
الجزء الأخير صفحة روايات الكاتبة ملك إبراهيم للمرة الأولى كان لمسته مش حازمة، كان فيها حنان غريب. “غزل، أنا مقدر اللي مريتي بيه. وفهمت إن قعدتك هنا هتكون صعبة عليكي. عشان كده أنا اخدت قرار.” غزل بصت له بتعجب. “قرار إيه؟ هتطلقني؟” قالتها بنبرة فيها أمل خفي. ابتسم معتصم ابتسامة خفيفة. “لا يا غزل. ده مش هيحصل. القرار هو إنك هتشتغلي معايا.” “أشتغل؟ فين؟” “في الشركة بتاعتي. هتكوني السكرتيرة الخاصة بتاعتي.”
غزل فتحت عينها على آخرها. “سكرتيرة؟ أنا؟” “آه أنتي. كده هتخرجي من القصر، وهتشوفي عالم تاني، وهتتعلمي حاجات كتير. وهيكون عندك هدف. وفوق كل ده… هتكوني تحت عيني.” قالها بالنبرة الأخيرة دي اللي خلت غزل تبلع ريقها. مقدرتش تعترض، يمكن عشان مكنتش لاقية حجة، أو يمكن عشان فكرة الخروج من القصر كانت مغرية أوي. المشهد الخامس في اليوم الأول لغزل في الشركة، كانت متحمسة وقلقانة في نفس الوقت. معتصم عرفها على كل الموظفين الجداد، بس مكنش فيه أي كلمة عن إنها مراته. كانت “مدام غزل”، السكرتيرة الخاصة للأستاذ معتصم. الكل كان بيتعامل معاها باحترام ممزوج بشوية فضول.
غزل كانت ذكية، وبتتعلم بسرعة. المذاكرة في الجامعة كانت مدياها خلفية كويسة، ومعتصم كان بيشرح لها كل حاجة بتفاصيلها. بدأت تحب الشغل، وبدأت تحس إنها ليها قيمة. في يوم من الأيام، كانت غزل واقفة مع واحد من الموظفين اللي معاها في نفس القسم، اسمه “آدم”. آدم كان شاب لطيف، خفيف الظل، ودايماً بيحاول يساعدها. كانوا بيضحكوا بصوت عالي على نكتة قالها آدم عن مديرهم المستبد. فجأة، غزل حسّت بظل طويل على مكتبها. رفعت راسها لقت معتصم واقف وراها. ملامحه كانت جامدة أكتر من العادة، وعينيه كانت بتطلق شرار خفي.
“في حاجة بتضحك أوي كده يا مدام غزل؟” قالها بصوت هادي لدرجة الرعب. آدم اتوتر بسرعة. “آسف يا فندم، أنا بس كنت بقول لمدام غزل على موقف حصل…” معتصم قطع كلامه بنبرة حادة. “شغلك لو سمحت يا آدم. وحضرتك يا مدام غزل، مكتبك مش مكان للدردشة.” غزل بصت له بصدمة. مكنش ليها أي ذنب، وكان أول مرة تشوفه بيتكلم معاها بالأسلوب ده في الشغل. حسّت بالضيق والخنقة. آدم رجع على مكتبه بسرعة. معتصم بصلها نظرة أخيرة، كأنها بتحتوي على مليون سؤال وعتاب، وبعدين رجع على مكتبه.
غزل قلبها كان بيدق بسرعة. مكنتش فاهمة إيه اللي خلاه يتصرف كده. بس إحساس غريب بدأ يتسرب لقلبها. إحساس إنها… يمكن… يمكن غيران؟ قضت غزل بقية اليوم في الشركة وهي حاسة إن الجو متوتر حواليها. نظرات معتصم كانت بتلاحقها كل ما ترفع عينها، وكان صمته تقيل أوي. في نهاية اليوم، كانت بتلم حاجتها عشان تمشي، فسمعت صوته: “مدام غزل، مكتبك لو سمحتي.” قلبها اتنفض. مش عايزة تواجهه دلوقتي، بس مفيش مفر. دخلت المكتب وهي بتحاول تكون هادية، وقفت قدام مكتبه. “نعم يا أستاذ معتصم؟”
معتصم كان ساند ضهره على الكرسي بتاعه، بيقلب في ورقة مش باين عليها أهمية. وبعدين رفع راسه، وبص لها بتمعن. “كان فيه حاجة بتضحك أوي الصبح يا مدام غزل؟” غزل رفعت حاجبها. “آدم كان بيقول نكتة عادية. إيه المشكلة؟” قام معتصم من مكانه، وقرب منها خطوة، عينيه مثبتة في عينيها. “المشكلة إن مكتبك ده مش مكان للضحك والتهريج. أنتي هنا عشان تشتغلي، مش عشان تتسلي مع الموظفين.” “وأنا بشتغل يا أستاذ معتصم.” قالتها غزل بعناد. “ولو حضرتك شايف إن ده تهريج، يبقى أكيد فيه سوء تفاهم. أنا بخلص شغلي على أكمل وجه.”
كان قريب منها أوي لدرجة إنها حست بنفسه. ريحة البرفيوم بتاعته كانت بتخنقها. “سوق تفاهم؟ أنا شايفك من يوم ما دخلتي الشركة وأنتي عمالة تدي وش للموظفين. كلهم بقوا بيتكلموا عليكي.” “وأنت بتسمع كلام الناس يا معتصم؟” قالتها بضيق. “أنا لو بتعامل معاهم كويس، ده عشان أحنا زملاء عمل. ولا هو لازم أتعامل بغلاسة عشان محدش يتكلم عليا؟” معتصم مسك إيديها فجأة. “إحنا زملاء عمل؟ أنتي ناسية أنتي إيه يا غزل؟ أنتي مراتي!” صوته كان فيه غضب مكبوت.
“مراتي على الورق!” صرخت بيه وهي بتحاول تسحب إيديها، بس قبضته كانت قوية. “أنت اللي عايز كده! أنت اللي قولتلي ده مجرد جواز للميراث!” “الورق ده اتحرق، دلوقتي مفيش ورق.” قالها بصوت خشن. “أنتي مراتي، وفوق ده كله… أنتي هنا تحت مسؤوليتي. ومش هسمح لحد إنه يتجاوز حدوده معاكي. ولا أنتي تتجاوزي حدودك.” غزل بصت له بصدمة. أول مرة يقولها بالشكل ده. “حدودي؟ أنا عملت إيه؟” “الضحك ده، والتقرب من الموظفين… مش عجباني تصرفاتك دي.”
“غيرة؟” قالتها غزل بسخرية. “أنت بتغير عليا يا معتصم؟ بعد كل اللي عملته فيا؟” سكت معتصم، وبعدين بص في عينيها بنظرة كانت بتلخبطها أكتر. “أيوة بغير عليكي يا غزل.” قالها بصوت هادي ومختلف عن اللي كانت بتسمعه منه من شوية. “أنتي مش مجرد ورقة بالنسبة لي. أنتي مراتي. ويمكن أكون اكتشفت ده متأخر، بس دي الحقيقة.” كلامه دخل قلبها زي السهم. كانت بتحاول تكدب الإحساس ده، تحسس نفسها إنها بتسمع كلام فارغ.
“أنا عايزة أزور أمي يا معتصم.” قالتها وهي بتحاول تغير الموضوع. معتصم ابتسم ابتسامة خفيفة، بس كانت باين عليها الحزن. “هتاخدي إجازة أسبوع، وهتروحي تقعدي معاها. بس هتنزلي الشركة عادي كل يوم.” غزل بصت له بتعجب. “إيه؟” “اللي سمعتيه.” قالها وهو بيسيب إيديها. “مش هتبعدي عن عيني.” وقتها، دخلت السكرتيرة الأساسية، مدام هدى، وهي بتبص لغزل باهتمام. “أستاذ معتصم، مدام شيرين منتظراك في القاعة الرئيسية. بتقول إن الموضوع مهم ومستعجل.”
ملامح معتصم رجعت لبرودها المعتاد. “تمام يا مدام هدى، أنا جاي.” بص لغزل نظرة أخيرة. “شغل بكرة في ميعادك يا مدام غزل.” غزل خرجت من المكتب وهي حاسة إنها تايهة. كلام معتصم لخبطها. غيرة؟ حب؟ وبعدين مين شيرين دي؟ في اليومين اللي بعد كده، غزل كانت بتروح تشوف والدتها، بس كانت بترجع للشركة تاني. كانت بتحاول تفهم معتصم، بس كان عامل زي الكتاب المقفول. كان بيتعامل معاها في الشغل بمنتهى الجدية، وفي نفس الوقت، كانت بتشوف نظراته بتراقبها من بعيد.
في يوم من الأيام، وهي قاعدة في مكتبها، سمعت صوت ضحك عالي جاي من مكتب معتصم. الباب كان مفتوح شوية، شافت معتصم وشيرين، نفس الست اللي كانت منتظراه قبل يومين، واقفين بيتكلموا وبيضحكوا. شيرين دي كانت ست جميلة أوي، لابسة طقم شيك، وباين عليها الثقة بالنفس. غزل حست بحاجة غريبة جواها، حاجة شبه النار اللي بتولع. إيه ده؟ هو بيضحك معاها كده ليه؟ هو مش كان بيغير عليها؟ طب دي مين؟
رجعت غزل لمكتبها، حاسة إن في حاجة بتخنقها. صوت ضحك معتصم وشيرين كان لسه بيرن في ودنها. هو نفس الضحك اللي عمرها ما سمعته منه معاها. ولا مرة، حتى في الأيام اللي فاتت دي اللي حسّت فيها إنه بيحاول يتقرب. كان دايماً جاد، أو هادي، أو حتى فيه نبرة تعاطف، بس عمره ما ضحك الضحك ده. خاص بصفحات الكاتبة ملك إبراهيم


