الفصل الثاني وانصهر الجليد ج3 بقلم شروق مصطفى
– يلا انزل… ياعم النحنوح أنت والأمورة اللي معاك كده وريني نفسك.. نزل من السيارة بكل شموخ وكأن الأرض لا تسعه، وبدون أي تمهيد، انقضّ على الأمين ممسكًا بياقة بدلته، وصوته يخرج كصفير الأفعى، حادًا وباردًا: _ إنت أد اللي عملته دا. أخرج الكارنيه الخاص بجهاز المخابرات، لا يزال مشتبكًا معه، يحدّق فيه بعينين ملتهبتين بالغضـ،ـب، وكأن نظرته وحدها كفيلة بإيقاع العقاب.
لم تمر لحظات حتى وصل الضابط الآخر، وحين أبصر وجه عاصم عرفه مباشرة، أدّى له تحية عسكرية خاصة، نبرة صوته خافتة ومليئة بالرهبة:
_ تمام يا فندم، إحنا آسفين جدًا، معاليك. لم ينبس عاصم ببنت شفة، اكتفى بنظرة صارمة، قبل أن يستدير، يركب سيارته، وينطلق مبتعدًا. وبينما كانت عجلات السيارة تلتهم الطريق وصوت أنفاسه عاليه، انطلقت ضحكة عالية من المقعد المجاور. التفت إليها بنظرة نارية، لكنها كانت تحاول عبثًا كتمان ضحكتها.
قالت سيلا، بصوت مرتجف من الضحك: _ بس ما تنكرش إنك كنت نِحنوح… واتمسكنا متلبسين يا حضرة الظابط نحنوح… غمز لها عاصم بنظرة ماكرة:
_ فرحانة فيا؟ ماشي… لينا بيت، يا سيلا، وشوفي النحنوح ده هيعمل فيكي إيه. ابتسم بمكر، وضغط على دواسة البنزين، منطلقًا في الطريق. وصلوا إلى البيت ترجل من السيارة ودار حولها ببطء، فتح لها الباب وأشار بيده وهو يقول بنبرة منخفضة، تنضح بالثقة:
_ اتفضلي يا حرم النحنوح.
ضحكت سيلا وهي تخطو إلى الداخل:
_ إنت ناوي على إيه بالضبط؟ أغلق الباب خلفها بهدوء، وخطا نحوها، صوته ينساب كهمس الليل، يحمل شيئًا من المزاح وكثيرًا من التهـ،ـديد اللذيذ: _ ناوي أورّيكي يعني إيه تعيشي مع ضابط مخـ،ـابرات نِحنوح. قهقهت وهي تبتعد عنه قليلاً، تقول بخفة:
_ بس إنت شكلك واخد الدور بجد. مدّ يده نحوها بخفة:
_ تعالي هنا، وخليكي جريئة زي ما كنتي من شوية.
تقدّمت منه خطوة، عيناها لا تزالان معلّقتين بعينيه، ثم فجأة، أطلقت ضحكة قصيرة، ضحكة ملأت المكان بشيء من الحياة والعبث، وقالت بمرحٍ مراوغ، وكأنها تؤجل المواجهة للحظة التي تختارها هي:
– دا بعدك. ثم استدارت بسرعة، وركضت بخفة نحو الداخل، ضحكتها تسبقها، وأغلقت باب الغرفة خلفها في حركة مسرحية، تاركة عاصم واقفًا في مكانه، يحدّق في الباب المغلق، وابتسامة لا إرادية تتسلل إلى وجهه.
تمتم بحنق، وهو يخطو ببطء نحو الباب، نظراته مشتعلة بمزيج من التحدي والدهشة:
– سيلا… إنتي بتلعبي بالنـ،ـار. اقترب أكثر، خطواته ثابتة كمن يتهيأ لمعركة من نوع خاص. وضع يده على المقبض، تأمله لحظة، ثم أدار المقبض ببطء، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للتراجع. لكن الباب كان مغلقًا من الداخل. ابتسم ابتسامة جانبية، ساخرة، ورفع حاجبيه كأنها زادته إصرارًا لا تراجع فيه. تمتم مجددًا، نبرته تحمل وعدًا مريبًا: – ماشي… وريني بقى هتستخبي لحد إمتى. مدّ يده وطرق الباب طرقًا خفيفًا، نبرته هذه المرة أكثر هدوءًا، لكنها مشبعة بذلك الغموض الخطير:
– افتحي يا سيلا… أنتي اللي بدأتي اللعبة.