منوعات

اتجوزت مسجون ٢

​نور كشاف الموبايل جاب اللي جواها.. ولقيت نفسي قدام صدمة تالتة وعمرها ما خطرت على بالي. الخزنة مكنش فيها فلوس ولا دهب.. الخزنة كان فيها ملفات تانية خالص، وصور ليونس وهو لابس لبس رسمي.. وجنبها طبنجة ميري، وشارة معدنية عليها شعار “وزارة الداخلية – قطاع الأمن الوطني”!

​فتحت الملف وأنا مش مصدقة عيني، لقيت قرار تكليف رسمي باسم يونس.. يونس مكنش غاسل أموال، ولا كان بيحمي ولاد الحوت.. يونس كان ضابط زارعينه جوه الشبكة دي من سنين عشان يجيب قرارهم من الجذور! والتلات سنين اللي قضاهم في السجن، كانوا جزء من التمويه عشان يثبت التهمة على ابن عمه ويوصل لراس الأفعى الكبيرة. ​وفجأة.. الموبايل اللي كان في جيب الجاكت.. الموبايل بتاع يونس اللي أخدته مع المفاتيح.. رن!

​الرقم مكنش مكتوب عليه اسم، كان مجرد خطوط. فتحت الخط وإيديا بتروح وتيجي من الصدمة، وقبل ما أنطق، سمعت صوت أنفاس تقيلة ومجروحة.. صوت يونس! ​”بسمة..” صوته كان طالع بالعافية، بس فيه نبرة هدوء غريبة، “أنا لسه عايش.. والطلقة جت في كتفي.. والظابط اللي كان على السلم ده يبقا زميلي في القطاع.. كان لازم نعمل التمثيلية دي قدام عيون رجالة الحوت اللي محاصرين المكان عشان يفتكروا إني اتصفيت ويحلّوا عنك وعني.”

​دموعي نزلت بس المرة دي دموع ذهول: “يونس.. أنت.. أنت ضابط؟ ورق الخزنة..” ​”أنا ضابط يا بسمة.. واللعبة اللي قولتلك عليها مكنتش كدبة، بس مكنتش قذارة.. دي كانت قض..ية عمري. والفلوس اللي في الحساب دي فلوس الدولة اللي جمدناها من حساباتهم. أنا اخترتك عشان كنت محتاج حد بريء بجد يدافع عني وعيونه فيها صدق.. بس والله العظيم أنا حبيتك بجد.. ومكنتش عايز أدخلك في الخطر ده كله.”

سكت ثانية وسعل بتعب، وبعدين كمل ونبرته اتقلبت لجدية مرعبة خلت شعر جسمي يقف: “بسمة.. اسمعيني كويس ومتقاطعيش.. الراجل أبو جرح اللي كان وراكي على السطوح.. ده مش من رجالة الحوت.. ده يبقا لواء كبير في الوزارة، وهو الراس الكبيرة اللي بنطاردها من سنين.. وهو دلوقتي عرف طريق المزرعة من تتبع الموبايل اللي في إيدك.. قدامك دقيقتين بالظبط.. اطلعي برا البيت حالا.. هما وراكي!” ​في نفس اللحظة.. سمعت صوت دبة جزم بره البيت، وصوت تعمير سلا..ح آلي ورا الباب الرئيسي للمزرعة علطول!

الخط قفل في وشي، وصوت الرصاصة اللي اتعمرت ورا الباب طيّر الباقي من عقلي. الموبايل وقع من إيدي على التراب، وبصيت لأخويا الصغير اللي كان لسه نايم في سابع نومة ومش حاسس إن الموت واقف على العتبة. ​لميت الملفات والشارة والطبنجة الميري من الخزنة في ثانية، وحطيتهم في حضني مع البطاقة وكشف الحساب. جِريت على أخويا، شيلته براحة من غير ما يحس، وبقيت بلف بعيني في الأوضة الضلمة زي المجنونة.. الباب الرئيسي بره خلاص هيتكسر، ومفيش أي مخرج تاني.

​”بببوم!” ​الباب الخشب بتاع الصالة اتحدف لجوه من قسوة الرزعة. سمعت صوت دبة الجزم التقيلة وهي بتدخل، وصوت فحيح الراجل أبو جرح وهو بيأمر رجالته بلغة باردة: “فتشوا الأوض أوضة أوضة.. هاتولي البنت والورق.. والواد الصغير مش عايزينه عايش.” ​جسمي كله اتجمد. لو اتنفست هيسمعوني. بصيت للشباك الصغير بتاع أوضة النوم، كان عالي وضيق، ومتقفل بسلك حديد بتاع الناموس. حطيت أخويا على الأرض ورا السرير، وسحبت الطبنجة الميري بتاعة يونس اللي أخدتها من الخزنة.. إيديا كانت بتهز السلا..ح، بس مكنش قدامي حل تاني.. يا قاتل يا مقتول.

​صوت الخطوات بره بقا على بعد سنتيمترات من باب الأوضة. مقبض الباب بدأ يتحرك براحة وينزل لتحت.. ​قفلت عيني، ورفعت المسد..س بإيدين بترتعش وزبطت تصويبه على مستوى الباب، وصباعي اتثبت على الزناد.. مستنية اللحظة اللي الباب فيها يتفتح عشان أفرغ في صدره الخزنة كلها. ​وفجأة.. قبل ما الباب يتفتح بملّي، السقف بتاع الصالة بره اتهد! ​صوت ضرب نار أعمى وبكثافة مرعبة بدأ يشتغل.. بس المرة دي الصرّخات مكنتش طالعة من البوليس، دي كانت صرخات رجالة الراجل أبو جرح وهما بيتصفوا! صوت ضربات سريعة ومكتومة، ووقوع جثث على الأرض.. ووراها صوت قنابل غاز بدأت ترمي دخانها الأبيض من الشبابيك.

​الباب بتاع الأوضة اتفتح فجأة، وظهر وسط الدخان ضل راجل ضخم لابس قناع أسود ودرع واقي.. صرخت وكنت هضغط على الزناد، بس الراجل في لمح البصر طيّر المسد..س من إيدي، ومسكني من كتافي وزعق بنبرة آمرة بس مألوفة: “اثبتي يا بسمة! أنا لواء فريد.. زميل يونس! إحنا محاصرين المكان كله!” ​بره في الصالة، الراجل اللواء الكبير أبو جرح كان واقع على الأرض، إيديه متكلبشة ورا ضهره، والدم سايل من رجله، ورجالة العمليات الخاصة ماليين المكان.

​اللواء فريد وطى شال أخويا الصغير اللي صحي وبدأ يصرخ، ومسكني من إيدي وخرج بيا بره البيت وسط الحراسة المشددة. أول ما خرجت للمزرعة، شفت عربية إسعاف تانية واقفة، وبابها المفتوح مبين يونس وهو قاعد جوه، رابطين كتفه بالشاش، وأول ما شافني.. ابتسم بتعب وعينيه لمعت بالدموع. ​جريت عليه وأنا بنهج والملفات في حضني، ورميت نفسي في حضنه وأنا بعيط من كل قلبي: “أنت كويس؟ يونس.. كل ده خلص؟” ​يونس ضمّني بإيده السليمة، وباس راسي وقال وهو بيبص للواء الكبير وهو بيتجرجر للعربيات المكلبش: “خلص يا قلب يونس.. الشبكة كلها وقعت.. والبلد دي نضفت من الحوت الكبير.”

​بصيت للورق اللي في إيدي، ولأخويا اللي بقا في أمان، وقولتله وأنا بتنفس لأول مرة من يوم ما دخلت السجن: “يعني أنا مش مجرمة؟” ​يونس ضحك وسط وجعه وقال: “أنتِ بطلة يا بسمة.. والاسم الجديد والفلوس دي بقوا حلالك.. مكافأة من الدولة عشان نجدتي ضابط عمليات خاصة.”ابتسمت وسط دموعي، وحسيت فجأة بوزن الجبل اللي كان على كتافي بيقع. لكن فرحتي مكملتش ثانية واحدة.. لمح لمح البصر نظرة عين اللواء فريد وهو بيبص ليونس.. نظرة مكنش فيها فرحة نصر، كان فيها توتر وخوف حقيقي.

​اللواء فريد قرب من باب عربية الإسعاف، وبص ليونس وقاله بصوت واطي ومكتوم: “يونس.. القوات قفلت طريق الصحراوي كله، وقبضنا على المساعدين بتوعه.. بس فيه مصيبة.” ​يونس حاول يقوم وسند على دراع الإسعاف: “مصيبة إيه يا فندم؟ الراس الكبيرة وقع خلاص!”

​اللواء فريد هز راسه يمين وشمال وبص للورق اللي في حضني وقاله: “الراجل اللي قبضنا عليه جوه ده مش اللواء.. ده الشبيه بتاعه! اللواء الحقيقي مكنش في المزرعة أصلاً.. اللواء الحقيقي هرب بكشف الحساب الأصلي، ومعاه الأكواد بتاعة الحسابات الدولية اللي فيها تلاتة مليار جنيه.. والشفرة دي مب تفتحش غير ببصمة عين حد من عيلة الهلالي.. يعني ابن عمك اللي مات، أو.. أو أنت يا يونس!” ​الدنيا لفت بيا تاني.. اللعبة مخلصتش؟

​يونس وشه اتقلب، والدموع جفت في عينيه وحل مكانها رعب حقيقي، بصلي وقالي ونفسه بيتقطع: “بسمة.. الورقة اللي كانت في الخزنة.. أنتِ قريتي اللي فيها كله؟” ​قلتله وأنا بترعش: “آه.. تاريخ ميلاد أخويا والباسورد..” ​”لأ يا بسمة!” يونس زعق بصوت هز المكان، “الورقة كان فيها ضهر.. مكتوب فيه إيه؟” ​فتحت الورقة بسرعة وبصيت في ضهرها تحت نور كشافات عربيات الشرطة.. شفت سطر مكتوب بخط صغير جداً زق قلبي في رجلي:

(لو وصلتِ هنا واللواء هرب.. اعرفي إن المقر السري تحت أرض المزرعة.. والمدخل من تحت السرير اللي خبيتي وراه أخوكي).

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى