
عزا أختي… جوزها همسلي وقال: “هي ما سابتش حاجة”.. لكن لما فتحت شنطتها اكتشفت الحقيقة! الجزء الأول: الزوج المكلوم العزا اتعمل في قاعة شيك على النيل في الزمالك، نفس المكان اللي أختي ياسمين عملت فيه أول عرض أزياء خاص بيها من خمس سنين. المكان كان مليان بريحة القهوة السادة، والهوا اللي داخل من المطر، وريحة الورد الأبيض اللي كانت مالية القاعة.
ياسمين كانت مختلفة عن أي حد. كانت مصممة أزياء ناجحة، بنت نفسها بنفسها، بدأت بماكينة خياطة قديمة في شقة إيجار صغيرة، ولحد ما بقى اسمها معروف، والفنانات والمشاهير بيتنافسوا يلبسوا من تصميماتها. لكن مرض سرطان الدم الشرس خطفها مننا بسرعة، وفي كام شهر بس، البنت اللي كانت كلها حياة وحماس بقت بتدبل قدام عينينا لحد ما فارقت الدنيا. كنت واقفة جنب الشباك، ووجع كبير مالي قلبي، ببص على الناس اللي جايين يعزوا… رجال أعمال، فنانين، صحفيين، وكل واحد بيقول كلمتين ويمشي. لكن عيني كانت على شخص واحد بس… شريف.
شريف، جوز أختي، كان راجل بيعرف يتكلم ويقنع أي حد. كان بيقول إنه مستشار تسويق، واتعرف على ياسمين واتجوزها بعد ما بدأت تنجح. وهي كانت بتقضي الليل والنهار في شغلها ورسوماتها، وهو كان ماسك حسابات الشركة. والغريب إن الحسابات دي، في آخر فترة، بقت فيها حاجات كتير مش مفهومة. كان واقف وسط الناس جنب أشهر فستان صممته ياسمين، وبيمثل دور الزوج المكسور بإتقان. لابس بدلة غالية مفصلة مخصوص، وكل شوية يحضن حد جاي يعزيه، ويحط منديل على عينه… رغم إن دمعة واحدة ما نزلتش.
وكان ضامم لصدره بقوة شنطة جلد نبيتي فخمة، أشهر تصميم عملته ياسمين، ودي كانت شنطتها الشخصية اللي عمرها ما كانت بتخرج من غيرها. ما قدرتش أستحمل المنظر أكتر من كده، فاتجهت ناحيته. قلت له وأنا بحاول أمسك أعصابي: “يا شريف… المحامي كلمني الصبح. قال إن حسابات الشركة فاضية تمامًا، وحتى إيجار الأتيليه متدفعش.” بصلي بابتسامة كلها شفقة مصطنعة، وقرب مني وهوطى صوته عشان محدش من الصحفيين والناس الواقفة حوالينا يسمعه.
ابتسم شريف ابتسامة باردة، وقرب مني وقال بصوت واطي: “ياسمين ماتت… وسابت وراها ديون أكتر ما سابت فلوس. انسي الشركة، وانسي أي أمل.” بصيت له وأنا حاسة إن في حاجة غلط. ياسمين كانت بتحاسب على كل جنيه، ومستحيل توصل للحالة دي. وقبل ما أرد، لاحظت إيده وهي بتتزحلق بهدوء على شنطة ياسمين اللي كان ضاممها لصدره. فتح السوستة سنة صغيرة، وبسرعة البرق دخل إيده جوه، وكأنه بيدور على حاجة معينة.
أول ما حس إني واخدة بالي، قفل الشنطة بسرعة وقال بابتسامة متصنعة: “دي آخر حاجة فاضلة منها… هحتفظ بيها للذكرى.” الكلام دخل ودن، لكن المنظر فضل ثابت قدام عيني. بعد انتهاء العزا، الكل بدأ يمشي، وشريف انشغل مع الصحفيين. استغليت اللحظة، ودخلت أوضة صغيرة كانت ياسمين بتستخدمها وقت تجهيز عروض الأزياء. بعد دقايق، الباب اتفتح بهدوء. كانت “أم عبده”… الست الكبيرة اللي كانت شغالة مع ياسمين من أول يوم. بصت حواليها واتأكدت إن محدش سامع، وبعدين طلعت من جيبها مفتاح صغير جدًا.
قالت وهي بتترعش: “مدام ياسمين ادتني المفتاح ده قبل ما تموت بيومين… وقالتلي لو حصلها حاجة، أسلمهولك إنتِ وبس.” اتسمرت مكاني. “مفتاح إيه؟” قالت: “معرفش… بس قالتلي بالحرف… أوعي شريف يشوفه، لأنه لو وصل له الأول… الحقيقة كلها هتضيع.” حسيت بقشعريرة في جسمي. خدت المفتاح، ولقيت مربوط فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيد ياسمين: “لو بتقري الرسالة دي… يبقى أنا كنت صح. شريف هيحاول يسرق كل حاجة. متفتحيش الشنطة غير في البيت… ولو لقيتي اللي جواها، اهربي فورًا.”
رجعت البيت وأنا قلبي بيدق بعنف. قفلت الباب بالمفتاح، وحطيت شنطة ياسمين قدامي. فتحتها بحذر… في البداية كانت فيها حاجات عادية… محفظة، روج، نضارة، ومفاتيح العربية. لكن وأنا بمرر إيدي على بطانة الشنطة، حسيت بحاجة غريبة. البطانة كانت سميكة بشكل غير طبيعي. قطعتها بحذر… واتصدمت. كان جواها فلاشة صغيرة، ومظروف بني مختوم. أول ما فتحت المظروف، وقعت منه صور. الصدمة إن الصور كانت لشريف… واقف جوه بنك مع مدير الفرع، وهو بيستلم شنط مليانة فلوس.
وفي صورة تانية… كان واقف جنب دكتور ياسمين الخاص، وبيسلمه ظرف أبيض. أما آخر صورة… فخلت الدم يتجمد في عروقي. كانت ياسمين نايمة على سرير المستشفى، باين عليها التعب… وشريف واقف جنبها، لكنه ماكانش بيبصلها. كان بيحقن حاجة بنفسه في محلولها… بعيد عن عين الممرضات. وفي نفس اللحظة، اشتغل الفلاشة تلقائيًا. وظهر فيديو لياسمين، وهي بتبكي وبتقول: “لو الفيديو ده وصل ليكي… يبقى شريف نجح يقتلني… لكنه مش هيقدر يهرب من اللي خبأته عنه.”
وقبل ما الفيديو يكمل… سمعت صوت مفتاح بيلف في باب شقتي… مع إني كنت متأكدة… إني قفلته من جوا. اتجمدت في مكاني. بصيت ناحية الباب، وصوت المفتاح بيلف ببطء… وبعد ثواني الباب اتفتح فعلًا. دخل شريف. كان واقف قدامي، وابتسامته اختفت أول ما لمح الصور والفلاشة على الترابيزة. قال بهدوء مرعب: “يبدو إنك وصلتي للحاجة اللي كان المفروض متوصليش لها.” حاولت أخبي الفلاشة بسرعة، لكنه قفل الباب بالمفتاح، وسحب المفتاح من الباب وحطه في جيبه.
“اديني اللي في إيدك… ومتخلنيش أعمل حاجة أندم عليها.” رجعت لورا خطوة، وأنا بمسك موبايلي في هدوء، وضغطت زر التسجيل من غير ما يحس. قلتله: “إنت اللي قتلت ياسمين، صح؟” ضحك… ضحكة خلت جسمي يقشعر. “قتلتها؟ لا… أنا بس خلت المرض يخلص شغله أسرع.” حسيت إن الأرض بتلف بيا. كمل وهو بيبص للصور: “الدكتور كان محتاج فلوس… وأنا كنت محتاج الميراث. صفقة بسيطة.” وفي اللحظة دي… رن جرس الباب. شريف اتوتر لأول مرة.
بص من العين السحرية، واتغير لون وشه. همس: “مستحيل…!” استغلّيت لحظة شروده، وجريت ناحية المطبخ، وخطفت الفلاشة، وبعت الفيديو والصور لنفسي على الإيميل في ثواني. أول ما خلصت… سمعت صوت تكسير. شريف كسر الباب وجري عليا. شد الفلاشة من إيدي ورماها على الأرض وداس عليها برجله لحد ما اتكسرت. ابتسم وقال: “خلصنا.” لكن ابتسامته اختفت لما رفعت له الموبايل. قلت بابتسامة: “للأسف… اللي على الفلاشة بقى عند أكتر من نسخة.”
قبل ما يرد… الباب الخارجي اتفتح بقوة. دخل ثلاثة رجال ببدل رسمية. واحد منهم طلع بطاقته وقال: “إحنا من الرقابة الإدارية… وفي أمر بالقبض على الأستاذ شريف.” شريف بصلي بصدمة. “إنتِ بلغتي؟” الرجل رد بدلًا مني: “لأ… اللي بلغنا هي المرحومة ياسمين.” كلنا سكتنا. فتح الضابط مظروفًا كان معاه، وقال: “قبل وفاتها بأسبوع، سجلت بلاغ رسمي، وسلمتنا ملف كامل، وطلبت إننا منفذوش إلا بعد وفاتها… لأنها كانت متأكدة إن اللي بيحاول يقتلها هيكشف نفسه أول ما يحس إن الأدلة ظهرت.”
شريف انهار لأول مرة. لكن وهو بيلبسوا الكلبشات… ابتسم ابتسامة غريبة وقال: “إنتوا فاكرين إن اللعبة خلصت؟” بصيتله باستغراب. قال وهو بيضحك: “اللي في الصور مش أكبر سر… ياسمين نفسها كانت مخبية عنكم حاجة لو عرفتوها… هتكرهوا ذكراها للأبد.” وساعتها رمى جملة خلت الجميع يتجمد: “ياسمين… لسه عايشة.” ساد الصمت في المكان. الضباط بصوا لبعضهم، وأنا حسيت إن قلبي وقف. قبل ما ياخدوه، قال آخر جملة: “ولو عايزين تعرفوا هي فين… دوروا على الشخص اللي حضر جنازتها وهو عارف إنها ما ماتتش.”
اتقفل باب القسم ورا شريف، لكن كلمته الأخيرة فضلت بتدوي في دماغي: “ياسمين لسه عايشة.” كان مستحيل. أنا اللي استلمت شهادة الوفاة بإيدي… وأنا اللي حضرت دفنها. بصيت للضابط وقلت بانفعال: “هو بيكدب… صح؟” لكن الضابط ما ردش. فتح الملف اللي كانت ياسمين سايباه، وطلع منه ظرف مكتوب عليه: “ما يتفتحش إلا لو شريف قال إني لسه عايشة.” بصينا لبعض في ذهول.


