منوعات

ندى والمحامى

بعد ما ندى قعدت قدام المحامي وهي بتحاول تستوعب اللي حصل في أقل من أربع وعشرين ساعة قال لها بهدوء أنا عارف إن الوقت صعب وإنك لسه خارجة من صدمة كبيرة لكن لازم تعرفي إن مدام إيفلين كانت متوقعة اليوم ده من شهور. بصت له باستغراب وقالت متوقعة إيه؟ فتح درج مكتبه وطلع ظرف مختوم بالشمع الأحمر. دي رسالة كتبتها بإيديها وقالت محدش يفتحها غير قدامك بعد وفاتها. إيد ندى كانت بتترعش وهي بتفك الظرف.

أول سطر خلاها تحبس دموعها. “لو إنتي بتقري الرسالة دي يبقى أنا خلاص سبت الدنيا لكن أوعي تفتكري إن المعروف اللي عملتيه معايا كان مجرد شغل.” كملت القراءة وعينيها بتدمع. “لما كل الناس سابتني كنتي الوحيدة اللي فضلتي جنبي من غير ما تستني مقابل. كنتي بتعتبريني أمك وأنا اعتبرتك بنتي اللي مجبتهاش.” ندى افتكرت الليالي اللي كانت بتسهر فيها جنب إيفلين وهي تعبانة وافتكرت إزاي كانت بترفض أي فلوس زيادة لأنها كانت شايفة إن ده واجب.

المحامي قال وهو بيقلب ورقة تانية في وصية رسمية اتسجلت قبل الوفــ,,ـــــاه بأسبوع. ندى رفعت عينيها. وصية؟ أومأ برأسه. ومدام إيفلين أصرت إنها تتنفذ بالحرف. مد لها الورقة. أول ما قرأت أول كام سطر شهقت من الصدمة. قالت وهي مش مصدقة ده… ده مستحيل. ابتسم المحامي وقال لا يا مدام ندى. كل كلمة هنا قانونية ومتسجلة ومفيش حد يقدر يعترض عليها. في نفس اللحظة رن تليفونه. بص للشاشة واتنهد. محامي الأستاذ كريم المنشاوي.

ندى استغربت. هو عرف منين إني هنا؟ رد المحامي وهو بيقفل المكالمة من غير ما يرد. واضح إن الخبر وصل أسرع مما كنا متوقعين. وفجأة تليفون ندى هي كمان فضل يرن مرة ورا مرة. أول اتصال كان من كريم. بعده أمه. بعدها رانيا. كلهم بيتصلوا في نفس الوقت. ندى كانت لسه من ساعات مرمية قدامهم بورق الطلاق وكأنها ملهاش قيمة. دلوقتي بقوا بيتسابقوا عشان يوصلوا لها. بصت للمحامي وقالت بصوت مليان حيرة

هو إيه اللي مكتوب في باقي الوصية خلاهم يتقلبوا بالشكل ده؟ ابتسم المحامي وقرب الملف منها وقال اقري الصفحة اللي بعدها… وساعتها هتعرفي ليه الناس اللي كسرتك امبارح مستعدة النهارده تعمل أي حاجة عشان تسامحيهم. ندى أخدت نفس عميق وقلبت الصفحة… وأول ما وقعت عينيها على السطر الأول اتجمدت مكانها من هول المفاجأة. ندى فضلت باصة في الورقة كأنها مش قادرة تستوعب اللي مكتوب قدامها. رفعت عينيها للمحامي وقالت بصوت مهزوز

إيفلين كتبت كل ده باسمي؟ ابتسم وقال أيوه وكل كلمة موثقة رسمي. مدام إيفلين نقلت لحضرتك كل أسهمها في شركة الاستثمار اللي كانت شريكة فيها مع مجموعة عالمية وكمان الفيلا بتاعتها في الساحل وشقتين في الزمالك وحساباتها البنكية. والأهم من كل ده إنك بقيتي صاحبة حق التصويت الأكبر في الشركة اللي كانت بتملكها. ندى سكتت ثواني وهي حاسة إن الكلام أكبر من خيالها. أنا؟! بس أنا معملتش غير واجبي. رد المحامي بهدوء

هي كانت بتقول نفس الجملة دي كل ما حد يسألها ليه اختارتك. وقبل ما تكمل كلامها الباب خبط بعنــ,,ـــــف. دخل السكرتير بسرعة وقال يا فندم في ناس مصممين يدخلوا. المحامي عقد حاجبيه. مين؟ قال السكرتير الأستاذ كريم المنشاوي ووالدته. ندى اتجمدت مكانها. المحامي قال ببرود قولهم يستنوا. لكن الباب اتفتح قبل ما السكرتير يتحرك. دخل كريم وهو بيحاول يرسم ابتسامة على وشه. ندى أول ما شافته افتكرت إهانته ليها قدام الناس من أقل من يوم.

وقف قدامها وقال بصوت ناعم عمرها ما سمعته منه من سنين ندى… ممكن نتكلم لوحدنا؟ بصت له من غير أي تعبير. نتكلم في إيه؟ اتوتر وقال أنا كنت مضغوط امبارح… والكلام خرج بطريقة غلط. قبل ما ترد دخلت الحاجة سامية وهي بتبتسم لأول مرة من سنين. قالت وهي تقرب منها يا بنتي إحنا أهل… واللي بينا عمره ما ينتهي. ندى بصتلها باستغراب. دي نفس الست اللي قالت لها قدام الناس إنها أقل من ابنها.

المحامي قطع الصمت وقال لو سمحتوا الاجتماع ده خاص. كريم بص للمحامي وقال أنا جوزها. رد المحامي بهدوء تقصد لسه جوزها. لأن ورق الطلاق لحد دلوقتي متوقعش. كريم سكت. ندى قامت وقفت. قالت وهي باصة في عينه إنت بنفسك قلت إني ضيعت عشر سنين من عمرك.
ابتلع ريقه. أنا كنت غلطان. ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخل. لا… إنت كنت صادق. أول مرة تقول الحقيقة. لفت عشان تمشي لكن كريم مسك إيدها.

استني. سحبت إيدها بسرعة. إوعي تلمسني. في اللحظة دي رن تليفون المحامي. رد وبعد ثواني ملامحه اتغيرت. قفل المكالمة وبص لندى. في مشكلة جديدة. قالت بقلق خير؟ قال واضح إن خبر الوصية اتسرب للإعلام. وفي صحفيين ورجال أعمال مستنيين تحت العمارة. وفي حد كمان قدم طلب مستعجل يوقف تنفيذ الوصية. ندى شهقت. مين؟ المحامي رد وهو بيبص ناحية كريم. مش كريم. كل العيون اتجهت ناحية الباب. المحامي كمل بصوت هادي.

الطلب مقدم من شخص اسمه… محمود عزت. ندى وشها اصفر فجأة. همست وهي مش مصدقة محمود… مستحيل… ده مات من خمس سنين! وساعتها أدركت إن السر الحقيقي اللي إيفلين كانت مخبياه طول السنين لسه ما بدأش يظهر، وإن اللي جاي أخطر بكتير من الطلاق والخيانة والورث كله. ندى رجليها خانتها وقعدت على أول كرسي وهي بتبص للمحامي بصدمة. قالت بصوت مخنوق إنت متأكد من الاسم؟ ناولها الورقة. اتفضلي شوفي بنفسك.

بصت فيها ولقت الاسم مكتوب بوضوح. محمود عزت. همست مستحيل… محمود مات واتدفــ,,ـــــن بإيدينا. المحامي قال أنا معرفش مين الشخص ده بالنسبة لك لكن الطلب اتقدم النهارده الصبح من خلال محامي رسمي. كريم كان واقف ساكت بيراقب كل كلمة. قال بسرعة لو في حد بيحاول ياخد الورث يبقى لازم أساعدك. ندى بصت له ببرود. أنت آخر واحد ممكن أستند عليه. في نفس اللحظة دخل السكرتير تاني وقال يا فندم في راجل كبير بره بيقول لازم يقابل مدام ندى حالًا وبيقول إنها هتعرفه أول ما تشوفه.

المحامي سأل اسمه إيه؟ رد عم حسين. ندى وقفت فجأة. عم حسين؟ كان البواب القديم للعمارة اللي كانت ساكنة فيها إيفلين. سمحوا له يدخل. أول ما شاف ندى دموعه نزلت. قال الحمد لله إني لحقتك يا بنتي. سألته بقلق في إيه يا عم حسين؟ طلع من جيبه مفتاح نحاس قديم وظرف أصفر. مدهم ليها. الست إيفلين سلمتهوملي قبل وفاتها بيوم وقالت لو حصلها حاجة محدش ياخدهم غير ندى. ندى فتحت الظرف بسرعة.

كان فيه صورة قديمة. أول ما شافتها اتجمدت. الصورة كانت لإيفلين وهي واقفة جنب راجل مصري وشاب صغير. ندى قربت الصورة من وشها. الشاب ده كانت ملامحه شبهها بشكل مخيف. قالت مين دول؟ عم حسين تنهد. الست الله يرحمها كانت بتقول إن اليوم ده هييجي وإنك لازم تعرفي الحقيقة بنفسك. طلع ورقة مطوية من الظرف. ندى فتحتها. كان مكتوب فيها بخط إيفلين. “يا ندى… طول عمرك فاكرة إنك يتيمة وإن ملكيش حد. الحقيقة غير كده تمامًا. الشخص اللي كنتي فاكرة إنه مات من خمس سنين… لسه عايش.”

وقبل ما تكمل القراءة سمعوا صوت خبط جامد على باب المكتب. الباب اتفتح. دخل راجل في أواخر الخمسينات، شيك جدًا، ومعاه اتنين حراس. بص لندى بعين مليانة دموع وقال بهدوء سامحيني… اتأخرت عليكي سنين طويلة. ندى بصت له وهي مش قادرة تنطق. الراجل طلع بطاقة شخصية وحطها قدامها. أول ما قرأت الاسم، الورقة وقعت من إيديها. الاسم كان… محمود عزت. ندى كانت واقفة مكانها وعينيها على الراجل اللي قدامها. قلبها كان بيدق بعنــ,,ـــــف وهي بتحاول تلاقي أي دليل يثبت إنه نصاب، لكن ملامحه كانت هي نفسها اللي في الصورة القديمة.

قال بهدوء أنا عارف إنك مش هتصدقيني بسهولة، وعندك كل الحق. ردت عليه بعصبية أبويا مات وأنا عندي خمس سنين، وإحنا دفــ,,ـــــناه بإيدينا. تنهد وقال اللي اتدفــ,,ـــــن مكانش أنا. المحامي فتح الملف وقال الكلام ده كله موجود في المستندات. زمان كان فيه تهديدات كبيرة بسبب شغل محمود، وكان في ناس عايزة ت.ه. وقتها اتعملت خطة إنه يختفي رسميًا قدام الكل علشان ينقذ بنته، وكل اللي عرف الحقيقة كانوا عدد قليل جدًا، وإيفلين كانت واحدة منهم لأنها كانت شريكة في حمايته خارج مصر.

ندى دموعها نزلت وهي بتبص للرجل. قال بصوت مكسور كل يوم كنت بسأل عنك من بعيد، وكل صورة كنت بشوفها ليكي كانت بتوجعني، لكن لو كنت ظهرت وقتها كان ممكن أخسرك للأبد. قرب منها بحذر. أنا مقدرش أطلب منك تسامحيني، لكن كنت لازم تعرفي الحقيقة. ندى فضلت ساكتة ثواني، وبعدها حــ,,ـــــضنته وهي بتعيط لأول مرة من قلبها. أما كريم فكان واقف بيبص للمشهد وهو حاسس إن كل حاجة بتضيع من إيده.

قرب منها وقال ندى… أنا غلطت. إديني فرصة أصلح اللي عملته. بصت له ومسحت دموعها. الفرصة كانت معاك عشر سنين. أنت اللي ضيعتها بإيدك. قال بسرعة أنا كنت فاكر إن الفلوس هي كل حاجة. ابتسمت ابتسامة كلها وجع. وأنا كنت فاكرة إن الحب عمره ما بيتغير… واتضح إن إحنا الاتنين كنا غلط. الحاجة سامية حاولت تتدخل. يا بنتي انسي اللي فات وإرجعي بيتك. ندى ردت بكل هدوء البيت اللي يتهان فيه صاحبه قدام الناس عمره ما يبقى بيت.

المحامي طلع ورق الطلاق وحطه قدام كريم. قال تفضل… المرة دي القرار في إيد مدام ندى. ندى مسكت القلم من غير أي تردد ووقعت. كريم وقع بعدها وهو حاسس إنه بيوقع على نهاية أكتر عشر سنين كان فاكر إنه كسبهم، لكنه في الحقيقة خسر فيهم الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتحبه بصدق. بعد شهور قليلة أعلنت ندى إنها هتستخدم الجزء الأكبر من الميراث في إنشاء مؤسسة خيرية لعلاج كبار السن مجانًا، وقالت في أول مؤتمر ليها

الفلوس ملهاش قيمة لو مقدرتش تغير بيها حياة حد للأحسن. المؤسسة نجحت بسرعة، وبقت من أكبر المؤسسات الخيرية في مصر. أما كريم، فالمشروع اللي راهن عليه فشل بعد انسحاب المستثمرين، ورانيا سابته أول ما اكتشفت إنه فقد نفوذه، وحتى أمه اضطرت تبيع جزء كبير من ممتلكاتها لتسدد الديون. وفي يوم كانت ندى خارجة من المؤسسة، لقت كريم واقف مستنيها على الرصيف. بص لها وقال أنا خسرت كل حاجة. ابتسمت بهدوء وقالت

لأ… أنت خسرت أهم حاجة قبل الفلوس بكتير. خسرت الإنسان اللي كان مستعد يبدأ معاك من الصفر ويقف جنبك مهما كانت الظروف. ركبت عربيتها ومشيت، وهي لأول مرة من سنين حاسة إنها حرة. بعدها بشهور احتفلت بعيد ميلاد المؤسسة الأول، وكان أبوها الحقيقي واقف جنبها بكل فخر، وقال قدام الحضور أنا خسرت سنين من عمر بنتي، لكن ربنا عوضها بقلب نضيف خلاها تكسب احترام الناس كلهم. ندى ابتسمت وهي بتبص للناس حواليها، وأدركت إن اللي اتكسر جواها يوم ورق الطلاق، ربنا عوضه بحياة جديدة عمرها ما كانت تحلم بيها.

وأيقنت إن الإنسان ممكن يخسر فلوس أو منصب أو علاقة، لكن عمره ما يخسر طالما احتفظ بأخلاقه وكرامته، لأن في النهاية الكرامة هي الثروة الوحيدة اللي محدش يقدر يسرقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى