
“البقاء لله يا غزل.” قالت أم معتصم بصوت هادي ومترتب، مفيش فيه أي دفء. “ربنا يصبرك على فراق والدك. ده قضاء ربنا.” غزل حست إن الكلام طالع من كتاب عزاء محفوظ، مش من إحساس حقيقي. حاولت ترد، بس صوتها خانها. اكتفت إنها تهز راسها بهدوء. أخت معتصم قامت وقربت منها، حضنتها حضن خفيف جداً، أكتر منه مجاملة. “ربنا يكون في عونك يا حبيبتي. البيت بيتك.”
“طبعاً بيتها.” قال معتصم وهو بيقرب من غزل وبيمسك كف إيديها. “غزل، دي والدتي، ودي أختي أمل. ودول…” كان لسه بيكمل تعريف، بس غزل سحبت إيديها منه بسرعة، كأن إيده لسعتها. بصت له بعند، زي ما تكون بتقوله “أنا مش لعبة في إيدك عشان تمسكني كده قدام الناس دي كلها”. ملامح معتصم اتغيرت لحظة، كأنه اتفاجئ برد فعلها، بس بسرعة رجعت لبرودها. “تعالي يا غزل أرتاحك شوية في أوضتك.” قالها وهو بيشاور لواحدة من الخادمات إنها تاخدها.
لكن غزل رفضت، بصوت خافت بس مليان إصرار. “لا، أنا عايزة أعرف أمي عاملة إيه؟ هي هتجيلنا هنا إمتى؟” أم معتصم رفعت حاجبها. “والدتك؟ والدتك هتفضل في بيتها يا غزل. يعني إيه هتيجي هنا؟ ده بيت معتصم.” “بس هي أمي! وأنا مش هسيبها لوحدها!” قالتها غزل بعصبية، ونسيت هي واقفة قدام مين. “غزل!” نده معتصم عليها بنبرة تحذير، بس هي مسمعتش. “أنت بتقول إيه يا معتصم؟ أبويا كان شغال سواق عندكم! وامي عمرها ما هتسيب بيتها عشان خاطر حد!”
الصمت طبق على القاعة. كل العيون اتجهت لغزل بصدمة، وبعضها بضيق واضح. أمل أخت معتصم كحت بصوت واطي وقالت: “يا حبيبتي الظروف دي بتخلي الواحد مش في وعيه، ربنا يهديها.” معتصم اتدخل بهدوء غريب، بس كان فيه تحذير في عينه لغزل. “غزل، والدتك في رعاية كاملة. وفيها ستات معاها. متقلقيش عليها. ودلوقتي، لازم ترتاحي. الحزن والتعب مأثرين عليكي.” قالها وهو بيمسك إيديها تاني بحزم بس المرة دي هي مستسلمة ليه.
سابها تمشي مع الخادمة وهي ميتة من جواها، حاسة بالإهانة والغربة في نفس الوقت. وهي طالعة السلالم، سمعت صوت أمل أخت معتصم وهي بتقول: “شكلها هتتعبك أوي يا معتصم، البنت دي عنيدة أوي. ربنا يكون في عونك.” معتصم كان واقف باصص على السلم، باين عليه إرهاق خفيف، بس عينيه كانت بتلمع لمعة غريبة. “هتتعدل يا أمل. هى بس لسه صغيرة.”
في الأيام اللي بعد العزاء، غزل كانت بتعيش في القصر زي الضيفة الغريبة. كانت بتفطر لوحدها، وتتغدى لوحدها. مفيش حد كان بيكلمها إلا الخدامين اللي كانوا بيجيبوا لها اللي هي عايزاه. عيلة معتصم كانت بتتعامل معاها بأدب جاف، وكأنها قطعة أثاث غالية بس محدش عارف مكانها بالظبط. معتصم كان بيحاول يكلمها كل يوم، بس هي كانت بتصده بكل عناد. “عايز إيه؟” كانت بترد عليه وهي بتبص في أي مكان إلا عينيه.
“عايز أطمن عليكي يا غزل. وأعرف إذا كنتي عايزة أي حاجة.” كان صوته هادي ومحاولاته مستمرة. “أنا عايزة أمي، وعايزة أرجع بيتنا، وعايزة أبويا يرجع!” كانت بترد عليه وهي بتتعمد الدلع والعند في صوتها، زي ما تكون بتدوس على جرحه. كان بيسكت لحظة، وبعدين يقول بهدوء: “أنا عارف إنك زعلانة يا غزل. بس مفيش حاجة هتتغير. وإنتي دلوقتي مسؤولة مني.” كانت بتكره كلمة “مسؤولة مني” دي. بتخليها تحس إنها مجرد قطعة في اللعبة بتاعته. “أنا مش صغيرة يا معتصم! أنا دخلت الجامعة! وأنت وعدتني إنك هتطلقني بعد ما اتخرج!”
كان بيبتسم ابتسامة خفيفة بتجننها. “آه… وعدت. بس الظروف اتغيرت، مش كده؟ دلوقتي مفيش ورق ولا حاجة. أنا جوزك. ودي حقيقة.” وكانت هي بتستدير وتمشي وتسيبه يتكلم مع نفسه. حاسة إنها لو فضلت قاعدة معاه دقيقة زيادة، هتنفجر فيه.خاص بصفحات الكاتبة ملك إبراهيم.القصر بالنسبة لغزل مابقاش مجرد سجن، بقى زي متاهة كبيرة، كل ركن فيها بيفكرها بالغربة والعزلة. الأيام كانت بتعدي وهي بتحس إنها بتدبل. صحيت في يوم من النوم وقررت إنها مش هتستسلم للإحساس ده.
بدأت غزل تكسر الروتين الصارم اللي فرضاه عيلة معتصم عليها. كانت بتتعمد تتأخر على ميعاد الفطار اللي الكل بيتجمع فيه في هدوء مخيف. كانت بتخرج تتمشى في الجنينة الضخمة من غير ما تستأذن، بترد على الخدامين والستات الكبار في البيت بابتسامة واسعة، عكس البرود اللي بيواجهوها بيه. مرة، كانت واقفة في المطبخ بتكلم واحدة من الخادمات عن طريقة عمل أكلة معينة بحماس، دخلت عليها والدة معتصم. “غزل!” نادتها والدة معتصم بصوت هادي بس كان فيه نبرة تحذير. “إيه اللي موقفك هنا يا بنتي؟ مطبخ ده مش مكانك. وبعدين صوتك عالي كده ليه؟ احنا مش متعودين على كده.”
غزل لفت وشها وبصت لها بابتسامة خبيثة. “ليه بس يا طنط؟ المطبخ ده مكان الستات. وبعدين ماحدش بيعمل أكل زي أكل ماما. كان لازم أسأل عشان أتعلم.” قالتها وهي بتتعمد توصل رسالة غير مباشرة عن شوقها لأمها وعن عدم انتمائها للمكان. وش والدة معتصم احمر من الغضب، بس حاولت تحافظ على هدوئها. “أكل والدتك ده كان زمان. دلوقتي أنتي في بيت معتصم. ولازم تحترمي قوانينه. ممنوع الخلطة بالخدامين، وممنوع التسكع في المطبخ. مكانك أوضتك أو الجنينة الهادية.”
غزل حست إن دمها فار. “أنا مش حتة أثاث يا طنط عشان تتحكموا في مكاني! أنا إنسانة! وليا حقوق!” “غزل!” صوت معتصم الصارم قطع كلامها. كان واقف على باب المطبخ، وشه جامد، بس عينيه كانت بتراقب الموقف باهتمام. “إيه اللي بيحصل هنا؟” والدة معتصم استغلت الفرصة. “البنت دي عايزة تكسر كل القواعد يا معتصم. من يوم ما دخلت البيت وهي بتحاول تتصرف بتطاول. لازم تتأدب.”
معتصم بص لغزل اللي كانت بتبادله النظرة بتحدي. وبعدين بص لوالدته بهدوء. “ماما، غزل صغيرة. وممكن تكون مش متعودة على نظام البيت. بس أنا واثق إنها هتتعلم.” وبعدين بص لغزل. “غزل، اطلعي على أوضتك دلوقتي، وإحنا هنتكلم.” غزل كانت عايزة ترفض وتكمل كلامها، بس نظرة معتصم كانت بتقول “هتعملي كده، أو هتشوفي وش تاني خالص”. استسلمت وطلعت على أوضتها وهي بتتوعد. بالليل، دخل معتصم عليها الأوضة. كانت قاعدة على السرير بضهرها له. “أنتي بتعملي إيه يا غزل؟ بتصعبي الأمور ليه؟”
“أنا؟ أنا اللي بصعب الأمور؟ أنا اللي عايزة أعيش زي البني آدمين؟ ولا اللي عايزة تهرب من السجن ده؟” قرب معتصم وقعد جنبها. “سجن؟ أنتي عايزة تهربي من حياتك؟ ده بيتك يا غزل. وأنتي مراتي. ولو نسيتي ده، أنا مش هنساه.” “حياة إيه وزواج إيه؟ ما هو أنت اللي قولتلي يومها إنها مجرد ورقة!” مسك إيديها، للمرة الأولى كان لمسته مش حازمة، كان فيها حنان غريب. “غزل، أنا مقدر اللي مريتي بيه. وفهمت إن قعدتك هنا هتكون صعبة عليكي. عشان كده أنا اخدت قرار.”
غزل بصت له بتعجب. “قرار إيه؟ هتطلقني؟” قالتها بنبرة فيها أمل خفي. ابتسم معتصم ابتسامة خفيفة. “لا يا غزل. ده مش هيحصل. القرار هو إنك




