روايات

المربيه الفقيره

مُربّية فقيرة ومائدة يجلس حولها أصحاب الملايين وثلاثون ضيفًا يحدّقون بها كأنها بلا قيمة مربّية فقيرة، ومائدة يجلس حولها أصحاب الملايين، وثلاثون ضيفًا من النخبة يحدّقون بها كما لو كانت قمامة كانت لورا تقف هناك بزيّها البسيط، بينما الجميع يتلألأون بملابس تحمل علامات عالمية باهظة. ثم بدأت الضحكات… قاسية، متعالية، كافية لأن تسمع كل كلمة لاذعة تُقال عنها. في تلك اللحظة، كانت لورا بالنسبة لهم مجرد وسيلة تسلية لليلةٍ طويلة.

لكن كل شيء تغيّر عندما نهضت من على الكرسي فتاة صغيرة في السادسة من عمرها — ابنة صاحب القصر. والكلمات التي خرجت من فم تلك الطفلة جعلت الكبار يبتلعون سمّهم الخاص… كلمات قلبت الطاولة على الجميع، وكشفت من الذي يستحق الجلوس إلى تلك المائدة حقًا. وما حدث بعدها… لم ينسَه أحد ممن كانوا في تلك القاعة. هذه هي قصة لورا وأندريه، قصة عن التحيّز، والشجاعة، وطفلة صغيرة علّمت الكبار معنى ما يهمّ حقًا.

لورا مينديش، ذات الثمانية والعشرين عامًا، أتقنت فنّ أن تكون «غير مرئية». ليس لأنّها رغبت بذلك، بل لأن العالم علّمها أن النساء مثلها — من تنظّف، وتطبخ، وتعتني بأطفال الآخرين — لا تُمنح حقّ الظهور. كانت تعمل في قصر عائلة فالينتي منذ ثمانية أشهر. قصرٌ شامخٌ في أحد أرقى أحياء المدينة، حدائقه أشبه بصور بطاقات بريدية، ومسبحه يعكس السماء كمرآة صافية. لكن لورا لم تعرف من ذلك العالم الفخم سوى ثلاثة أماكن:

غرفة صوفيا الصغيرة… مطبخ الموظفين… والحمّام الضيق بجانب غرفة الغسيل. أما باقي القصر… فكان ينتمي لعالمٍ آخر تمامًا. صوفيا فالينتي، ذات السنوات الست، كانت تملك عينين بنيّتين فيهما ذكاء لامع، وابتسامة نادرة منذ أن غادرت أمّها البيت، تاركة خلفها على منضدة الغرفة رسالة باردة لا دفء فيها. منذ ذلك اليوم، انغلق قلب الطفلة. المعالجون النفسيون يأتون ويرحلون… والألعاب الثمينة تتراكم في غرفتها بلا أن يلمسها أحد.

لكن مع لورا كانت صوفيا تعود طفلة من جديد. في تلك الجمعة، كانت القصر يغلي بالتحضيرات. أندريه فالينتي، صاحب كل ذلك، كان يقيم حفل عشاء خيري. ثلاثون ضيفًا من علية القوم، كل واحد أهم من الآخر؛ رجال أعمال، سياسيون، وارثات، أناس يرتدون ساعات تساوي أكثر مما قد تكسبه لورا في حياتها كلها. ألبست لورا صوفيا فستانًا أحمر، وسَرّحت شعرها بعناية، ثم قبّلت جبينها. قالت لها بهدوء: “اذهبي الآن واستمتعي مع والدك يا عزيزتي. سأبقى هنا في الغرفة، أنتظرك حتى تعودي لنكمل القصة قبل النوم”. شدّت صوفيا على يدها بقوة: “أريدك أن تأتي معي”. ابتسمت لورا بحنان وهزّت رأسها نفيًا.

“ذلك ليس مكاني يا صوفيا. ذلك العشاء مخصّص للأشخاص المهمين”. ردّت الطفلة فورًا: “أنتِ مهمّة. بالنسبة لي، أنتِ أهم شخص في العالم”. اخترقت كلمات الصغيرة شيئًا عميقًا داخل لورا، فابتلعت غصّة في حلقها وربّتت على وجه صوفيا قائلة: “والدك يحتاجك هناك في الأسفل. اذهبي، أعدك أنني سأكون هنا عندما تصعدين”. خرجت صوفيا، لكن لورا رأت الحزن منحنياً على كتفيها الصغيرين. بعد ساعتين، كانت لورا تجلس على الكرسي بجانب سرير صوفيا، تقرأ كتابًا قديمًا أحضرته من بيتها، حين سمعت خطوات مسرعة في الردهة. فُتِح الباب بعنف، ودخلت صوفيا وهي تركض، والدموع تنهمر على وجهها. “لورا، عليكِ أن تنزلي الآن”.

سألتها لورا بقلق: “ماذا حدث؟ هل أنتِ بخير؟” أجابت الطفلة وهي تبكي: “لم أعد أتحمّل البقاء وحدي وسط أولئك الناس. لا ينظرون إليّ، لا يستمعون لي. كل ما يريدونه هو التحدّث مع أبي عن الأعمال والمال. أريدك أنتِ معي هناك في الأسفل”. جثت لورا على ركبتيها لتكون في مستوى الطفلة. “صوفيا، لا أستطيع…” فقاطعتها: “بل تستطيعين. سأخذك معي”.

وقبل أن تتمكن لورا من الاعتراض، أمسكت صوفيا بيدها بعزم لا يليق بطفلة في السادسة من عمرها. كانت قاعة الطعام لوحة فنية. ثريات الكريستال تتدلّى من السقف العالي، تنثر ضوءًا ذهبيًّا على طاولة ضخمة مزينة بزهور بيضاء وأطقم فضية لامعة. كان الضيوف يتحدثون في مجموعات صغيرة، كؤوس النبيذ في أيديهم، والضحكات الراقية تتردّد بين الجدران.

ما إن دخلت صوفيا وهي تمسك بيد لورا حتى خفتت الأحاديث واحدًا تلو الآخر. التفتت كل الأنظار إليهما. شعرت لورا بثقل كل تلك العيون. كانت ترتدي زيّها البسيط، فستانًا رماديًّا وحذاءين مهترئين. شعرها مرفوع في كعكة عملية. بلا حلي، بلا مساحيق متكلّفة. كانت نقطة شاذة في لوحة كاملة. بدأت الهمسات: “من هذه؟” “المربية المدلّلة؟ مربية الصغيرة؟ ماذا تفعل هنا؟” سحبت صوفيا كرسيًّا بجانب والدها في رأس الطاولة. “لورا، اجلسي هنا”. ساد الصمت الكامل. رفع أندريه فالينتي عينيه عن كأس الويسكي. كان في الثامنة والثلاثين من عمره، شعره الداكن تظهر عند صدغيه خصلات رمادية خفيفة، فك قوي، وعينان تحملان حزنًا قديمًا.

كان يرتدي بدلة لا تشوبها شائبة، من المؤكد أنها تكلف ما يعادل راتب لورا السنوي. نظر إلى ابنته، ثم إلى لورا، ولم يقل شيئًا. شعرت لورا بحرارة الخجل تصعد من عنقها. “صوفيا، أظن أن…” لكن امرأة في الجهة المقابلة من الطاولة أطلقت ضحكة حادّة، تبعتها ضحكات أخرى مكتومة ولكن واضحة.

مالت مارسِيلا، أخت أندريه، نحو صديقتها وهمست بصوت عالٍ يكفي ليسمعه الجميع: “يا لها من لحظة محرجة. هذه الصغيرة لا تفقه شيئًا”. ربّتت بياتريس، والدة أندريه، على شفتيها بمنديل المائدة برقة مصطنعة، ونظرت إلى لورا بنظرة تجمع بين الشفقة والاحتقار. قالت ببرود: “عزيزتي، الموظفون يتناولون العشاء في المطبخ. أنا متأكدة أن هناك طعامًا مُعدًّا لكِ هناك”. شعرت لورا بالإهانة تحرق بشرتها. بدأت تنهض، لكن صوفيا لم تترك يدها، وحينها حدث شيء استثنائي. وقفت الصغيرة على الكرسي. جالت عيناها على الوجوه حول الطاولة، على كل شخص يضحك، يهمس، يحكم، ثم قالت بصوت واضح ثابت، بدا أكبر من جسدها الصغير:

“أنتم تضحكون عليها، تنظرون إليها كأنها لا شيء. لكن هل تعرفون من هي؟ هي الشخص الوحيد في هذا البيت الذي يعرف طبقي المفضّل. الوحيدة التي تلاحظ عندما أكون حزينة حتى لو تظاهرت بالابتسام. الوحيدة التي تستلقي بجانبي عندما تراودني الكوابيس وتبقى حتى أنام. الوحيدة التي علمتني أن البكاء ليس ضعفًا، والوحيدة التي تجعلني أشعر أنني محبوبة حقًّا”. كانت الدموع تنهمر على وجه صوفيا، لكن صوتها لم يرتجف. “أمي تركتني، اختارت الحفلات والسفر بدلًا مني، وأنتم جميعًا تعرفون ذلك، لكنكم تتظاهرون بالعكس. تتظاهرون أن كل شيء بخير، لكنه ليس كذلك.

والشخص الوحيد الذي لا يتظاهر، ولا يكذب، ويراني كما أنا، هي هي لورا”. أصبح الصمت الآن مختلفًا؛ ثقيلاً، خانقًا. نظرت صوفيا إلى والدها: “إذن، إن لم تستطع لورا الجلوس هنا، فأنا أيضًا لا أريد البقاء هنا”. ظل أندريه فالينتي ساكنًا للحظة طويلة، عيناه مثبتتان على ابنته. ثم التفت ببطء إلى لورا، ولأول مرة منذ بدأت العمل في ذلك البيت، رآها حقًّا. قال: “اجلسي يا لورا، من فضلك”.

لم تكن تلك جملة أمر، ولا مجرد رجاء؛ كان ذلك دعوة حقيقية. جلست لورا وساقاها ترتجفان. لم يَعُد أحد يضحك. رفع أندريه كأسه ونظر إلى ضيوفه. “ابنتي علّمتني الآن درسًا كان ينبغي أن أتعلمه منذ وقت طويل؛ درسًا عن ما هو مهم حقًّا، وعن مَن هو مهم حقًّا”. ثم التفت ثانية إلى لورا.

“شكرًا لأنك تعتنين بصوفيا. وأعتذر لأنك احتجتِ إلى طفلة في السادسة من عمرها حتى تُحترَمي في هذا البيت”. لم تستطع لورا الرد. كانت الدموع تحرق عينيها. استمر العشاء، لكن شيئًا ما تغيّر في تلك الأحاديث المتكلّفة، وفي تلك النظرات الخجِلة، وفي الثقل الذي خيّم على الطاولة بقية الليل. وحين صعدت لورا أخيرًا لتضع صوفيا في الفراش، احتضنتها الصغيرة من عنقها بقوة: “أنا أحبك يا لورا”. أغمضت لورا عينيها، تشعر بالألم والفرح يمتزجان في صدرها. “وأنا أحبك أيضًا يا صوفيا”. في الأسفل، بقي أندريه فالينتي وحيدًا في قاعة الطعام بعد مغادرة آخر ضيف.

حدّق في الكرسي الذي جلست عليه لورا، ولأول مرة منذ سنوات، شعر بشيء كان قد نسي وجوده. شعور قديم: الفضول. من تكون تلك المرأة؟ ولماذا، في بيت مملوء بالرفاهية، بدت وكأنها الشيء الوحيد الحقيقي؟ استيقظت لورا في الخامسة والنصف صباحًا. كما في كل يوم، صرخ المنبّه القديم على الطاولة الواقفة بديلًا عن منضدة، فأطفأته قبل أن يوقظ أمّها في الغرفة المجاورة. كان البيت صغيرًا، غرفتين فقط في حيّ يستبدل فيه الإسفلت بالطين عند سقوط المطر، حيث الأطفال يلعبون حفاة في الشارع، وصوت الموسيقى المرتفعة في أيام الأحد أكثر انتظامًا من أي ساعة.

ارتدت لورا ملابسها في الظلام، شربت قهوة خفيفة في المطبخ الصغير، ونظرت إلى علبة الأدوية على الطاولة؛ أصناف مختلفة، كلها غالية، وكلها ضرورية ليواصل قلب أمّها الضعيف النبض. أخذت الظرف الذي يحوي راتب الشهر الماضي، المخبأ في علبة بسكويت فارغة، وعدّت الأوراق للمرة العاشرة. لن تكفي. لم تكن تكفي أبدًا.

قبل أن تخرج، دخلت غرفة أمّها. كانت دونا سيليا نائمة، أنفاسها الثقيلة تملأ الصمت. عدّلت لورا الغطاء فوقها وقبّلت جبينها المجعّد. “سأعود ليلًا يا أمي”. في الخارج، كان السماء ما تزال مظلمة. سارت لورا نحو موقف الحافلات، تنضم إلى نساء أخريات بعيون مرهقة وحقائب بالية؛ نساء يستيقظن قبل شروق الشمس ليخدمن وينظّفن ويعتنين، نساء غير مرئيات. في الجهة الأخرى من المدينة، كان أندريه فالينتي يستيقظ على سرير ضخم في غرفة أكبر من بيت لورا كله. كان نور الفجر يتسلّل عبر ستائر آلية، يغمر المكان ذي الطابع العصري، بألوان رمادية وبيضاء، لكن الرفاهية لم تكن تملأ الفراغ في داخله.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى