هوا الطيارة رقم 302 اللي عمال يلف ويدور ده كان خانق وتقيل أوي والجو كله كان مشحون بتوتر باين على وشوش كل الناس. الكابينة كانت زي نفق ضيق مليان برجالة بيزنس مرهقين وعائلات وشها مخـ,ـطوف من القلق وعيال بتعيط. كلهم كانوا محشورين في حتة حاسس إنها بتصغر كل دقيقة. الكراسي كلها مليانة والشنط في الخزنة اللي فوق محكمة القفل. الركاب كلهم كانوا متضايقين وباين على وشهم التعب من التأخير. أنا إليزا كنت قاعدة لازقة في الشباك حاضـ,ـنة ابني ليو اللي عنده تلات شهور بس وبحاول أعمل لنفسي كده فقاعة هدوء وسط الغم ده كله.
كنت رايحة ل جوزي بعد غياب طويل وشاق بسبب شغله بره والرحلة دي كانت آخر مطب تعبني في ماراثون الوحدة ده.
المضيفة اللي في حتتنا واحدة وشها مكشر على طول واسمها في الكارنيه دانا كانت زي سحابة مطر غـ,ـضبانة لابسة يونيفورم. باين عليها إنها على آخرها حركتها متوترة وصوتها زي النباح وهي بتزعق في الركاب يحطوا شنطهم. توترها كان بيتنقل للكل زود قلق كمان على الجو المتكهرب أصلا. دي ما كانتش مجرد مضيفة دي كانت حارسة السجـ,ـن
المعدني ده وحاكمة مملكتها الصغيرة بقبضة من حديد.
يا دوبك الباب هيتقفل والموضوع حصل. صوت الموتور الخافت المنتظم والهوا اللي بيتعاد تدويره وتغير ضغط الجو… كل ده كان أكتر من طاقة ليو. الولد بدأ يعيط. ومش عياط همسة لأ دي صويتة حادة وعميقة اخترقت ضوضاء الكابينة الخافتة زي سارينة إنذار. كانت صرخة طفل ملهوف ومتضايق مش قادر يستحمل.
دانا اللي كانت بتكلم راكب تاني كلام سريع ومختصر عن شنطته لفت وشها في ثانية وعينيها ثبتت عليا زي صاروخ بيحدد هدفه.
في حالتها دي اللي ميتة من التعب والخنقة قررت تطلع كل غلها وتعب شغلها المتراكم على أضعف هدف ممكن تلاقيه.
يا مدام! زعقت دانا بحدة بصوت عالي وخشن خلى كام راكب جنبنا يتنفضوا. مشيت في الممر وشها عليه غضـ,ـب جامد. ابنك صوته عالي جدا! إنتي عاملة إزعاج كبير للركاب والطاقم!
قبل ما ألحق أقول كلمة وقبل ما أحاول أهدي ابني اللي بيصوت الموقف سخن بسرعة جنونية ومش منطقية. مش هينفع الكلام ده في رحلتي! لازم تنزلي من الطيارة! حالا!
ما استنتش إني أوافقها. في حركة قاسية ومجنونة
وطت دانا وشدت ابني اللي بيعيط وبالإيد التانية زقتني جامد من الكرسي للممر.
الإهانة الأخيرة والصدمة اتزقيت بالعافية من الطيارة وأنا جسمي بيرتعش من الصـ,ـدمة والخـ,ـوف والغضـ,ـب وشايلة ابني اللي عنده تلات شهور واللي دلوقتي بقى في حالة هستيريا لمجرد إنه بيعيط!
وقفت على ممر الطيارات البارد النظيف متغرقة في أضواء المطار القوية اللي بتوجع العين. باب الطيارة اتقفل ورايا بترزيعة أخيرة. بصيت من الشباك الصغير لقيت طاقم الأرض بيفك السلم والطيارة بدأت تتحرك ببطء عشان تستعد للإقلاع. الإحساس بالعجز كان تقيل زي طوبة على صدري.
بس وأنا بتفرج على الطيارة اللي كانت فرصتي الوحيدة أشوف جوزي وهي بتبدأ تتحرك العجز ده والغضب الجامد بدأ يتجمد ويسقع ويتحول ل خطة جامدة.
وجسمي لسة بيرتعش من الصدمة والأدرينالين. دانا وشركة الطيران كلهم افتكروا إنهم طردوا راكبة ضعيفة وملهاش ضهر. أم تعبانة ومعاها طفل بيعيط. بس كانوا على وشك يكتشفوا إنهم غلطوا غلطة عمرهم.
طلعت موبايلي وأصبعي كان ثابت بشكل غريب. ما اتصلتش بجوزي عشان أعيط وأشتكي. ما
اتصلتش بالشرطة عشان أعمل محضر يضيع في زحمة الروتين. اتصلت بالشخص الوحيد في العالم اللي عنده السلطة المطلقة اللي محدش يقدر ينكرها في الموقف ده بالذات.
الموبايل رن مرة واحدة بس قبل ما يرد عليا صوت سكرتير تنفيذي نضيف ومتعودة عليه مكتب الرئيس.
قلت بصوت كان مهزوز شوية بس ممزوج ب إصرار جامد أنا إليزا. خليه يعديني. الكود الأحمر.
الطرف التاني ما ترددش. بعدها بلحظة سمعت صوت تخين ومألوف على الخط إليزا في إيه
قلت الرحلة 302 وكلامي بيطلع بسرعة ودقة متقـ,ـطعة. طـ,ـردوني منها. وده غير قانوني. أنا عايزاه يأمر المراقبة الجوية ترجعها.
الرحلة 302 لازم ترجع للبوابة. حالا.
كلامي ما كانش رجاء ولا كان طلب. ده كان أمر طلع مني بسلطة نادرة الاستخدام بس كنت متأكدة إنه هيتنفذ من غير نقاش.
وبعد خمس دقايق بالظبط حصل المستحيل.
الطيارة اللي كانت لسه بادئة تتحرك للمدرج فجأة هدت بهزة جامدة ومزعجة خلت المشاريب تقع والركاب يتخضوا. وصوت المواتير القوية سكت. الطيار كان وصله الأمر وده أمر مباشر وملوش رجوع من أعلى سلطات المراقبة الجوية
أمر بيلغي كل جداول الطيران وقوانين الشركات.
صوت سماعة الطيارة رن وصوت الكابتن كان فيه ارتباك بيحاول يداريه. سيداتي وسادتي معاكم الكابتن. إحنا… راجعين للبوابة. هنرجع للمبنى دلوقتي ب أمر مباشر وإلزامي من المراقبة الجوية. بنعتذر عن الإزعاج والتأخير. يا ريت تفضلوا في كراسيكم.
الطيارة اتقلبت فوضى. الركاب بقوا يهمسوا بخـ,ـوف ويسألوا. دي هتبقى هبوط اضطراري قبل ما أقلع ده عمره ما حصل! الطاقم بصوا لبعض بخضة وخوف. دي مش إجراءات عادية دي كارثة حقيقية.
دانا المضيفة وقفت مذهولة في الممر وشها أبيض. الدم اتسحب من وشها وبقت شاحبة ومريضة.
أدركت في اللحظة المرعـ,ـبة دي إن تصرفها الغلط ده لحظة القسـ,ـوة اللي عملتها بطريقة ما عملت حالة طوارئ على مستوى الدولة. سقـ,ـوطها خلاص هيبدأ وهيبقى سريع ومفاجئ.
الطيارة اتحركت في رحلتها البطيئة والمذلة رجوعا للبوابة. ولما وصلت للسلم الركاب بصوا من الشبابيك ما شافوش طاقم الأرض العادي شافوا طابور من عربيات أمن المطار نورها بيطفي ويولع في صمت.
وبدل الشرطة
المحلية طلع عليا على السلم فريق أمن عالي المستوى من شركة الطيران وراجل قوي بشعر فضي لابس بدلة شيك. عرفته في ساعتها.
الراجل عدى من موظفين البوابة المتلخبطين وجري عليا وحضني أنا والطفل اللي هدي دلوقتي بحضـ,ـن دافئ وحامي. ده ما كانش مسؤول حكومي ولا حد من سلطات المطار. ده كان رئيس مجلس الإدارة والمساهم الأكبر في شركة الطيران كلها. ده كان أبويا.
الكشف عن هويتي كان علني ومدمر في نفس الوقت. أبويا لف وشه اللي كان متغطي ب قناع غضـ,ـب بارد ومسيطر ناحية طاقم الطيارة المصدوم اللي لسه نازل. عينه وقعت على دانا اللي كانت على وشك الإغماء.
قال أبويا بصوت واطي وخطير اخترق ضوضاء المبنى أنتي. إنتي اللي طلعتي بنتي وحفيدي اللي عنده تلات شهور من واحدة من رحلاتي.
قرب خطوة وجوده كان مرعـ,ـب لدرجة إن دانا رجعت لورا من غير ما تقصد. بسبب تصرفك أجبرتي المراقبة الجوية تدي أمر هبوط اضطراري عمره ما حصل لطيارة كانت خلاص هتقلع. إنتي عملتي خسارة بملايين الدولارات ووقفتي أسطول طيارات ورعبتي مئات
الركاب.
ال لعبة اللي اتقلبت دي الكشف عن هويتي الحقيقية ده اللي فسر قوتي المطلقة اللي محدش يقدر عليها. قسوة دانا التافهة دي اتقابلت بقوة أكبر منها بكتير والقوة دي دلوقتي غضبانة جدا.
أبويا ما وراش أي رحمة. هو ما كانش مجرد رئيس مجلس إدارة بيحمي سمعة شركته هو كان أب وجد بيحمي عيلته.
بص مباشرة ل دانا اللي كانت عمالة تتعلثم وتطلع أعذار بايخة عن البروتوكول وشكاوى الركاب. قال أبويا بصوت يخوف إنتي ما طـ,ـردتيش راكبة مجهولة وخلاص. إنتي طردتي وريثة الشركة دي. وحطيتي إيدك على حفيدي.
لف ناحية رئيس الأمن راجل وشه مكشر واقف جنبه.
اوقفوا شغلها فورا. عايزها تطلع بره المبنى ده وتتحط في القائمة السودة لكل شركات الطيران اللي تبع التحالف ده. وبعد كده عايز فريقنا القانوني يقاضيها بأقصى عقوبة يسمح بيها القانون بتهـ,ـمة تعريض حياة طفل للخطر لأنها خطفت رضيع بالعافية من حضـ,ـن أمه. ولتعريض أمن الطيران للخطر عمدا باختلاق حجة كدابة لخناقة أجبرت الطيارة على الرجوع الاضطراري من غير سبب.
قال
أبويا ل دانا اللي كانت خلاص بتنهار من العياط الهستيري إنتي خسرتي كل حاجة. وظيفتك مستقبلك المهني سمعتك. وكل ده بسبب طفل بيعيط.
أنا وابني اتنقلنا على طول لصالة خاصة. وفي خلال ساعة ركبنا رحلة خاصة تانية واحدة من طيارات شركة الطيران الخاصة مع ضمان أقصى درجات الأمان والراحة والخصوصية طول الرحلة.
وإحنا طيارتنا بتطلع بهدوء للسما بصيت من الشباك. تحت شفت الرحلة 302 لسة واقفة عند البوابة بتتعملها فحوصات طوارئ وإجراءات سلامة ودي كانت رمز للفوضى اللي ممكن تحصل بسبب قسـ,ـوة شخص واحد. شفت خيال صغير دانا وأمن المطار بيوصلوها لعربية مستنية.
أنا عمري ما كنت عايزة أستخدم اسم عيلتي عشان أوري الناس قوتي. كنت دايما بحاول أعيش حياة طبيعية. بس وأنا حاضـ,ـنة ابني النايم بين دراعاتي اتعلمت درس صعب وعميق لما يقابلوا الطيبة والعقل ب قسـ,ـوة وجنان لازم تستخدم كل قوتك عشان تحمي اللي مالوش ذنب. هي طلبت مني أسيب رحلتها. بس أنا اللي خليتها هي اللي تسيب للأبد. رحلتي أنا رحلة الأم اللي بتحمي ابنها لسه بادئة.