في نفس اللحظة.. ومن جوه بيت المزرعة اللي لسه خارجين منه.. سمعنا صوت صرخة مكتومة.. بس مكنتش صرخة حد من العساكر.. دي كانت سرينة إنذار إلكترونية بدأت تصفر من تحت الأرض، ووراها صوت ميكانيكي مرعب.. كأن فيه بوابات حديد ضخمة بتقفل وتقفل على كل اللي جوه! يونس شد الطبنجة من حزام اللواء فريد وهو بيصرخ: “المقر تحتنا!! اللواء الحقيقي جوه المزرعة ومستني عيلتي!”
وقبل ما أي حد يتحرك، أرض المزرعة كلها اتهزت تحت رجلينا، وصوت انفجار مكتوم طلع من تحت البيت.. والدخان الأسود بدأ يخرج من الشباك الصغير اللي لسه سايبه أخويا عنده من دقيقتين!النفس وقف، والكون كله اتحول لثواني مرعبة كأنها سنين. الدخان الأسود كان بيخرج من شباك الأوضة زي التعبان، ويونس رغم إصابته جِري زي المجنون ناحية البيت وهو بيصرخ: “بسمة! خليكي مكانك!” لكن رجلي مسمعتش كلامه، جِريت وراه وأنا شايلة أخويا ودموعي بتطير في الهواء. اللواء فريد ورجالته دخلوا ورانا وهما رافعين السلا..ح، واقتحمنا الأوضة اللي كان فيها أخويا من ثواني.
الدخان كان خانق، بس شفت يونس واقف عند السرير اللي اتزاح من مكانه، وبان تحته سلم حديد نازل لسرداب ضلمة تحت الأرض. من قلب السرداب، كان طالع صوت كحة مخنوقة وصوت رنان لضحكة شريرة مرعبة.. ضحكة اللواء الحقيقي اللي كان فاكر إنه هيهرب. ”يونس هلالي.. جيت برجليك يا ابن الهلالي! افتح الشفرة وإلا المزرعة كلها هتنفجر فوق دماغنا ودماغ المزة وأخوها!” صوت اللواء كان جاي من تحت، وواضح إنه كان مصاب ومحشور في البوابة الرقمية اللي قفلت عليه بعد الانفجار المكتوم.
يونس بصلي نظرة أخيرة، نظرة ودعني فيها بكل حنية الدنيا، وقبل ما حد يلحقه، نط جوه السرداب. ”يونس!!” صرخت بأعلى صوتي وكنت هنزل وراه، بس اللواء فريد مسكني جامد: “ارجعي ورا يا بسمة! السرداب هينهار!” سمعنا صوت ضرب نار متبادل من تحت.. طلقة.. والتانية.. وبعدها صوت صرخة اللواء الحقيقي وهو بيقع. ووراها علطول، صوت يونس وهو بيزعق من تحت: “فريد!! اقفلوا بوابة السرداب حالا!! اللواء ضرب قنبلة موقوتة وباقي دقيقة واحدة!! اقفلوا البوابة عشان تعيشوا!!”
”يونس لأ!! اخرج حالا!!” صرخت بهستيريا وأنا بملخ نفسي من إيد اللواء فريد. يونس ظهر وشه لثانية من تحت، بص لأخويا وبصلي، وقال بابتسامة صافية وعين مليانة دموع: “أنا فديت بلدي يا بسمة.. وعشت تلات سنين في السجن عشان اللحظة دي.. عيشي بالفلوس الحلال وحبي أخوكي.. وأنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك.” وبإيديه الاتنين، سحب الذراع الحديدي الداخلي.. البوابة الفولاذية اتقفلت برزعة هزت الحيطة، واتقفل عليها بالترقيد الإلكتروني.
اللواء فريد سحبني بالقوة بره البيت وإحنا بنجري، ويدوب رجلينا لمست تراب المزرعة بره.. والبيت كله انهار لجوه وانخسف بيه الأرض في انفجار كتمه التراب والخرسانة.. ومات معاه السر، ومات معاه اللواء الخاين.. ومات معاه يونس. وقفت في وسط الضلمة، والفجر بدأ يشقشق بنوره الضعيف. بصيت للخراب اللي قدامي، وبكيت كأني عمري ما بكيت قبل كده. يونس مكنش مجرم، يونس كان البطل اللي حماني وحمى البلد دي بدمه.
طبطبت على أخويا الصغير وضمتّه، وحطيت إيدي في جيبي.. لقيت كشف الحساب والبطاقة الجديدة. بصيت للسما وقولت: “وعد عليا يا يونس.. هعيش شريفة زي ما عرفتني، وهربي أخويا بفلوسك اللي بقت حلال.. وعمري ما هنسى الراجل اللي اتجوزته في السجن.. ومات عشان يديني الحياة.”

