
قام وقف جنب الإزاز البانوراما، بص على القاهرة من فوق وقال بصوت واطي: “قريب أوي اليافطة اللي تحت دي هتتغير. هتبقى ‘شريف جروب’.” — على سطح بيت قديم في شبرا. أوضة مبنية بالطوب الأحمر، سقفها واطي والحر فيها يهد جبال. مروحة سقف بتلف بالعافية. هند قاعدة على مرتبة قديمة، قدامها لمبة صفرا مدلدلة من السقف، وبتخيط عباية سودا واسعة. إيديها متعودة على الإبرة من كتر ما خيطت لمرات خالها. الباب اتفتح برزعة. مرات خالها، ست جسمها مليان وصوتها عالي، دخلت رمت رغيف عيش وحتة جبنة قريش على الطبلية.
“خدي افطري. عشان تعرفي تخلصيلي العباية دي النهاردة. لولاي كان زمانك نايمة على الرصيف.” هند موقفتش خياطة، وقالت بصوت واطي: “تسلم إيدك يا مرات خالي.” “إيدي؟ إيدي اللي بتأكلك وتشربك من يوم ما أبوكِ وأمك ماتوا وسابوكي ليا. جميلة دي.” هند بلعت الكلمة زي ما بلعت ميت كلمة قبلها. عينها جت على جرنال قديم مفروشة تحت الطبلية. كان فيه إعلان متعلم عليه بدايرة حبر كبيرة. “مطلوب مربية أطفال مؤهل عالي. تربية طفولة، خبرة في التعامل مع حالات الصدمات النفسية للأطفال. السن لا يزيد عن 30. مرتب مجزي جداً + إقامة كاملة. المقابلة في فيلا الصرفي، كومباوند الياسمين.”
مرات خالها لحظتها بتبص. ضحكت بسخرية: “إيه؟ عجبك الإعلان؟ فاكرة نفسك هتروحي تشتغلي عند الناس المليونيرات دول؟ دول عايزين بنات من مدارس أجنبية، مش واحدة فاكرة نفسها متعلمة بشهادة مرمية.” هند ماردتش. بالليل، لما البيت كله نام، لمت حاجتها في شنطة قماش صغيرة. طرحتين، عباية تانية، صورة من شهادة التخرج بتاعتها، وصورة صغيرة لأمها وأبوها. كتبت ورقة بخط مهزوز: “حقك عليا يا مرات خالي. تعبتك معايا السنين اللي فاتت. أنا رايحة أدور على أكل عيشي. متدوريش عليا.”
حطت الورقة على المخدة، وباست شباك الأوضة اللي كان كل دنيتها، ونزلت في الفجرية والشوارع لسه ضلمة. — الساعة 9 الصبح. بوابة فيلا الصرفي الحديد الضخمة اتفتحت. هند واقفة قدامها، ماسكة شنطتها القماش في إيدها زي طوق نجاة. قلبها بيدق من الرهبة. ركبت تلات مواصلات وتاهت مرتين، بس وصلت. الجنينة واسعة ومنظمة، وفيها نافورة في النص. الفيلا نفسها تلات أدوار، وكلها إزاز ورخام. الأمن شاور لها: “أنتِ المربية الجديدة؟” هند هزت راسها بسرعة: “أيوه.”
“اتفضلي، الحاجة مستنياكي جوه.”
مشيت على الممر الرخام. حست إن خطوتها بتعمل صدى. الباب الخشب الضخم اتفتح. الحاجة صفية واقفة. ست في أوائل الستينات، لبسها بسيط بس شيك، حجابها مظبوط، ووشها فيه هيبة وحزن. عينيها مسحت هند من فوق لتحت. من الشنطة القماش، للجزمة القديمة، للوش الشاحب بس عينيه واسعين وفيهم كسرة مفهومة. “أنتِ هند؟” “أيوه يا حاجة. حضرتك الحاجة صفية؟” “أيوه يا بنتي. ادخلي.” الريسبشن كان برد. برد فلوس وفلل، وبرد حزن.
صفية ماضيعتش وقت: “بصي يا هند. أنا هكلمك بالبلدي. الشغلانة دي مش دلع. البنت اللي هتقعدي معاها بقالها 6 شهور ما نطقتش. شافت أمها بتمــ,,ـــــوت قدام عينها. وأبوها… أبوها عايش ميت.” هند بلعت ريقها. الكلام تقيل. “وأنا… أنا هحاول يا حاجة. أنا دارسة ده، وفاهمة يعني إيه طفل موجوع.” صفية بصت في عينيها كتير. شافت فيهم حاجة طمنتها. حاجة شبه اليتم اللي في عيون حفيدتها. “طيب. تعالي.” مشيت قداها في ممر طويل لحد ما وقفت قدام باب أوضة موف. فتحته بالراحة.
چودي كانت هناك، في نفس الركن، بنفس الدبدوب المقطوع، وبترسم نفس الشخابيط السوداء. رفعت وشها ثانية لما الباب اتفتح. عينيها العسلية بصت لهند. كانت عيون واحدة عندها 60 سنة مش 5 سنين. وبعدين رجعت تبص للورقة تاني كأن مفيش حد دخل. صفية وشوشت لهند: “هي دي چودي. بقالنا 6 شهور بنحاول نسمع صوتها. الدكاترة قالوا مفتاحها في الأمان.” هند قلبها وجعها. سابت شنطتها على الأرض بالراحة، ومسحت إيديها في عبايتها. قربت خطوتين ونزلت على ركبها، عشان تبقى في نفس مستوى البنت.
مبصتش لچودي مباشرة عشان متخوفهاش. بصت للدبدوب المقطوع اللي في حــ,,ـــــضنها. وقالت بصوت هادي، دافي، كأنها بتكلم نفسها: “يااه… الدبدوب ده شكله كان بيحارب. بطنه مفتوحة وزعلان.” سكتت ثانية، وسحبت إبرة وخيط من جيبها، كانت شايلاهم بالعادة. “تفتكري لو خيطناه سوا، بطنه هتخف والوجع يروح؟” القلم الأسود اللي في إيد چودي وقف. الخط الأسود اللي كانت بترسمه وقف في نص الورقة. ولأول مرة من يوم الدــ,,ـــــادثة، چودي رفعت راسها، وبصت لهند. بصت في عينيها بجد. مش بصة عابرة. بصة واحدة تايهة لقت حد ممكن يفهم.
يتبع… — الفصل الثاني: أول ضوء عدى أسبوع على دخول هند الفيلا. أسبوع كامل چودي مقالتش فيه حرف، بس هند برضه مقالتش كلمة “اتكلمي”. كانت بتصحى الفجر، تصلي، وتدخل أوضة چودي بشويش. تلاقيها صاحية، قاعدة في ركنها، حــ,,ـــــضنها الدبدوب اللي لسه بطنه مفتوحة.
هند متجريش عليها. تفرش سجادة صلاة صغيرة جنبها، وتطلع ورقة وألوان. “أنا هارسم وردة النهاردة.” وتقعد ترسم. وردة حمرا، شمس صفرا، بيت صغير ليه شباكين. كل يوم نفس الروتين. مفيش “يالا ارسمي”، مفيش “قولي ورايا”. بس صوت قلم هند على الورق، وصوتها الواطي وهي بتحكي:
“كان يا ما كان، كان فيه فراشة صغيرة جناحها اتكسر من الهوا الجامد. خافت تطير تاني. قعدت في ركن الوردة ومش عايزة تطلع. بس تعرفي؟ الوردة كل يوم كانت بتحكي لها حدوتة، لحد ما…” وتسكت. چودي ترفع عينيها ثانية، وبعدين ترجع تشخبط بالأسود. — في اليوم التامن، هند دخلت لقت چودي ماسكة ورقة فاضية. أول مرة متبقاش شخبطة. هند ابتسمت من جواها، بس وشها فضل هادي. قعدت جنبها وطلعت كيس صغير كانت شايلاه في جيب عبايتها من يوم ما سابت شبرا.
“كنت شايلة دول معايا. قلت يمكن نحتاجهم.” طلعت بذور صغيرة في إيدها. “دي بذور ورد بلدي. تحبي نزرعها سوا في الجنينة؟ نسقيها كل يوم، ونتفرج عليها وهي بتكبر.” چودي بصت للبذور، وبعدين بصت لإيد هند. ممدتش إيدها، بس مهزتش راسها بالرفض. هند فهمت الإشارة. “خلاص، هزرعها أنا، وإنتي لو عايزة تتفرجي تعالي.” نزلت الجنينة وچودي وراها على بعد مترين. هند حفرت حفرة صغيرة بإيديها، حطت البذور، وغطتها. “شايفة؟ دلوقتي هنسقيها. المية دي زي الحنية. لو كترت تخنق، ولو قلت تمــ,,ـــــوت.”
چودي كانت واقفة بعيد، حاضنة الدبدوب، وعينيها على إيدين هند اللي فيها طين. بالليل، هند كانت بتخيط زرار لعباية صفية. چودي دخلت الأوضة بشويش، وقفت ثواني، وبعدين مدت إيدها. الدبدوب المقطوع. حطته في حجر هند، وشاورت على بطنه المفتوحة، وبصت لها. هند قلبها وقع. الدكتور كان قايل لصفية: “أول ما تتفاعل حتى بإشارة، يبقى ابتدينا نكسبها”. مسكت الدبدوب وقالت بصوت مبحوح: “عايزاني أعالجه؟” چودي هزت راسها هزة صغيرة. أول تفاعل مباشر من 6 شهور.
هند حــ,,ـــــضنت الدبدوب: “حاضر يا چودي. هخيطه قدامك حالاً.” طلعت الإبرة والخيط، وبدأت تلم الجرح القماش غرزة غرزة. چودي قعدت قدامها مربعة، وعينيها متابعاها كأنها بتعمل عملية جراحية. لما خلصت، هند نفخت في بطن الدبدوب وابتسمت: “خف. بقى كويس. مش هيوجعه تاني.” مدت الدبدوب لچودي. چودي خدته، ضمته، ولأول مرة دفــ,,ـــــنت وشها في فروته. الليلة دي چودي نامت وهي حــ,,ـــــضناه، وبطنه مقفولة. — ماهر كان واقف فوق، في نهاية السلم، بيتفرج.
بقاله أسبوع بيسمع صوت واطي جاي من أوضة بنته. مش صوت عياط. صوت حدوتة.

