منوعات

ادم وحنين بقلم سهر محمد

​آدم كان بيبصلها بنظرة ثلجية، نظرة مستنية ردها، مستني يشوف انكسارها اللي هو متخيله. بس حنين، بنت “عبد الصمد”، اللي اتربت في الورشة ووسط العمال، اتعلمت إزاي تقف على رجليها حتى لو روحها بتنزف. ​بلعت الغصة اللي في حلقها بصعوبة، رسمت على وشها ابتسامة باردة جداً، مهنية لأقصى درجة، وردت بصوت ثابت رغم الزلزال اللي جواها: “موافقة طبعاً يا مستر آدم.. الشغل شغل، ومصلحة ورشة والدي فوق أي اعتبارات شخصية. ألف مبروك لحضرتك.. وللعروسة. عن إذنكم، هبدأ شغل في الفيلا من بكرة الصبح.”

​لفت ضهرها وخرجت من المكتب بخطوات سريعة، كأنها بتهرب من وحش بيطاردها. أول ما باب الشركة اتقفل وراها، دموعها خانتها ونزلت على خدها زي المطر. عيطت على آدم اللي ضاع منها، على قسوة الأيام، وعلى كبريائها اللي خلاها تخسر أكتر إنسان حبها في الدنيا، ودلوقتي رايحة تبني وتزين بيت هيعيش فيه مع واحدة تانية. ​في المكتب، آدم فضل باصص على الباب اللي اتقفل وراها، ملامحه القاسية اتغيرت، وغمض عينيه بتنهيدة طويلة كلها تعب. الست اللي جنبه سابت إيده وضحكت بخفة وقالت:

“يا ساتر عليك يا آدم! إيه الجحود ده؟ البنت كان ناقص يغمى عليها. مش كفاية بقى؟” ​فتح عينيه وبصلها بضيق: “مش كفاية يا ليلى.. مش كفاية. حنين لازم تفهم إن الدنيا مش بتمشي على مزاجها، وإن الكلمة اللي بتطلع بتكسر، وتصليح الكسر بياخد وقت. خليكي في فرحك إنتي وياسين خطيبك وركزي في قاعتك اللي دوشتيني بيها دي.” ​ليلى (بنت خالته) ابتسمت بحنان وطبطبت على كتفه:

“أنا بعمل كده عشانك يا آدم، لأنك طول الخمس سنين اللي فاتوا مكنتش عايش، كنت مجرد آلة شغل. البنت دي هي روحك، بس إنت بتعذب نفسك قبل ما بتعذبها. عموماً، أنا هكمل في الدور شوية عشان خاطرك، بس خلي بالك.. لو خيط العند اتشد أكتر من كده، هيتقطع ومش هتعرف توصله تاني.” ​في اليوم التالي… ​الشمس كانت لسه بتشق طريقها لما حنين وصلت لعنوان الفيلا. وقفت قدام البوابة الحديدية الضخمة مبهورة. الفيلا كانت تحفة معمارية، مبنية على طراز كلاسيكي حديث، بس كانت من جوه محتاجة روح، محتاجة ألوان، محتاجة حياة.

​دخلت ومعاها فريق العمال بتاعها. غيرت هدومها ولبست “أفرول” الشغل، لمت شعرها ديل حصان عشوائي، وبدأت توزع المهام بصرامة وقوة. كانت بتحاول تدفـ,ـن وجعها في الشغل. كل حيطة بتدهنها، كل زاوية بتصممها، كانت بتحط فيها حتة من قلبها. كانت بتختار الألوان اللي آدم بيحبها.. كانت فاكرة كل تفصيلة عنه، بيحب الدرجات الدافية، بيكره الإضاءة المباشرة، بيعشق الخشب الطبيعي. كانت بتصمم البيت كأنه بيتها هي، مش قادرة تمنع نفسها من إنها تتخيل حياتهم هنا.. لو كانت الأمور مشيت صح.

​مرت أسابيع، وحنين شغالة ليل نهار. آدم كان بييجي الفيلا كل يومين بحجة “متابعة الشغل”. كان بيقف بعيد، يتفرج عليها وهي واقفة على السقالة، وشها متعاص بويه، بتضحك مع العمال وبتشجعهم. كان بيشوف فيها حنين القديمة، البنت الشغوفة المليانة حيوية. بس أول ما كانت تلمحه، الضحكة بتختفي، وتلبس وش المهندسة الرسمية. ​في يوم، كانت بتشرف على تركيب مكتبة خشبية ضخمة في غرفة المكتب. آدم دخل الأوضة، وقف وراها فجأة وقال بصوته الأجش:

“اللون ده غامق أوي يا باشمهندسة.. أنا طلبت ألوان تدي مساحة، مش تقبض الصدر.” ​اتخضت من صوته بس تماسكت، لفت له وقالت بثقة: “اللون ده ‘جوز البلوط’، لون فخم وبيدي هيبة للمكان. ولما الإضاءة الدافية اللي صممتها تتوزع عليه، هيدي إحساس بالدفا والاحتواء.. مش كل حاجة غامقة بتقبض الصدر يا مستر آدم، أحياناً الغوامق بتداري وراها أمان بنحتاجه.” ​بصلها في عينيها أوي، كأن الكلمات ليها معنى تاني خالص. قرب خطوة وقال بصوت واطي:

“وأحياناً الغوامق بتداري وراها قسوة مفيش نور بيقدر يخترقها. العروسة مش حابة اللون ده، غيريه.” ​الكلمة ضـ,ـربت في قلبها زي الرصاصة. “العروسة”. بلعت ريقها اللي طعمه بقى مر، وهزت راسها وقالت بصوت حاولت تخليه ثابت: “حاضر.. هيتغير. طلبات العروسة أوامر.” ​سابها ومشي، وهي قعدت على الأرض وسط الخشب والمسامير، ودفـ,ـنت وشها بين إيديها وعيطت بصمت. كانت تعبت.. الاستـ,ـنزاف النفسي ده أكبر من طاقتها. ​نقطة الانهيار…

​بعد مرور شهرين، الشغل كان بيخلص. الفيلا بقت تحفة فنية تتدرس. كل ركن فيها بينطق بالجمال والرقي. في الليلة دي، كان الجو برة بيشتي جامد أوي، رعد وبرق ومطر مبيقفش. العمال مشيوا، وحنين فضلت لوحدها بتحط اللمسات الأخيرة في غرفة النوم الرئيسية. كانت بتعلق لوحة فنية اختارتها بنفسها. ​فجأة، الكهربا قطعت في الفيلا كلها. الدنيا ضلمت كحل، وصوت الرعد كان مرعب. حنين بتخاف من الضلمة، ده سر محدش يعرفه غير آدم. رجعت لورا بخوف، خبطت في سلم خشب، وكانت هتقع لولا إيد قوية، صلبة، دافية، لفت حوالين وسطها ورفعتها بسرعة.

​ريحة عطره ملت المكان. كان آدم. “إنتي كويسة؟” قالها بصوت فيه لهفة حقيقية مقدرش يداريها. ​حنين زقته بخفة وبدأت تاخد نفسها بصعوبة: “أنا.. أنا كويسة. إنت إيه اللي جابك في الوقت ده؟” ​”جيت أشوف الشغل وصل لحد فين.” قالها وهو بيشغل كشاف موبايله، النور خبط في وشها، وشاف دموع محبوسة في عينيها. “كنتي بتعيطي؟” ​”لأ.. ده من التراب.” لفت وشها الناحية التانية، ومسكت شنطتها. “أنا خلصت.. الفيلا جاهزة لاستقبالك إنت وعروستك. أتمنى تكونوا مبسوطين. أنا همشي.”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى