منوعات

وعد الصعيدى بقلم مايا خالد

نزلت له، وقفت قدامه وهي بتترعش من البرد والدموع:
هتموت من البرد يا عاصم.. إمشي وارجع لبلدك، ملوش عوز اللي بتعمله ده!
عاصم رفع عينه ليها، كانت حمرة ومنتهية من التعب، رد بصوت هادي وناشف:
موت البرد أهون من موت القهر يا مايان.. أنا مش هتحرك من هنا، يا تفتحيلي قلبك، يا يلموني جث*ة من قدام بابك.
سكتت مايان، والاتنين فضلوا باصين لبعض وسط المطر.. مفيش كلام، بس الكسرة اللي في عين عاصم كانت بتقول إن الدرس اتعلم، وإن الجبل المرادي هو اللي انحنى قدام العصفورة.

بعد محايلات، وبعد ما عاصم داب قدام بابها، وافقت مايان ترجع.. مش عشان سامحت تماماً، بس لأن قلبها ملقاش وطن غيره. رجعت الدوار في صمت، واتعمل فرح يليق بـ ست الدار، بس عاصم كان بيتعامل معاها بـ حرص وخوف، كأنه شايل حتة كريستال مكسورة وخايف يلمسها تجرحه أو تزيد كسرها.
ليلة الدخلة، عاصم كان قاعد في ركن الأوضة، وشه للأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها. الوجع والشك القديم كان لسه مضلل على روحه، كان خايف يلمسها فيفتكر رعد، وخايف يقرب منها فيشوف في عينها الكسرة.
قال بصوت مبحوح:
مايان..

إنتِ عارفة إني رايدك واصل، وعارفة إني جيبت حقك.. بس أنا مش هلمس منك شعرة غير لما تحسي إنك نضفتي من جواه من أي وجع.. أنا واخدك سكن، ومش عاوز أكون حمل عليكي.
مايان مكنتش بتتكلم، كانت بتبصله بدموع محبوسة، وقربت منه بهدوء وحطت يدها على كتفه. ومع أول لمسة، داب التلج، وانفجر بركان الوجع والشوق اللي كان مكبوت شهور.
وفجأة.. في وسط السكون، الدنيا وقفت. عاصم اتنفض مكانه، عينه برقت بذهول ملوش وصف، بص لـ مفرش السرير الأبيض اللي اتلون بلون النصر.. لون الشرف اللي رعد كان بيحاول يلوثه بالكدب بل كان عايز يكسرها وفشل.

عاصم لسانة اتلجم، وبص لمايان اللي كانت بتعيط بذهول هي كمان، مكنتش تعرف إنها لسه بنت.. كانت فاكرة إن رعد ضيعها فعلاً في اللحظة الغابرة دي.
عاصم بصوت مش طالع: مايان.. إنتِ.. إنتِ لسه بكر؟! يا مري.. يا سواد دنيتي يا عاصم! رعد الكلب كان بيكدب؟! إنتِ كنتِ صاينة نفسك طول الشهور دي وإنا كنت بدبحك بظني؟!
مايان انهارت في حضنه، والشهقات كانت بتطلع من ضلوعها:
والله ما كنت أعرف.. والله كنت فاكرة إني ضعت.. يا عاصم أنا شريفة! أنا لسه ملكك لوحدك!
عاصم في اللحظة دي اتجنن، الفرحة والندم خلوه زي المغيب.

قام وقف بكل طوله، ودموعه نازلة زي المطر، سحب المنديل الأبيض ورفعه للسما وهو بيصرخ بأعلى صوت عنده في قلب الدوار:
يا هوارية!! يا بلد!! ارفعوا الراس واضربوا النار!! ست البنات شريفة.. ست البنات طاهرة..، وعاصم الهواري النهاردة بس اللي اتولد!
نزل الحوش باللباس الأبيض، والمنديل في يده، وبدأ يضرب نار من بندقيته في السما بجنون، والدار كلها صحيت. الحاجة آمنة والحاج هواري نزلوا يزغردوا، والبلد كلها عرفت إن عرض الهوارية ملمسهوش نجس.

مايان رفعت راسها، وفي اللحظة دي بس، الغيمة اللي كانت في عيونهم راحت، وبدأت حياة جديدة، حياة مفيهاش شك، مفيهاش رعد، مفيهاش غير عاصم ومايان والعهد اللي اتكتب بالدم والطهر.
مرت الأيام، والدوار اللي كان فيه جفا، بقى بيت العز. عاصم مابقاش يفارق مايان، وبقى يشاركها في كل كبيرة وصغيرة. وفي ليلة هادية، وهما قاعدين في الحوش تحت النخل، مايان حطت يدها على بطنها وبصت لعاصم بابتسامة:
عاصم.. الدوار ده محتاج وريث يشيل اسمك، ويشيل طهر أمه.
عاصم شالها ولف بيها وهو بيضحك لأول مرة من قلبه:
وهيطلع سيد الرجال يا مايان..

وهيطلع أول درس يتعلمه، إن الشرف مش كلمة بتتقال، الشرف روح بتتصان.
وانتهت حكاية بنت القاهرة اللي لقت في قلب الصعيد وطن، بعد ما غسل المطر والحق كل وجع السنين.
، بعد مرور خمس سنين، الدوار مابقاش مجرد حيطان وسلا..ح، بقى جنة مايان اللي زرعتها بالحب والصبر.
عاصم كان واقف في وسط الغيط، الشمس حامية بس هو مش حاسس بيها، عينه كانت على عاصم الصغير اللي بقى عنده أربع سنين، لابس جلباب صعيدي صغير وعمامة فكها وهو بيجري ورا أمه وسط الزرع.
مايان كانت ماشية بوقار، وشها منور بضحكة مكنتش بتفارقها من يوم ليلة النصر.

عاصم قرب منها، شال ابنه وحطه على كتفه، ومسك يدها وباسها قدام الكل، مابقاش يهمه هيبة الكبار اللي بتمنع الحنية، لأن هيبته الحقيقية لقاها في صونها.
عاصم بهمس: تعرفي يا مايان.. ساعات بقعد مع نفسي وأقول، لو مكنتش سافرت وراكي القاهرة، كان زماني دلوقتي إيه؟
مايان بابتسامة هادية: كنت هتبقى كبير الهوارية يا عاصم، بس من غير قلب.. الأرض كانت هتبقى ناشفة، والدار كانت هتبقى سجن.
عاصم ضحك وشدد على يدها:
فعلاً.. إنتِ اللي سقيتي الأرض دي يا بت الناس.

رعد في سجنه بياكل في نفسه، والبلد كلها نسيت اسمه، بس اسمك إنتِ بقى ست الدار اللي سيرتها بتعطر المجالس.
فجأة، عاصم الصغير شد أبوه من جلبابه وقال بطفولة:
يا بوي، هو ليه جدي بيقول إنك بطل؟
عاصم بص لمايان نظرة طويلة، نظرة فيها كل الحكاية، من أول ليلة استجارت بيه وهي بتترعش، لحد اللحظة دي.. نزل لمستوى ابنه وقال بصوت فيه فخر:
عشان يا ولدي، البطل مش اللي بيشيل السلا..ح وبس.. البطل هو اللي بيعرف يحمي الأمانة، واللي بيفهم إن الستر والعدل هما اللي بيعملوا الراجل. والدرس ده، أمك هي اللي علمتهولي.

شال ابنه، ومسك يد مايان، ومشيوا التلاتة في وسط الغيط، والكل بيبصلهم بدعوات الخير. الدوار اللي كان شاهد على الجفا والشك، بقى النهاردة شاهد على أعظم قصة حب طلعت من قلب الوجع.. قصة عاصم ومايان اللي أثبتت إن الحق مهما استخبى، نوره في الآخر بيعمي عيون الظالمين.
تمت.
مايا خالد

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى