كانت أصابعي ترتجف وأنا أمسك تلك الورقة الصغيرة.
كورقتها عادية خفيفة لكنها في يدي كانت أثقل من كل الشهور التي عشتها وحدي.
لم يكن ما كتب فيها هو ما هزني أولا بل الخط.
هذا الخط
الطريقة التي يميل فيها حرف الر والنقطة الصغيرة فوق الج ذلك الانحناء الخفيف في حرف الن في آخر اسمي
كل هذا لم يكن غريبا علي.
كان جزءا من ذاكرتي.
من ثلاث سنوات من الرسائل والاعتذارات والمفاجآت الصغيرة.
ابتلعت ريقي بصعوبة رفعت الورقة نحو الضوء وقرأتها أخيرا.
سامحيني بس ما قدرت أتأخر أكثر.
كانت الجملة قصيرة جدا مقارنة بكل ما حدث.
قصيرة أمام خمس سنوات من الحب والخوف والوحدة.
قصيرة أمام خمسة ملايين روبية وثمن اختفائي.
قصيرة أمام طفل صغير في الحاضنة ينتظر أن يعرف من يكون أبوه.
ومع ذلك شعرت بأنها أثقل من أي خطاب طويل.
رفعت عيني ببطء الممرضة كانت لا تزال واقفة عند طرف السرير تراقبني بنظرة فيها مزيج من الفضول والشفقة كأنها تتابع مسلسلا عاطفيا لم تكن تتوقع أن تكون جزءا من أحد مشاهده.
سألتها بصوت مبحوح
مين اللي جاب الظرف
ترددت للحظة ثم قالت
القانون ما يسمح لنا نقول اسم اللي دفع الفاتورة بس
وتوقفت ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنها لا تقاوم ما تعرفه
بس هو لسا واقف بره ما
تحرك من مكانه منذ ساعة.
سكت.
حتى دقات قلبي شعرت أنها توقفت لجزء من الثانية.
هو
لم أستطع أن أنطق اسمه.
كأن اسمه صار ثقيلا على لساني بعد شهور من محاولة نسيانه.
لم تجب الممرضة بكلمات بل بنظرة.
نظرة تقول أنت تعرفين من أقصد.
في تلك اللحظة سمعنا طرقا خفيفا على الباب.
طرق لم يكن عنيفا ولا مترددا كان مثل صاحبه تماما بين الخوف والرجاء.
لم أستطع أن أقول ادخل ولا لا.
شفتاي كانتا ترتعشان ودموعي كانت تسبق أي قرار.
الممرضة استأذنت وفتحت الباب ببطء.
كان واقفا هناك.
أرجون.
رأيته أولا من عينيه.
كل شيء آخر تغير شعره لحيته ملامحه المتعبة لكن عينيه هما نفس العينين اللتين كانتا تضحكان في وجهي وأنا أشرب الشاي على عتبة بيتنا في كانبور.
نفس العينين اللتين كانتا تتشاجر معي ثم تستسلمان أولا.
نفس العينين اللتين وعدتاني قبل ثلاث سنوات مهما صار ما راح أتركك.
ها هو الآن بعد أشهر طويلة من الغياب واقف على باب غرفة المستشفى وأنا على سرير الولادة وطفلنا في الحاضنة ينتظر من يعطيه اسمه.
لم يتحرك في البداية.
وكأنه هو أيضا لم يكن مستعدا لهذه المواجهة.
نطق باسمي أخيرا
أنجالي
الكلمة وحدها كانت كافية لتفك عقدة في صدري ظلت مشدودة لشهور.
حاولت أن أمنع دموعي أن أبدو
قوية أن أواجهه ببرود كما فعلت أمه معي
لكن قلبي رفض.
فاض كل شيء مرة واحدة وبكيت.
لم أبك بصوت عال بل بكاء مخنوق حاولت أن أغطي وجهي بكفي لكن كتفي كان يهتز وصوت شهقاتي كان أوضح من أي شيء.
دخل بهدوء أغلق الباب خلفه اقترب خطوة ثم توقف كأنه يسأل بعينيه
أقدر أقترب أكثر
الممرضة فهمت دون كلام انسحبت بهدوء وتركتنا.
اقترب وجلس على طرف الكرسي القريب من السرير مجرد وجوده في الغرفة أشعرني أن الهواء صار أثقل وأخف في الوقت نفسه.
مرت ثوان لم نتكلم فيها.
هو كان يراقب وجهي كمن يحاول أن يتأكد أنني لست مجرد حلم سيتبخر وأنا كنت أراقب تفاصيله كما لو أنني أراها لأول مرة.
أخيرا قال بصوت مبحوح
دورت عليك بكل مكان يا أنجالي كل مكان.
لم أرد فورا كنت أحاول أن أستوعب كلماته.
كل مكان بالنسبة له كيف كان
هل عرف أنها أعطتني المال
هل ظن أنني خنته
هل ظن أنني بعت حبنا بثمن
آلاف الأسئلة كانت تحوم في رأسي.
سألته بمرارة خرجت رغما عني
وين كنت تدور وأمك كانت تحسب الفلوس اللي دفعتها عشان أختفي
انخفضت عيناه فورا كأن كلماتي صفعة لم يستطع صدها.
أغمض عينيه لثوان ثم قال بصدق واضح
ما كنت أعرف ما قالت لي إلا بعد ما اختفيتي. قالت لي إنك تركتيني عشان الفلوس. وأنا صدقتها يومين
ثلاثة بعدين حسيت إن شي غلط.
أنجالي اللي أعرفها ما تبيع حبها حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدها.
كانت دموعي لا تزال تنزل.
وأنا كنت حامل وخفت. خفت منك من أمك من كلامها من نظرتها. قالت إن ما راح تسمح للطفل يولد. قالت لي أروح قبل ما هي تتصرف. وأنا صدقتها. صدقت إن أبتعد أهون.
فتح عينيه بسرعة نظر إلي كأن الأرض اهتزت تحته.
كنت حامل من متى
ضحكت ضحكة قصيرة مرة بين البكاء والسخرية
من قبل ما تجي وتقول لي أمك إني ما أستحقك. من قبل ما تحط خمسة ملايين روبية على طاولتي كأنها تدفع فاتورة خطأ.
لم أعهده منه من قبل.
كان لازم أعرف كان لازم تقولين لي. حتى لو سكرت أمي الأبواب كلها كان لازم نكسرها سوا.
سحبت يدي للحظة ليس رفضا بل ألما.
قلت لنفسي أنت ابنها تربيت عندها علمتك إن العالم ينقسم لطبقات وإن في ناس أقل منكم. قلت لو عرف بالحمل يمكن يختارها هي ويقول لي نفس جملتها.
هز رأسه بقوة كأن الفكرة وحدها تؤذيه.
لا تقارنيني فيها. أنا يمكن ضعفت يمكن تأخرت يمكن سمحت لها تدخل بيننا لكن حبي لك ما كان أبدا بنفس مقاييسها.
ثم حمل الورقة الصغيرة من فوق الطاولة نظر إلى خطه عليها ثم رفعها نحوي
أنا كتبت هذه الورقة وأنا واقف برا الباب ما قدرت أدخل مباشرة. كنت خايف خايف من عيونك من اللوم في داخلها وخايف أكثر من إنك ما تبغين تشوفيني.
سألته بصوت مكسور
وكيف
عرفت إني هنا كيف لقيتني بعد كل هذا الوقت
تنهد بعمق كأنه يستعيد طريقا طويلا مشى فيه وحده.
بعد ما اعترفت أمي إنها راحت لك انقلبت الدنيا في وجهي. صرخت عليها لأول مرة في حياتي. طلعت من البيت وأنا ما أدري وين أروح. رحت لكل الأماكن اللي كنا نروح لها سوا سألت أصحاب الشقق اللي ممكن تستأجرين عندهم دخلت مستشفيات عيادات حتى محطات القطار. كل مرة كنت أشوف حامل تسير قدامي قلبي يطيح.
ابتلع ريقه كأن الكلام ثقيل.
وبالأمس وصلت اسمك من ملف في النظام. كنت الممرضات يتكلمون عن حالة ولادة مبكرة لواحدة اسمها أنجالي من كانبور.
ركضت على طول. سألتهم إذا كان معها زوج أو أهل قالوا لا. عرفت إنها أنت.
شعرت أن قلبي ينكمش ثم يتسع كأن جزءا من الظلام الذي لف حياتي بدأ ينقشع.
سألته بصوت خافت
أنت شفت الطفل
هز رأسه نفيا
كل اللي عرفته إنه في الحاضنة وإنه بخير. رفضت أشوفه قبل ما أشوفك. حبيت أعرف إذا عندي حق أدخل في حياته.
رفعت يدي وأنا لا أصدق أنني من تفعل هذا ومددتها نحوه
تعال نشوفه سوا.
وقف بسرعة وكأن الأرض نفسها دفعته للوقوف.
اقترب مني وضع ذراعه خلف ظهري يساعدني على النهوض.
شعرت بألم في بطني لكن يده كانت ثابتة دافئة مطمئنة.
خرجنا إلى الممر الضوء الأبيض القوي يملأ المكان أصوات خطوات الأطباء والممرضين تختلط بأصوات
الأجهزة. ومع ذلك شعرت أن المكان كله يختفي ولا يبقى إلا أنا وهو والباب الزجاجي للحاضنة.
وقفنا أمام الزجاج.
هناك بين الأسلاك الرفيعة والأجهزة الصغيرة كان طفلنا.
صغير جدا ملفوف ببطانية خفيفة عيناه مغمضتان صدره يتحرك بحركة خفيفة منتظمة ويده الصغيرة مرفوعة في الهواء كأنها تبحث عن شيء تتمسك به.
أحسست بأن روحي خرجت من جسدي واقتربت من ذلك الصندوق الزجاجي.
وضعت يدي على الزجاج وشعرت بحرارتي ترتد عن سطحه البارد.
ثم سمعت صوت أرجون يتمزق
يا الله
نظر إليه نظرة لا تشبه أي نظرة رأيتها منه من قبل نظرة رجل يرى قلبه خارج جسده للمرة الأولى.
مد يده هو أيضا وضعها بجانب يدي فوق الزجاج.
هذا هذا ابني
كان سؤاله طفوليا بشكل يقطع القلب.
التفت إليه ودموعي تنزل بهدوء
إيه ابننا.
لم يستطع منع دموعه هذه المرة.
سقطت دمعة واحدة تبعتها أخرى ثم أخرى ومسحها بسرعة كأنه يخجل ثم استسلم.
لم أره يبكي من قبل بهذا الشكل.
لا في أصعب خلافاتنا ولا في أكثر أيامنا ألما.
همس وكأن الكلام ينتزع من قلبه انتزاعا
أنا آسف ما كنت موجود. آسف إنك دخلتي غرفة العمليات وحدك. آسف إنك خفتي وحدك. آسف إنك سمعتي كلمة مين بيدفع الفاتورة وما كان صوتي أنا اللي يرد.
اقتربت منه أكثر لست أدري من أعان من في تلك اللحظة.
هل هو الذي ساندني
أم أنا التي ساندته
قلت
وأنا أنظر للطفل
المهم إني ما كنت وحدي وأنا أطلع هذه الروح للدنيا. كنت أفكر فيك طول الوقت. أصرخ باسمك جوا قلبي وأنا أوجع.
أقول لو كان هنا كان مسك يدي وما تركني.
التفت إلي وفي عينيه شيء يشبه الوعد القديم الذي ضاع ثم عاد
أعدك من اليوم ما في وجع تمرين فيه وحدك.
بعد دقائق طويلة من الصمت الجميل والمؤلم في آن واحد عدنا إلى الغرفة.
في الطريق كان يمشي بجانبي ببطء يخشى أن يسبقني بخطوة كأن المسافة بيننا تحتاج أن تبنى من جديد خطوة بخطوة.
جلسنا على السرير.
هو على الحافة وأنا مسنودة على الوسادة.
أخرج القلم من جيب قميصه أخذ ورقة شهادة الميلاد التي تركتها الممرضة ووضعها بيننا.
اسم الطفل
قالها وهو ينظر إلي كأنه يدعوني أن أختار معه.
ضحكت بخفة بين دمعتين
كنت أفكر لو ولد أسميه أرجون. ولو بنت أسميها ميرا.
ابتسم ابتسامة صافية لأول مرة
الحمد لله ولد. تحبين يعيش طول عمره يسمع أمه تنادي أرجون ويطلع هو وإياه
ضحكت من قلبي هذه المرة لأول مرة منذ فترة طويلة جدا.
نقدر نختار له اسم ثاني بس
نظرت إليه وقلت
بس صراحة أحب اسم أرجون. مو عشانك بس عشان الذكريات اللي بينا تحت هالاسم.
أمسك القلم بيده التي لا تزال ترتجف قليلا وكتب ببطء
Arjun Verma.
عندما كتب Verma شعرت بأنني أوقع على شيء أكبر من شهادة ميلاد.
شعرت أننا
نوقع على بداية جديدة لعلاقتنا لابننا لحياتنا.
سكت هو لحظة ينظر إلى الاسم ثم قال بصوت منخفض
أنجالي أنا لازم أواجه أمي.
شد قلبي خوف قديم.
وماذا لو رفضت ماذا لو قالت لك تختار بيننا وبينها
نظر إلي بثبات لم أره منه بهذا الوضوح من قبل.
هي اختارت من قبل واختارت الغلط. أنا تعبت. تعبت أعيش بنص قلب ونص حياة. لو خيرتني اليوم أختار أنت وابني. حتى لو خسرت كل شيء.
تنهدت لم أكن أبحث عن بطولة في اللحظة تلك كنت أبحث عن صدق ووجدته.
مرت أيام قليلة وأنا لا أزال في المستشفى وجسدي يحاول أن يتعافى.
أرجون كان يأتي كل يوم في الصباح والمساء.
أحيانا يجلس بجانبي ويسكت أحيانا يقرأ أحيانا يمازح الممرضة وأحيانا يذهب ليقف لساعات أمام الحاضنة.
في أحد الأيام دخل ووجهه يحمل توترا مختلفا.
سألته فورا
صاير شي
جلس على الكرسي شبك يديه وقال
كلمت أمي.
تجمدت.
كل الخوف الذي حاولت دفــ,,ـــــنه عاد في لحظة.
وش قالت
تنهد طويلا ثم قال
في البداية صرخت.
قالت إنك استغليتني وإنك رجعت بس بعد ما خلصتي فلوسها. قالت إن الطفل هذا ما له علاقة فينا. قالت كلام كثير جارح. أنا سكت شوية وبعدين قلت لها لو كان هذا رأيك
أنا آسف بس هذه آخر مكالمة بيننا.
تسارعت أنفاسي.
يعني يعني تركت بيتك
هز رأسه.
ما عاد حسيت إنه بيت. البيت الحقيقي اللي أنا أنتمي له فيه أنت وابني.
سال الدمع من عيني دون إذن.
ما أبغى أكون سبب قطيعة بينك وبين أمك.
اقترب وقال بحزم
مش أنت اللي عملتي شي. هي اللي اختارت الطريق هذا. وأنا اخترت أخيرا ما أظل واقف بالنص. طول عمري أعيش بين رضاها وبين سعادتي واليوم فهمت إن رضى الأم الحقيقي ما يجي من خراب حياة ولدها.
مرت لحظة صمت ثم ضحك ضحكة قصيرة
وبعدين أختي وقفت معي. قالت لها لو ما تقبلتي حفيدك أنا أقبله. أنا مو وحدي في الحرب هذه.
كنت أراه الآن ليس فقط كحبيب بل كأب ورجل قرر أخيرا أن يكون مسؤولا عن قراراته.
بعد أسبوعين خرجت من المستشفى.
بطن طفلي أصبح أنعم وبكاؤه أصبح أقوى وعيناه بدأت تفتحان قليلا.
كان يحمل ملامح صغيرة مني ومنه.
شعره الأسود الخفيف أنفه الصغير شفته السفلى التي تنطبق بطريقة تذكرني بأرجون وهو نائم.
استأجر أرجون شقة صغيرة قريبة من المستشفى في البداية حتى ننهي فحوصات الطفل ومراجعته.
الشقة لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة.
جدرانها عادية لكن وجود سرير صغير في منتصف الغرفة الأولى جعل كل شيء فيها يبدو مختلفا.
في أول ليلة لنا هناك كنت أجلس على السرير أحمل الطفل على صدري وهو يمشي في الغرفة ذهابا وإيابا مرتبكا كما لو أنه يخاف أن يلمس شيئا ويكسره.
قلت له بابتسامة
اجلس ترا مو في متحف.
ضحك بخجل وجلس على الأرض أمام السرير يسند ظهره إلى الجدار ثم مد يديه
أقدر أشيله
نظرت إليه بترقب ثم ناولته الطفل بحذر.
كانت تلك اللحظة من أغرب اللحظات.
يداه الكبيرة تحتضنان جسدا صغيرا جدا وعيناه لا تبتعدان عن وجهه حتى للحظة.
قال بصوت منخفض جدا وهو يكلم الطفل كأنه يفهم
أنا آسف جيت متأخر.
بس بوعدك ما أتاخر مرة ثانية.
ثم رفع رأسه ونظر إلي
تعرفين لو كان فيه يوم لازم أشكر فيه أمي فهو اليوم اللي قررت فيه تخليني أختبر الحياة بدونك. لأن اللي عشته وأنا أدور عليك علمني قيمة وجودك. علمني قيمة كلمة عائلة.
مرت الأيام ببطء وجمال غريب.
لم تكن حياتنا مثالية.
الطفل كان يبكي في أوقات
غريبة.
المال لم يكن وفيرا.
مستقبلي المهني كان مجهولا ومستقبله هو كان مرتبطا بتعب أرجون الذي كان يعمل في عيادته بدوام طويل ثم يعود ليسهر معنا.
لكن رغم كل هذا
كنت أنام وأنا أشعر أنني لست وحدي.
أستيقظ في الليل فأجد أرجون يحمل الطفل ويهدهده يغني له أغنية قديمة سمعها من جدته رغم أنه كان يضحك دائما عندما أخبره أن صوته سيئ.
وفي يوم من الأيام وبعد أشهر من ولادة أرجون الصغير حدث ما لم أتوقعه.
رن جرس الباب.
كنت أظن أن أحد الجيران جاء يطرق بابنا أو عاملة التوصيل.
لكن عندما فتح أرجون الباب تجمد.
وقفت خلفه أحمل ابني رأيت من فوق كتفه امرأة واقفة على العتبة.
شعرها مرتب بعناية ساري أنيق نظرة متعالية أعرفها جيدا.
السيدة شاليني.
والدة أرجون.
تجمد الزمن للحظة.
كأني عدت إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أتت فيه إلى شقتي الأولى وضعت الحقيبة على الطاولة وقالت لي
خذي المال وابتعدي عن ابني.
لكن هذه المرة مكاننا مختلف وحالتي مختلفة والطفل في حــ,,ـــــضني وأرجون واقف أمامها كجدار.
قالت بصوت حاولت أن تجعله هادئا لكن ارتجافه فضحها
أقدر أدخل
لم أتكلم.
أرجون لم يفتح لها الباب بالكامل بعد.
سألها ببرود لم أسمعه منه معها
جاية لي ولا لها
نظرت نحوي عينيها التقتا بعيني وأنا أحمل حفيدها.
لم تكن نظرتها هذه المرة فقط نظرة طبقية فيها شيء من الندم شيء من الخوف شيء من الاعتراف المتأخر.
قالت
جيت لكم أنتم الاثنين والثالث.
نظرت إلى الطفل.
أحسست أن أنفاسي تثقل.
فتح أرجون الباب قليلا أكثر لكنه لم يبتعد عن الإطار كأنه لا يزال يحرس حياتنا من الخارج.
قالت بخفوت
أعرف إن اللي سويته كان غلط. كنت خايفة عليك كنت أظن إني أحمي مستقبلك.
كنت شايفة إنها أقل منك فقط لأنها جايه من مكان ثاني. بس لما اختفت اختفى نصفك معها. صرت أشوفك تمــ,,ـــــوت قدامي وأنت عايش.
لم أصدق بسهولة.
كلماتها كانت مختلفة لكنها لا تمحو
ما فعلته.
قالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها
لو ما تبغون تسامحوني أتفهم. بس أرجوك خليني على الأقل أشوف حفيدي.
لم أنطق.
نظرت إلى أرجون.
كان ينظر إليها طويلا كأن قلبه يراجع كل شيء طفولته معها قسوتها خوفها وأخطائها.
ثم التفت إلي كأن القرار لم يعد يخصه وحده.
سألني بنظرة لا بصوت
نسمح أو لا
نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعي.
فكرت في المستقبل في اليوم الذي سيكبر فيه ويسأل عن جدته من جهة أبيه عن عائلته عن جذوره.
فكرت في كل شيء.
ثم هززت رأسي ببطء.
خليها تدخل بس مش عشانها هي. عشان ابننا.
تنفس أرجون بارتياح لم يخفه وفتح الباب بالكامل.
دخلت شاليني البيت أو بالأحرى دخلت حياتنا من جديد لكن هذه المرة لا كما كانت سابقا.
مشيت بخطوات مترددة عيناها معلقتان بالطفل.
وقفت أمامي لأول مرة وهي تتحدث لي بدون سخرية ولا احتقار.
قالت بصوت منخفض
هو يشبهك.
ثم نظرت إلى أرجون
وعينه عينك.
لم أعرف ماذا أقول.
كل ما فعلته هو أنني حركت الغطاء قليلا عن وجه ابني كأنني أقدمه للعالم لأول مرة للعائلة حتى لو كانت هذه العائلة مكسورة.
مدت يدها بخوف ثم توقفت في المنتصف
أقدر ألمسه
نظرت إلى أرجون ثم هززت رأسي
بهدوء هو ينام بسرعة بس يصحى بأصغر حركة.
ضحكت ضحكة صغيرة باهتة ثم لمست خده بأطراف أصابعها.
كان
هناك شيء في ملامحها يتغير شيء ينكسر شيء يعاد تشكيله.
في تلك اللحظة فهمت شيئا لم أفهمه يوم جاءتني بالحقيبة.
أحيانا يخاف الأهل بطريقة مؤذية.
يظنون أنهم يحافظون على أولادهم بينما هم يدمرونهم.
هي حاولت أن تشتري غيابي لكنها لم تكن تعرف أنها تشتري قبــ,,ـــــرا لابنها.
وعندما عرفت جاءت تمشي على جمر الندم حتى وصلت إلى بابنا.
لم أسامحها فورا.
الجرح كان عميقا جدا.
لكنني قررت أن لا أسمح لهذا الجرح أن ينتقل إلى ابننا.
جلسنا.
هي على الكرسي.
أرجون بجانبها.
أنا على الأريكة أحمل الطفل.
تحدثنا كثيرا تلك الليلة.
عن الماضي.
عن مخاوفها.
عن غيابي.
عن بحث أرجون عني.
عن الليالي التي بكت فيها وهي تمسك بصورته رغم كبريائها.
وفي النهاية قالت جملة واحدة شعرت أنها لم تخرج بسهولة
لو تبغين أرجع لك فلوسك. الخمسة ملايين كاملة. ما عاد لها معنى عندي.
نظرت إليها ابتسمت بخفة وقلت
أنا صرفت جزء منها بس مو على نفسي. على طفلكم أنت وحفيدك أنت. فلا تقولي إنها كانت فلوسي أو فلوسك. هي كانت ثمن خوف وطلع أغلى مما يستحق.
مرت السنوات بعد ذلك ببطء جميل.
كبر أرجون الصغير تعلم المشي في ممر الشقة الصغيرة ثم في حديقة صغيرة خلف المبنى ثم في بيت أكبر انتقلنا إليه عندما تحسنت أوضاعنا.
تعلم أول كلمة لم تكن ماما ولا بابا بل كانت لا وكان يقولها وهو يضحك وهو يركض هاربا من ملعقته.
شاليني لم تعد تلك المرأة القاسية التي عرفتها أول مرة.
لم تصبح ملاكا فجأة كانت لا تزال تحمل بعض تعاليها وعنادها لكن وجود حفيدها جعلها تنظر للعالم بعين أخرى.
كانت تأتي أحيانا ومعها ألعاب وحلوى وتحاول أن تخفي حبها خلف تعليقات جافة لكنها تفشل كل مرة عندما يحملها الصغير من رقبتها ويقول
دادي ما! grandma
كلما نظرت إلى حياتنا اليوم أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة في المستشفى عندما سألتني الممرضة بخجل
مين بيدفع الفاتورة
لم أكن أعرف وقتها أن الإجابة ليست فقط شخص دفع.
بل شخص رجع.
شخص طلب فرصة ثانية وأنا أيضا طلبت.
وفي كل مرة أنظر إلى أرجون الصغير وهو يركض في البيت يقع ثم ينهض وهو يضحك يركض إلى أبيه ثم يعود ليختبئ في حــ,,ـــــضني
أقول لنفسي
اليوم الذي اكتشفت فيه أنني حامل
والذي ظننته اليوم المشؤوم الذي دمر حياتي
كان في الحقيقة اليوم الذي بدأ يصنع حياتي الجديدة خطوة بخطوة دمعة بعد دمعة
واليوم الذي جاءت فيه أمه بالحقيبة والمال
كان اليوم الذي ظننته . الحب
لكنه في الحقيقة أخفاه مؤقتا فقط لنعرف قيمته حين يعود.
وحين يسألني أحدهم الآن
كيف تحملت كل هذا وحدك
أبتسم وأقول
ما تحملته وحدي كنت طول الوقت أشيل طفلي في بطني وأحمل معه حبه في قلبي. وإلا ما كنت وصلت لهنا.