منوعات

رجعت البيت

أنا كويسة يا أمي وبخير.
سمعت صوت شهقة وعياط.. أمي كانت بتعيط، الست القوية اللي عمرها ما نزلت دمعة، حتى يوم جنازة أبويا مدمعتش!
قالت وهي بتشهق إخواتك حالهم واقف وتعبانين أوي يا بنتي…
غمضت عيني.. أهي رجعت تاني لعادتها القديمة، لسه مخلصتش؛ كل حاجة في الكون لازم تلف وتدور حوالين الصبيان وبس! فضلت ساكتة ومرديتش عليها.
فضلت مستنية ومستنية.. لحد ما سمعتها بتهمس بصوت مبحوح أنا كنت غلطانة يا فريدة.. أنا ظلمتك.
الكلمة كانت طالعة منها بصعوبة وكأنها بتدبـ,ـحها..

وفضلت أنا برضه ساكتة، مش قسوة مني، بس فيه حقايق في الدنيا محتاجة مساحة وسكوت عشان تبان، والناس بتغلط لما بتجري تملا الفراغ بالكلام وخلاص.
أمي فضلت تتكلم وتفضفض.. سنين من الندم والذكريات والأعذار والاعترافات؛ كلام نصو يتفهم ونصو ملخبط، البني آدم لما بيقرر يقول الحقيقة فجأة بيبقى مكركب ومشوش.
ولما خلصت كلامها خالص، كل اللي قلتهولها أنا عارفة يا أمي.. ومزدتش كلمة تانية.
مرت شهور، وداخلين على سنة كاملة.. حياتي بقت مستقرة وهادية جداً. وفي يوم العصر، السكرتيرة خبطت على مكتبى وقالتلي يا فندم، في ناس برة عايزين يقابلوا حضرتك.
رفعت عيني وبصيت من الإزاز..

كانوا تلاتة واقفين برة أمي، وأحمد، وكريم.
محدش فيهم تحرك من مكانه لأول وهلة، وأمي عينيها كانت بتلف في المكتب؛ الحوائط الإزاز، لوجو الشركة الكبير، الموظفين اللي بيعدوا عليا ويسلموا باحترام.. الدور الإداري كله بتاعى.
ملامح الفهم والذهول بدأت ترتسم على وشها بالبطء؛ مش عشان شافت عز ولا غنى، عشان فهمت أخيراً إني قدرت أبني كيان واسم لوحدي.. من غيرهم، ومن غير ما أستنى إذن من حد، أو موافقة من مخلوق، ومن غير ما أقعد في الركن أستنى حد يختارني.
بصتلي

وبصت للمكتب وتاني بصتلي وقالت أنتي اللي عملتي كل ده يا فريدة؟
ابتسمت وقلت مش بالظبط كدا.
يعني إيه؟
يعني تعبت واشتغلت.
محدش نطق.. ونزلنا قعدنا في كافيه نشرب شاي؛ شاي بس، مش غدا ولا عشا، الشاي كان أأمن وأخف عليهم وعليا.
لما الشيك بتاع الحساب جه، أحمد مد إيده عشان يدفع، وكريم برضه مد إيده.. جالي ضحكة مكتومة؛ الحركة كانت مكسوفة ومتأخرة أوي.. بس كانت حقيقية وطالعة من قلبهم.
خرجنا من الكافيه والشمس كانت بتغيب ورا العمارات، وأمي كانت ماشية جنبي.. مش قدامي، ولا ورايا.. جنبي بالظبط.

حاجة صغيرة وتفصيلة تافهة ممكن ملمحهاش، بس الحياة الحقيقية ديماً بتستخبى في التفاصيل الصغيرة دي.
وعند العربيات في البارك، راحت ماسكة إيدي فجأة.. نفس المسكة اللي كانت بتمسكهالي وأنا عيلة صغيرة، وسكتنا احنا الاتنين لثواني، وبعدين سألتني بصوت واطي هتقدري تسامحيني يا فريدة؟
بصيت في عينيها أوي.. شعرها الأبيض، وعينيها التعبانة، والندم اللي شايلاه فوق كتافها زي شنطة تقيلة ملهاش آخر..
التسامح ده شيء غريب أوي؛ الناس فاكرة إنه بيجي فجأة كأنك فتحت كبس النور، بس هو مش كدا..

ساعات التسامح بيكون مجرد إنك تاخد قرار بإنك مش عايز تفضل شايل السـ,ـكينة اللي جـ,ـرحتك في إيدك وتوجـ,ـع نفسك بيها أكتر.
رديت عليها بكل صراحة مش عارفة يا أمي.. بس أنا عندي استعداد أحاول.
عينيها دمعت في ثواني وقالت وده كفاية أوي يا بنتي.. كفاية وزيادة.
أما بالنسبة ل راجح.. فكنت بسمع أخبار عنه طشاش كل فين وفين؛ الدنيا م مشيتش معاه زي ما كان متخيل خالص.

الست اللي سابني عشانها وطلقني سابته هي كمان بعد فترة، والترقية اللي كان فرحان بيها طارت في الهيكلة الجديدة بتاعة الشركة، والشقة اللي حارب وعمل المستحيل عشان ياخدها ويطردني منها باعها بعد سنتين عشان يسد ديونه.
آخر حاجة عرفتها إنه ساب البلد كلها وراح يبدأ من جديد في محافظة تانية..
مبقتش حاسة بأي حاجة ناحيته؛ لا شـ,ـماتة، ولا غل، ولا رغبة في الانتـ,ـقام.. مفيش، أبيض.. وده في حد ذاته هو منتهى الحرية، لأن عكس الحب مش الكره.. عكس الحب هو اللامبالاة والنسيان.
بعد كذا سنة من ليلة العيد دي..

كنت برتب شوية ورق وقدامي قسيمة الطلاق القديمة، الورقة كانت اصفرت شوية ودبلت. قعدت على مكتبي وبصيت لها.. وبعدين ضحكت من قلبي.
مش ضحك على راجح، ولا على أمي، ولا حتى على الفلوس.. ضحكت لأني فهمت أخيراً إيه هي أكبر وأعظم هدية كانت مستخبية جوة ورقة اللوتاري دي.
الهدية مكنتش المية مليون، ولا الأمان المادي، ولا النجاح الشغل.. الهدية كانت التوقيت.
لو الأرقام دي كانت طلعت قبل ليلة العيد بيوم واحد بس.. كان كلهم كدبوا عليا ولبسوا الوشوش الطيبة.
لكن القدر استنى ودبر كل حاجة..

أخرها يوم واحد بس، يوم واحد كان كفيل يخلي كل الأقنعة تقع وتتكشف الوجوه على حقيقتها من غير تجميل قبل ما الفلوس تيجي.
وعشان اليوم ده.. أنا شفت كل الناس على حقيقتها، وشفت نفسي أنا كمان وعرفت قيمتها.
طويت الورقة نصين، وحطيتها في مفرمة الورق.. وفضلت واقفة اسمع صوت المكنة وهي بتحول آخر حتة من حياتي القديمة. . لتراب ملوش أي أثر.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى