
صرخ مختار مذهولًا، لا يكاد يستوعب ما يحدث، بينما كانت شهد تخفي السـ,ـكين بسرعة بين الوسائد، ثم ارتفع صوتها بالصراخ والأنين، وهي تضـ,ـرب صدره بيديها وتستغيث بعنف: سيبني يا حيوان! ياااالهوووي، حرام عليك… الحقوني يا ناس… حد يلحقني..
تمثيلها كان بارعًا، بل مدهشًا في صدقه، حتى أن مختار نفسه لم يستوعب ما يحدث، وفي اللحظة ذاتها دوّى ارتطام قوي بالباب، تبعه صوت تحطّمه، ليقتحم جلال الغرفة كبركانٍ ثائر، بينما عيناه اشتعلتا بحمرة الغضب، وصدره يعلو ويهبط كوحشٍ يُوشك أن ينقضّ، والمشهد أمامه صبّ الزيت على نارٍ لا تنطفئ.
اندفع نحو مختار بلا تردد، ليزيحه عنها بضـ,ـربة فولاذية كادت تفتك به، وألقاه أرضًا بعنف، وصوته يجلجل بضراوة: ابعد عنها يا ابن الكلب!
سقط مختار أرضًا يتخبط، وفي اللحظة ذاتها قفزت شهد من الفراش، وهرولت بخطوات متعثرة وارتمت في صدر جلال، والتصقت به بكل خوفها، يداها المرتعشتان تشبثتا بقميصه بقوة، قائلة بصوت متقطع: جلال… الحقني؟ شوفت كان هيعمل فيا إيه؟ خدني من هنا… ما تسيبنيش عشان خاطري
ارتبك للحظة، ويداه ارتفعتا بتردّد قبل أن تُحيطا بكتفيها بحنوٍ مكتوم، وهمس بنبرة خشنة تحبس طوفان مشاعره: متخافيش…
محدش هيقدر يقربلك، وهتطلعي من هنا لو فيها مـ,ـوتي
_بعد الشر عليك ان شاء لله عدوينك.. خلينا نمشي من هنا
قالتها وهي ترفع رأسها بسرعة، ونظرتها الدامعة تنغرز في عينيه، تشي بخوفٍ عليه هو لا عليها، ليشعر بقلبه يكاد يقفز بين ضلوعه، فلو ترك لنفسه العنان لكان ضمّها بقوة تكسرها بين ذراعيه.
حاول مختار أن ينهض مترنحًا، وهو يصرخ متلعثمًا: انت مين ياله… وازاي تدخل بيتي كده؟ فين رجالتي؟!
التفت جلال نحوه، ورد ببرود مميت: رجالتك…
بيتاخد فيهم العزا تحت
ثم هوى عليه برأسه ضـ,ـربة قـ,ـاسية ارتد لها جسد مختار أرضًا، قبل أن يعود جلال إلى شهد، وهو يسألها بصوتٍ يتأرجح بين الغضب والقلق: الحيوان ده لمسِك؟ انطقي… الـ **** ده عمل فيكي حاجة؟
أومأت شهد برأسها نافية، عندها صرخ مختار بشتائمٍ متقطعة: مين ده يا بنت ****؟! أنا هوديك في ستين داهية… وحياة امي لاعرف ادفعك تمن للي عملته ده انت واهلك
لكن صوت شهد اخترق الصخب، ممزوجًا بالذعر: الراجل ده بيقول ان بابا مجوزني له عرفي يا جلال… وانا اول مرة اشوفه في حياتي!!
تحوّلت ملامح جلال إلى وجه قاتم يقطر نارًا، وصوته خرج مشحونًا بالوعيد: بالذوق كده هتطلع الورقة للي كتبتها انت وابوها… ولا هخليك تطلعها بطريقتي
تراجع مختار بخوفٍ ظاهر، واندفع نحو الدولاب بخطوات مترددة، لكن جلال قبض على الروب من الخلف، مهسهسًا بصوت جليدي: أي حركة غدر منك هسيحلك دمك
تمتم مختار متلعثمًا: الخزنة… الخزنة في الدولاب
أدار جلال رأسه لشهد وهو يأمرها بنبرة حاسمة:
افتحي الدولاب
تقدّمت شهد بخطوات حذرة وفتحت الباب، ليخرج مختار من الخزنة عدة أوراق، لكن جلال خطفها من يده بسرعة، وقلب بها بعينين متوحشتين ليتأكد، ثم ألقى به أرضًا، وأشعل ولاعته فى الأوراق، فتصاعدت ألسنة النار لتلتهمهم، ثم دهسهما بقدمه حتى تحوّلا إلى رماد.
لم يكتفى بذلك، بل مدّ يده إلى الخزنة يُفتش، ليخرج منها أسطوانات وأقراصًا مدمجة، وبعد الصور لفضائح مختار مع فتياتٍ أخريات، فصاح الأخير هلعًا: للي بتعمله ده مش هيعدي، انت مش عارف ممكن اعمل فيك ايه؟
اقترب منه، وقال بتهديد صريح:
وانا عايز اشوف الراجل النطع للي زيك بيعمل، قسما عظما لو بس هوبت نحيتها… لا اكون ملبسك طرحة وافضحك بالقرف للي في إيدي
أنهى حديثه بإحتقار، ثم أطبق قبضته على يد شهد، وسحبها خلفه بخطوات حاسمة، تاركًا مختار غارقًا في خوفه وذله، وجدار الغرفة لا يزال يهتز من صدى كلماته.
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى…
دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد
ارتفع صوت والده بانفعال: ازاي الكلام ده! بعد اللي اتقال عليها؟! يا بني الناس مش هتسيبها في حالها واللي حصل ده كفاية يلطخ سمعتها طول العمر
ضـ,ـرب جلال بكفه على الطاولة، وارتجّ اركان المنزل حينما تحدث غاضبًا: مالهاش ذنب! هي معملتش حاجة تتحاسب عليها…
ودي هتبقى مراتي للي يرفع عينه فيها بنظرة ماتعجبيش هخزقهالو
هدأ الأب قليلًا أمام حدّة ابنه، لكن الأم لم تستسلم، تمتمت بحزنٍ وقلق: يعني عايز تضيع نفسك… بترفض هدى اللي من لحمك ودمك عشان البت دي؟
أجاب جلال بنبرةٍ حاسمة:
هدى مابشوفهاش غير اختي الصغيرة يا امي، والحوار ده شيلوه من دماغكو، هروح افاتح ام شهد في الحكاية، عشان احدد معاهم معاد نروح لهم واتقدملها مش طالب منكو غير انكو تباركو جوازة ابنكو الوحيد
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فى اليوم التالي
أشرقت الشمس فوق الحي الشعبي، لكن بيت سندس كان يعجّ بضوضاء غير مألوفة، أبواب الدواليب تُصفَق، والكراتين تتراكم واحدة فوق الأخرى، وروائح الغبار الممزوجة بعطر قديم يملأ المكان،
على العتبة الشقة، وقف جلال للحظة يلتقط أنفاسه، يحدّق في المشهد أمامه بعينين متسعتين، كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
كان في صدره ثقل غريب، خليط من القلق والرجاء، فما وجده بعثر ترتيب قلبه، كل شيء يشير إلى الرحيل.
خطا بخطوات ثابتة إلى الداخل، رغم أنفاسه المتسارعة، وفي عينيه لمعان صلب يخفي وراءه ارتباكًا دفينًا.
رفعت سندس رأسها نحوه، وقد غطى العرق جبينها من شدة الانشغال، وصوتها جاء مترددًا:
إزيك يا جلال يا بني…؟
اقترب منها قليلًا، ملامحه حادة لكن عينيه تنطقان بالقلق، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها مشوبة بغضب مكتوم: هو إيه اللي بيحصل هنا يا ست الكل؟… إيه الكراتين دي كلها علي فين العزم؟
ارتبكت سندس، تبادلت نظرة سريعة مع ابنتها شهد التي كانت تقف بجوارها تحمل غطاءً قديمًا، عيناها واسعتان تلمعان بالدمع، وشفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تنطق ولا تستطيع.
رفعت سندس يدها تمسح العرق عن جبينها قبل أن تقول بهدوء: خشي يا شهد اعملي شاي للمعلم، اتفضل استريح يا بني…
جلست سندس امامه مسترسلة بغصة، بعدما تأكدت من مغادرة شهد إلى المطبخ: احنا هنسيب البيت يا بني، الظروف ما بقتش سامحة نفضل في الحته بعد اللي حصل…
رفع حاجبيه بتعجب ممزوج بالغضب، وصوته الخشن انفلت ساخطًا: حتة ايه اللي عاوزين تسيبوها يا ست سندس!! مين قالك اني هسمحلكو تعملو كده؟
تنهدت سندس وكأن صدرها أثقل من الجبال، وردت وهي تجاهد كي لا تدمع عيناها: إحنا ماعادش ينفع نقعد هنا يا جلال… الناس مش سايبانا ف حالنا، وسمعة البنت بقت على كل لسان
جلال عضّ على أسنانه بشدة، وهتف بحدة عارمة: قطع لسان اللي يجيب سيرة حد فيكو بسوء طول ما انا عايش ماتقلقوش من حاجة يا ست سندس، انا جيت النهارده مخصوص… عشان أطلب شهد في الحلال على سنة الله ورسوله
شهقت سندس من المفاجأة: إيه اللي بتقوله ده يا جلال؟ انت بتكلم جد يا بني؟!
أدار وجهه جانبًا، كأن كبرياءه يمنعه من كشف ما في صدره، ثم عاد يحدّق بعينيها بثبات، قائلا ببرود:
وهي الامور دي فيها هزار يا ست سندس، انا اكتر من يعلم باللي حصل، وشهد ست العرايس وزينة بنات الحي كله ومفيش منها، الذنب مش ذنبها ولا ذنبكو، ومن الليلة هتبقي فيها مراتي وتشيل اسمي عهد عليا قدام ربنا هتكون في حمايتي لاخر يوم في عمري
في تلك اللحظة، كانت شهد خلف الباب نصف المفتوح، قدماها متصلبتان على الأرض، وعيناها دامعتان تتابعان كل كلمة خرجت من فمه، ظنّت لوهلة أن قلبها سيطير فرحًا، لكن كلماته كانت بمثابة خنجرًا اخترق أعماقها، فانسابت الدموع على وجنتيها بلا رحمة، لم تسمع في كلماته اعترافًا بحبٍ تترجاه منذ زمن، بل فقط شهامة جافة ورجولة
عنيدة، زواج بلا عشق، مجرد عقد ليحميها من كلام الناس.
أرادت أن تخرج وتصرخ في وجهه: لأ… مش عاوزة جوازك ليا يبقي شفقة منك!
لكن قدماها ارتجفتا، وصوتها انحبس في حلقها، حتى إذا تشجعت لتواجهه كان هو قد أنهى حديثه مع سندس، ثم دار بظهره وغادر الدرج بخطواتٍ حاسمة.
دخلت إليها أمها بعد لحظات، وعيناها لا تخفيان الدهشة والسعادة: سمعتي اللي قاله يا شهد؟ الراجل جه يطلبك، إيه رأيك؟
رفعت شهد يديها لتمسح دموعها بعصبية، وقالت بنبرة مفعمة الحزن: رأيي في إيه يا ماما؟! هو عاوز يتجوزني عشان يسكت السنة الناس عني! شايفني مسكينة محتاجة راجل ينقذها…
مش شايفني ست تستاهل يحبها
اقتربت سندس منها، أمسكت بيديها وأجبرتها أن تنظر في عينيها قائلة بصدق: بصي يا بنتي… جلال راجل جدع وابن حلال مصفي، وهيحطك ف عنيه، حتي لو مش بيحبك زي مابتقولي أنتي بشطارتك وبطيبتك تقدري تخليه يحبك…
انكمشت شهد بين ذراعي أمها، وبداخلها صراع مرير بين كرامتها الجريحة وقلبها العاشق الذي لا يعرف إلا جلال، دموعها لم تجف، لكن حين أغمضت عينيها، ارتسم وجهه في مخيلتها بصلابته وخطوط الغضب في ملامحه.
نظرت إلى أمها بعينين مغسولتين بالدمع، وأومأت باستسلامٍ: ماشي يا ماما…
اللي تشوفيه
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
امتلأت القاعة بألوان الزينة، وضجّ المكان بضحكات المهنئين وزغاريد النساء، كان الفرح كبيرًا، أكبر مما توقعت شهد.
بدت أمها وخالتها غارقتين في سعادة غامرة، وولدا خالتها الصغيران يركضان بين الطاولات، يلوحان لها ببالونات، ويهتفان باسم جلال بمرح طفولي، كانت تعلم كم يحبانه، وكم يفرحهما أن يصبح جزءًا رسميًا من حياتهما، ولم تشأ أن تُفسد تلك الفرحة على أحد، رغم أن قلبها كان يبكي في صمتٍ لا يسمعه أحد.
وحين انتهت الاحتفالات، وعاد الجميع إلى بيوتهم، وجدت نفسها أخيرًا وحيدة مع جلال في شقتهما الجديدة، الذى أغلق باب الغرفة وراءهما ببطء، ثم استدار إليها، عيناه تلتهمان ملامحها في صمت مهيب، فيه وله لا تخفى.
ارتجفت


