
صحيت الساعة اتنين بالليل على صوت جوزها بيقول: “هي لسه ما تعرفش حاجة… وأول ما تمضي، مش هيبقى في إيديها تعمل أي حاجة.” في تمام الساعة ٢:٠٣، فتحت مرفت عينيها مرة واحدة، وقلبها دق بعنف كأن حد غرس فيه سك..ينة تلج. في الأول افتكرت إنها بتحلم. لكن صوت جوزها، سيد، كان لسه جاي من أوضة المكتب اللي في آخر الطرقة، واطي وواثق، وفيه شماتة غريبة. بصت جنبها على السرير… مكانه كان فاضي.
وده كان أكتر حاجة خوفتها. مش الكلام… لكن إنها اكتشفت إن الخـ,ـيانة كانت صاحية قبلها بوقت طويل. لبست الروب بهدوء، ومشت حافية لحد باب المكتب، وسندت ضهرها على الحيطة. الباب كان موارب. وسمعت صوت راجل تاني بيقول: “ولو قرت الورق؟” سيد ضحك ضحكته الهادية اللي كانت فاكرة طول عمرها إنها دليل حب وحنية. وقال: “مرفت عمرها ما بتقرا أي ورق للآخر… بتمضي وخلاص، لأنها واثقة فيا.” ركبها خانتها. حست إنها هتقع من الصدمة.
فضلت واقفة مكانها، بتحاول تكتم نفسها، وهي مستوعبة إن جواز دام اتنين وتلاتين سنة انهار في لحظة… من غير صوت. بعد شوية رجع سيد لأوضة النوم. كانت مرفت رجعت السرير، ومغمضة عينيها، وبتتنفس كأنها نايمة. دخل نام جنبها، وحط إيده حوالين وسطها، وقال بهدوء: “تصبحي على خير.” وكأنه من دقايق ما كانش بيتكلم عنها كأنها أغبى واحدة في الدنيا. تاني يوم، سيد كان طبيعي جدًا. لابس بدلته المكوية. بيشرب القهوة بملعقة سكر واحدة.
شايل الجرنال تحت دراعه. وبيطلب كل حاجة بالطريقة اللي متعود عليها… كأن الناس كلها معمولة علشان تخدمه. ولا بص لها بنظرة زيادة. ولا حسسها إنه قلقان. فضلت مرفت تبصله وهو بيفطر، وفجأة فهمت الحقيقة اللي عمرها ما شافتها. هي كانت فاكرة الروتين حب. والسكوت استقرار. وطاعتها ليه احترام. لكن الحقيقة إنها كانت بتتنازل عن نفسها سنة ورا سنة. أول ما نزل من البيت، دخلت المكتب لأول مرة من سنين. فتحت أول درج.
وبعدين التاني. وبعدين التالت. كانت فاكرة إنها هتلاقي سر واحد. لكنها لقت عمر كامل من الخداع. كشوفات بنكية. أوراق استثمارات. تحويلات مالية عمرها ما سمعت عنها. عقود. وإيصالات خلت جسمها يتجمد. حتى إيصال بيع الشبكة بتاعتها كان موجود. الشبكة اللي باعتها زمان لما سيد تعب وقال إنه محتاج عملية قلب. وكان فيه أوراق قرض العربية اللي قال إنه اضطر يشتريها للشغل. والأصعب من كل ده… إنها لقت مستندات بتأكد إن أرباح الروايات اللي كانت بتكتبها بقالها سنين، كانت بتتحول لحسابات مشتركة… لكن هو الوحيد اللي كان بيتصرف فيها.
بعد يومين، سمعته بيتكلم في التليفون. كان بيقول بكل استهزاء: “سيبتها تكتب الروايات بتاعتها علشان تتسلى.” الجملة دي جـ,ـرحتها أكتر من أي خـ,ـيانة. لأنها ما كانتش خـ,ـيانة راجل لمراته. كانت احتقار. واستهانة بعمر كامل قضته جنبه. يوم السبت، سيد غلط غلطة عمره. نسي موبايله على السفرة، جنب كباية عصير. الموبايل ما كانش عليه كلمة سر. فتحته مرفت. وأول ما شافت الرسايل، حسّت إن نفسها اتقـ,ـطع. “فاضل بس تمضي من غير ما تقرا.”
“أول ما المأذون القانوني يخلص الورق، انقلوا الفلوس.” “هي اتعودت طول عمرها تنفذ اللي بيتقالها من غير سؤال.” إيديها كانت بتترعش. دخلت أوضة اللبس. ورا البدل المعلقة، لقت صندوق حديد صغير. فتحته. ولقت جواه نسخ من وصية جديدة. وحسابات بنكية عمرها ما سمعت عنها. وكمان اتفاق طلاق. وكان فيه علامات بالقلم الرصاص على المكان اللي كان مكتوب فيه اسمها… والاسم اتشال. في اللحظة دي، مرفت عرفت إن اللي مستخبي لسه أسوأ بكتير من أي كدبة أو خـ,ـيانة.
وحست إن اللي جاي هيقلب حياتها كلها رأسًا على عقب. حكايات شروق خالد مرفت قفلت الصندوق وهي حاسة إن إيديها تلج. وقفت دقيقة كاملة، مش قادرة تستوعب. اتنين وتلاتين سنة جواز… اتنين وتلاتين سنة وهي فاكرة إنها شريكة عمره. وفي الآخر تكتشف إنها كانت مجرد توقيع على ورق، وحساب بنكي باسمه. لكن بدل ما تنهار… ابتسمت. ابتسامة صغيرة، لأول مرة من سنين. لأن سيد كان لسه فاكر إنها الست الساذجة اللي بتصدق أي كلمة يقولها.
وده كان أكبر غلط وقع فيه. رجعت كل حاجة مكانها بالظبط. قفلت الصندوق. علقت البدل زي ما كانت. ومسحت بصماتها من عليه بفوطة صغيرة. ولما سيد رجع البيت، استقبلته بنفس الابتسامة الهادية. قال وهو بيقلع الجاكيت: “الأكل جاهز؟” قالت بمنتهى الهدوء: “جاهز.” بصلها باستغراب. ولاحظ إنها مبتسمة. لكن ما اهتمش. بعد العشا، قال: “بالمناسبة… المحامي هيعدي علينا بكرة. فيه شوية ورق روتيني محتاجين نمضي عليه.” رفعت عينيها وقالت بابتسامة: “أكيد… اللي تشوفه.”
أول ما قال الجملة دي، ارتاح. لأنه افتكر إن خطته ماشية زي ما رسمها. لكن أول ما نام، مرفت لبست هدومها وخرجت من البيت. كانت الساعة داخلة على واحدة بعد منتصف الليل. ركبت تاكسي، وراحت لعنوان واحد عمرها ما نسيته. مكتب صديق قديم لوالدها… المستشار عادل. كان راجل كبير في السن، لكنه لسه شغال في القضايا المدنية. لما شافها على الباب اتفاجئ. قال: “مرفت؟ خير يا بنتي؟” أول ما قعدت قدامه، حطت الصندوق الحديد على المكتب.
وقالت: “أنا محتاجة أعرف حقي قبل ما يضيع.” فضل يقلب في الأوراق أكتر من ساعة. كل شوية ملامحه تتغير. وفي الآخر شال النضارة وقال: “اللي جوزك بيعمله ده مش مجرد نصب… ده مخطط كامل للاستيلاء على كل أملاكك.” سألته بصوت مكسور: “يعني إيه؟” قال: “الروايات اللي كتبتيها مسجلة باسمك، وحقوقها ليكي. الفلوس دي ماكانش من حقه يحولها من غير موافقة قانونية صحيحة.” وسكت لحظة قبل ما يكمل: “والوصية الجديدة دي فيها تزوير واضح.”
شهقت. “تزوير؟” هز رأسه. “التوقيع اللي موجود على بعض الأوراق مش توقيعك الحقيقي.” حست بدوخة. “يعني هو زور إمضتي؟” قال: “وده أسهل حاجة نثبتها.” بدأ عادل يجهز خطة. طلب منها تفضل طبيعية. ومتواجهوش. وفي نفس الوقت، بدأ يطلب كشوفات من البنوك، ويقدم طلبات لمنع أي تصرف في الحسابات لحين انتهاء التحقيق. تاني يوم الصبح، المحامي اللي سيد جابه وصل البيت. حط قدامها مجموعة أوراق. وقال بابتسامة مصطنعة: “دي إجراءات بسيطة… إمضي هنا وهنا.”
مسكت القلم. وسيد كان واقف يراقبها. قربت القلم من الورقة. وفجأة قالت: “ممكن أقرا الأول؟” وش سيد اتغير في لحظة. حاول يضحك وقال: “هو إحنا غرب؟” قالت وهي بتقلب الصفحات: “لا… بس المرة دي هقرا كل كلمة.” الهدوء اللي كان على وشه اختفى. ولأول مرة من سنين… بان عليه الخوف. وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب. فتح سيد. فاتنين رجال ببدل رسمية، ومعاهم ضابط شرطة. قال أحدهم بهدوء: “أستاذ سيد… معانا أمر قضائي بوقف أي تصرف في ممتلكات السيدة مرفت لحين انتهاء التحقيق في بلاغ يتعلق بتزوير مستندات وتحويل أموال.”
اتجمد سيد في مكانه. أما مرفت… فبصت له لأول مرة، وهي حاسة إن ميزان الحياة بدأ يرجع لمكانه الحقيقي. حكايات شروق خالد
