
صخر كان قاعد ورا مكتب عمها القديم—المكتب اللي بقى ملكه دلوقتي. كان لابس نظارة قراءة طبية زادت ملامحه غموض، وقدامه أوراق وملفات كتير، وفي إيده سيجار كوبي ريحته نفاذة ملت الأوضة. ملامحه كانت صارمة، خالية من أي ذرة إنسانية، وشه كان ينطق بالإجرام المقنن.
دخلت بتوجس، ونبرة صوتها طلعت مهزوزة ومكتومة: الـ.. الــ القهوة.
صخر مبصلهاش، شاور بصباعه على طرف المكتب من غير ما يرفع عينه من على الورق. قربت ببطء وحطت الصينية، ولسه بتلف ضهرها عشان تجري وتستخبى في أوضتها، صوت صخر قطع السكون زي الس\كينة:
أنا قولتلك امشي؟ اتجمدت في مكانها، ولفت وشها ليه ببطء وعيونها المليانة رعب بتترجاه:
”أنا.. أنا قولت اأسيبك تشوف شغلك..” صخر قلع النظارة ورماها على المكتب، وسند ضهره لورا وهو بياخد نفس عميق من السيجار، وينفخ الدخان ببطء في وشها. النظرة اللي في عينه المرة دي مكنتش سخرية.. كانت الشر الحقيقي اللي اتكون جواه من سنين الشقا والمافيا برة مصر.
”شغلي؟” قالها بصوت هادي وواطي مرعب” شغلي إني أدمر أي حد يقف في طريقي.
وعمك وقف في طريق أبويا زمان.. ودلوقتي، إنتي اللي قدامي. وقف بطوله الفارع وقرب منها. مايا رجعت خطوة، بس صخر فاجأها لما مد إيده ومسك فنجان القهوة، داق منه بؤ واحد، وفي ثانية.. ملامحه اتحولت لغضب أعمى.
مسك الفنجان ورماه بكل قوته على الحيطة اللي وراها. الفنجان اتدشدش مية حتة، والقهوة المغلية طرطشت على هدوم مايا وعلى الأرض. مايا صرخت وركبتها خانتها ونزلت على الأرض وهي حاطة إيدها على راسها وبتعيط بنهيار.
صخر نزل لمستواها، وقبض على شعرها من ورا بقسوة وخلاها ترفع وشها المبلول بدموع الرعب ليه، وهمس وفكوكه بتتحرك من الغيظ:
”دي قهوة دي؟ إنتي فاكراني زي الأغبية اللي كنتي بتخدميهم هنا؟ أنا صخر السيوفي.. لما أطلب حاجة تتعمل بالملي!
القهوة دي تتدلق وتتعمل غيرها..
ودلوقتي!”
مسك إيدها المرتعشة وقام وقف، وشدها وراه بكل جفاء وقسوة وهي بتتحرك زي العروسة اللعبة بين إيديه، ونزل بيها للمطبخ تحت. رماها قدام البوتاجاز وقال بصوت حاد زي السيف:
”قدامك دقيقتين.. لو القهوة متعملتش مظبوط، المرة الجاية الفنجان المغلّي ده هيكون على وشك الرقيق ده.. سامعة؟! كانت بتشهق من الخوف، مش قادرة حتى تلمس كنكة القهوة من كتر الرعشة، وعيون صخر السودا كانت بتراقبها ببرود سادي، مستمتع بكسرتها وضعفها، وكأنه بيحرق فيها بالبطيء تمن كل سنين العذاب اللي عاشها زمان. كانت أنفاس مايا مسموعة في سكون المطبخ القاتل، وصوت اصطدام “الكنكة” بسطح البوتاجاز المعدني كان يشبه صرخة استغاثة مكتومة. كانت تشعر بعيني صخر تخترقان ظهرها، وكأنها فريسة تحت مراقبة صياد لا يرحم. حاولت وضع البن والسكر، لكن يدها خانتها وانسكب بعض البن على الرخام الأسود اللامع.
تجمدت مكانها، وتوقفت أنفاسها وهي تنتظر رد فعله. لم يتحرك من مكانه، بل ظل واقفاً خلفها مباشرة، لدرجة أنها كانت تشعر بحرارة أنفاسه ورائحة سيجاره القوية التي بدأت تخنقها. قطع السكون بصوته الأجش البارد: ”ليكي أصحاب؟”
اتخضت من السؤال المفاجئ، ولفت راسها نص لفتة وهي بتبلع ريقها بصعوبة:
”لـ.. لأ.. ماليش حد.” صخر ابتسم ابتسامة خبيثة خالية من أي دفا:
”أحسن.. عشان محدش يتعب نفسه ويسأل عليكي. من النهاردة، إنتي مالكيش وجود برة أسوار الفيلا دي. تليفونك، حاجتك، كل حاجة تخصك هتتسلم للحراس برة. إنتي هنا مجرد خدامة وحساب قديم وبقفله.
في اللحظة دي، القهوة بدأت تفور. مايا اتلبكت وجت تشيل الكنكة بسرعة، بس من كتر الرعشة، مالت من إيدها والمياة المغلية والبن اتدلقوا على إيدها الصغيرة.
”آآآه!” صرخت مايا بألم حقيقي وهي بتسيب الكنكة تقع على البوتاجاز، وحضنت إيدها المحروقة وبدأت تبكي بنهيار وجسمها كله بيتنفض. صخر ماتحركش من مكانه، ملامحه الصلبة والباردة ماتهزتش ولا رمش سِكت. بص لإيدها الحمراء وبص لدموعها بنظرة خالية من الرحمة، وقرب منها بخطوات بطيئة، مسك إيدها المصابة بقسوة من عند المعصم، وضغط عليها خلى دموعها تنزل زي الشلال.
”بتعيطي على حرق صغير في إيدك؟”
همس بصوت واطي ومرعب وعيونه بتلمع بالشر، “أنا أبويا حرقوا قلبه على شقا عمره كله وسابوه يموت قدام عينيا! الوجع اللي في إيدك ده ولا حاجة قصاد اللي هتشوفيه معايا يا مايا.” ”حرام عليك.. أنا ماليش ذنب! أنا ماليش ذنب في اللي حصل زمان!” صرخت بضعف وهي بتحاول تملص إيدها منه، بس قبضته كانت زي الحديد. شدها وراه بقسوة وطلع بيها من المطبخ، ورمى إيدها بجفاء: ”الذنب ذنب إنك من ريحتهم. اطلعي على أوضتك.. ومش عايز أشوف وشك في الفيلا لحد الصبح. الحساب الحقيقي هيبدأ من بكرة، وجهزي نفسك.. عشان الجحيم اللي عيشت فيه زمان، هخليكي تدوقيه بالملي.”
مجادلتش، جريت بأقصى سرعة عندها وهي ماسكة إيدها المحروقة وبتشهق بالبكاء، طلعت على أوضتها وقفلت الباب وراها بالمفتاح، وهي ضامة نفسها وبتترعش من الرعب. تحت في الصالة، صخر كان واقف يبص لأثر دموعها على الأرض، وطلع سيجارة تانية وولعها ببرود، وعينه لمعت بانتصار أسود.. اللعبة لسه في أولها.
لم يزر النوم جفون مايا تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، ارتسمت أمامها عينا صخر السوداوان، وصوته القاسي يتردد في أذنيها كصدى لعنة. كانت يدها المحروقة تؤلمها، لكن الألم الأكبر كان في روحها المكسورة. مع بزوغ الفجر، نهضت ، و جسدها يرتجف وعيناها حمراوان من البكاء وقلة النوم. لم تعد تلك الفتاة التي تراقب النجوم، بل أصبحت مجرد ظل، فريسة في قفص من ذهب.نزلت السلالم ببطء، كل خطوة كانت تثقلها، وكأنها تسير نحو مصير مجهول. وصلت إلى الصالة، فوجدته جالساً على الأريكة الفاخرة، يرتشف قهوته بهدوء غريب، وكأنه لم يفعل شيئاً بالأمس.
كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود مفتوح الصدر، يكشف عن عضلات قوية، وبنطالاً أسود أنيقاً. ملامحه كانت هادئة، لكن تلك النظرة الباردة في عينيه كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض. لم يرفع رأسه لينظر إليها، بل أشار بيده إلى طاولة الطعام التي كانت معدة لفرد واحد فقط. قال بصوت خفيض، خالٍ من أي عاطفة:”الفطار جاهز. كلي.” جلست مايا على الكرسي، يدها ترتجف وهي تمسك بالشوكة. لم تكن تشعر بالجوع، بل بالغثيان. حاولت أن تأكل لقمة واحدة، لكنها لم تستطع. كانت عينا صخر تراقبانها من طرف خفي، وكأنه يستمتع بتعذيبها البطيء.


