منوعات

صعيدى من اكسفورد بقلم مايا خالد ٤

​يونس عيونه لمعت بصدق دافي، ومسك إيدها اللي على كتفه وباس كفها بحنان، ونزل بشفايفه يطبع قبلات صغيرة ورقيقة على صوابعها واحد ورا التاني، وقال بنبرة تذوب الصخر:
“أنا أفدي دمك بروحي يا نور.. إنتي مش بس حرمة يونس الهواري، إنتي روحه اللي بيمشي بيها بين الناس. والراجل منينا لو راحت روحه، ميبقاش ليه عازة في الدنيا.”
​وبحركة خفيفة وساحرة، شالها بين دراعاته وخطى بيها ناحية الشرفة الكبيرة اللي كانت نسايم الليل الصعيدي الباردة بتدخل منها وتداعب ستاير الحرير البيضا.

وقف بيها قدام المنظر الساحر للنخيل والزرع اللي نايم تحت ضوء القمر، ونور لفت دراعاتها حوالين رقبته وسندت راسها على كتفه وهي حاسة بقمة الدفا والراحة.
​”شايفة الأرض دي كلها يا نور؟” يونس سألها وهو بيبص للأفق الواسع.
نور هزت راسها برقة: “شايفاها يا حبيبي.. جميلة ومهيبة زيك.”
​يونس ابتسم وطبع قبلة دافية على خدها المتورد وهمس:
“كل الأرض دي ملكي وتحت طوعي.. بس أنا واجف هنا، وراضي ومكتفي بإن أكون أنا اللي ملكك وتحت طوع قلبك الغجري ده.”

​نور رفعت عيونها ليه وبصت لملامحه الرجولية الصارمة اللي لانت وبقت كلها عشق في حضورها، وقربت منه وطبعت قبلة رقيقة وسريعة على طرف شفايفه وهي بتهمس بدلال:
“وأنا قبلت استسلام صقر الصعيد.. بس خلي بالك، قلبي الغجري ده طماق ومش هيشبع من حبك أبدًا.”
​ضحكة يونس الرجولية الدافية طلعت من قلبه وهو بيشدها لحضنه أكتر، والليل الصعيدي الهادي كان شاهد على اتنين لقوا وطنهم الحقيقي في حضن بعض بعد طول عناد وصراع. حكايات مايا خالد
مرت تلك الليلة كأنها غيمة من الطمأنينة تظلل قصر الهوارية.

​في صباح اليوم التالي، تسللت خيوط شمس الصعيد الذهبية الدافئة من بين فرجات الستائر البيضاء، لتداعب وجه نور النائم بسلام. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها ما زالت مغمورة في حضن يونس الدافئ. كان مستيقظاً قبلها، يستند برأسه على وسادته ويده الكبيرة تخلل خصلات شعرها الغجري برفق مفرط، وعيونه الكحلية ترقب ملامحها الشاردة بهيام وصمت.
​أول ما تلاقت عيونهما، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة حملت كل معاني التملك والحب، وهمس بنبرة صباحية مبحوحة:
“صباح الخير يا وجه الخير… صباح الورد على ست الدار وست قلبي.”

​نور ابتسمت بخجل، ودفـ,ـنت وجهها في صدره العريض للحظات هرباً من نظراته الجريئة، قبل أن ترفع رأسها وتقول بدلال:
“صباح النور يا يونس… أنت صاحي من بدري؟”
​يونس قبل جبينها برقة وقال:
“صاحي وعيني مش جادرة تشبع من ملامحك وهي هادية ورايحة في النوم. كنتِ شبه طفلة صغيرة هربت من الدنيا كلها واتحمت في حضني… والطفلة دي وجعت صقر الهوارية على بوز كبدة في ثانية.”
​نور ضحكت رنتها العذبة، ومست بأصابعها ذقنه النامية الخشنة وقالت بشقاوة:
“أنا طفلة برضه يا يونس؟ ده أنا صحفية عنيدة وهديك بكتب تحقيقات تهز بلد!”

​يونس قبض على كفها الصغير الذي يداعب وجهه، وطبع قبلة حارة في منتصف كفها وقال وعيونه تفيض بالجدية والصدق:
“تكتب اللي تبيه… وتهز بلد بحالها بقلمك يا نور، وضهرك مسنود على جبل اسمه يونس الهواري. بس هنا، بين جدران القصر ده، وفي حضني أنا بالذات… ملكيش صالح بالصحافة ولا البندر. هنا أنتِ نوري، ودنيتي، وصبيتي الغجرية اللي روضت وحشي.”
​نور شعرت بقلبها ينبض بقوة، واقتربت منه تهمس له بصدق لم تعد قادرة على إخفائه:
“أنا بحبك يا يونس… بحب وعورتك، وحنيتك، وغيرتك اللي بتخوفني وتطمني في نفس الوقت.”

​يونس تنهد بعمق، كأن الكلمة قد روت ظمأ قلبه لسنوات، واحتضنها بقوة إلى صدره وكأنه يعيد دمج جسديهما معاً، هامساً وسط شعرها:
“وأنا عشقتك يا بنت البندر… عشق ملوش نهاية، طالما فيا نفس طالع وداخل.”
​طوال ذلك اليوم، لم يتركها يونس للحظة. أخذها في جولة نهارية نادرة بداخل أراضي الهوارية الشاسعة، كان يركب حصانه العربي الأسود وهي تجلس أمامه ممسكة بخصره بقوة، وهوا الصعيد البارد يداعب وجهيهما، بينما كان يشرح لها عن كل شبر من أرض أجداده وكأنه يسلمها مفاتيح مملكته بالكامل.
​وعندما عادا إلى القصر مع غروب الشمس، وقفا مجدداً في الشرفة يشاهدان الليل وهو يرخي سدوله.

نور نظرت إلى الأفق، ثم نظرت إلى يونس الذي كان يقف بجانبها بشاله الكشميري الفاخر، وشعرت لأول مرة في حياتها بالوصول… بالوطن الحقيقي الذي طالما بحثت عنه في الكلمات والكتب والتحقيقات، فوجدته أخيراً بين ذراعي هذا الرجل الذي جمع بين قسوة الجبل ولين العاشق.ومع حلول الليل، كانت الأجواء في القصر تزداد دفئاً وشاعرية.
​دخل يونس ونور من الشرفة إلى داخل الجناح، حيث كانت الإضاءة خافتة والموسيقى الصامتة المنبعثة من روح المكان تضفي سحراً خاصاً. يونس نزع شاله الكشميري وألقاه بجانبه ببطء، والتفت إلى نور التي كانت تقف بجمالها الآسر تتأمله بعيون تلمع بالحب والاستسلام.

​اقترب منها بخطوات هادئة ممتلئة بالثقة، ووقف أمامها مباشرة. مد يده ليمسح بلطف على وجنتها المتوردة، ثم نزل بأصابعه ليعبث برقة بأطراف عقدها الذهبي الذي يزين عنقها.
“عارفة يا نور…” همس بصوته الرجولي الدافئ القريب جداً من أذنها: “الصعيد ده واعر وقاسي، بس من اليوم اللي دخلتي فيه حياتي، حاسس إن كل حاجة لانت.. الجرانيت الصعيدي بقا في حضورك طوع أمرك.”
​نور رفعت عينيها لتلتقي بعيونه الكحلية التي لم تعد مخيفة بل أصبحت ملاذها، وقالت بصوت متهدج من فرط المشاعر:
“وأنا عنادي الغجري كله داب في حبك يا يونس..

مبقتش عايزة أهرب، ولا بقيت عايزة أثبت لنفسي أو للدنيا أي حاجة غير إني جمبك.”
​ابتسم يونس ابتسامة ساحرة تفيض بالنصر والعشق، ومال برأسه ليطبع قبلة دافئة ورقيقة على عنقها، جعلت قشعريرة دافئة تسري في جسدها، قبل أن يرتفع بوجهه ليغرق في عينيها طويلاً. وبحركة حانية وبطيئة، التقت شفتيه بشفتيها في قبلة أخيرة طويلة، هادئة وعميقة، حملت عهد العمر والوفاء والراحة بعد طول عناء وتعب.
​احتضنها بقوة إلى صدره الواسع، دافناً وجهه في خصلات شعرها العطرة، بينما كانت دقات قلبيهما تدق بنبض واحد متناسق، وكأن الأقدار قد كتبت نهاية صراعهما الطويل لتبدأ قصة عشق أبدية لا تنتهي.

​الخاتمة
​وفي تلك الليلة، أُغلقت أبواب قصر الهوارية على قلبين وجدا أخيراً وطنهما الحقيقي. تلاشت ضوضاء البندير وعناد الغجر، وذاب كبرياء صقر الصعيد في دفء عينيها، ليعيشا معاً حياة عنوانها الأمان، الدفء، وعشق صعيدي واعر.. لا يزول ولا ينتهي ليوم الدين. حكايات مايا خالد
النهاية
النهاية
تفاعل
رايكم صفةحة روايات مايا خالد

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى