني. المدرسة بقت لها ملجأ…
كانت تحس إنها وسط الكتب ترجع طفلة من جديد. كل نجاح صغير كان بيخليها تبتسم وتقول لنفسها: “لسه في أمل.”

وبعد رحلة طويلة من الشغل والدموع والدراسة، وبعد سنين من الصبر والحرمان، جه اليوم اللي استنته طول حياتها…
يوم التخرج. وقفت ملك في الكلية، لابسة روب التخرج، وشهادة النجاح في إيدها.
دموعها نزلت من غير ما تقدر تمنعها… مش دموع حزن، لكن دموع فرحة ممزوجة بجراح قديمة.
افتكرت الطفلة اللي كانت بتحلم تبقى دكتورة وهي ماسكة كتاب المدرسة، واللي اتسلب منها الحلم ده بدري… لكن رجعته بإصرارها. اليوم ده كان إعلان انتصارها…
انتصار على الجهل، على القهر، على كل اللي حاولوا يك*سروا حياتها.

زواج القاصرات مش بس ظلـ,,ــــم… ده حرام.
حرام لأنك بتاخد طفلة لسه ما اكتملتش جسديًا ولا عقليًا وتحمّلها مسؤولية أكبر من طاقتها.
حرام لأنك بتحرمها من حقها في التعليم واللعب والأمان، وبتحطها في مواجهة مع تعب نفسي وجسدي ممكن يدمّرها. البنت الصغيرة مش قد بيت ولا زوج ولا ولادة ولا مسؤولية.
اللي بيتجوز طفلة بيظلـ,,ــــمها، وبيظلـ,,ــــم نفسه، وبيظلـ,,ــــم المجتمع كله. خلي البنت تكبر في أمان…
خليها تتعلم وتحقق حلمها…
عشان الزواج يكون في وقته الصح، بمسؤولية، وبرضا كامل.

“ودي كانت حكاية ملك، حكاية طفلة اتسلبت منها طفولتها باسم الجواز.كبرت وهي شايلة وجع أكبر من سنها، بس قدرت توقف على رجليها وتكمل تعليمها، وتثبت إن البنات مش سلعة تتباع ولا ورقة تتوقع.
حكاية ملك مش مجرد حكاية، دي صرخة ضد زواج القاصرات.
حرام نحرم طفلة من براءتها، وحرام نحملها مسؤولية مش قدها.
ودي لا أول بنت تتوجع ولا آخر واحدة. ولسه حكايات البنات كتير.
وفي الآخر… ربنا بيعوضها باللي يستاهلها، ويوريها إن اللي راح كان رحمة، ويداوي جرحها، ويكتب لها بداية جديدة.
انتظروني في حكاية بنت جديدة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى