دلفت مي إلى منزلها بإرهاق، فوجدت أخيها وأولاده يمرحون حولها بسعادة. “خالتو جت!”
نزلت إلى مستواهم وقبّلتهم بحب:
“حبايب قلبي يا ناس، وحشتوني أوي!” مازن، الأكبر ذو الست سنوات، وعلي، يصغره بعامين، قال بشقاوة اعتادت عليها منهم:
“فين الشوكولاتة يا خالتو؟” قهقهت بمرح، وأخرجت من حقيبتها بعض الحلوى:
“دي بتاعتك إنت وأخوك، يلا يلا جوّه.” دخلت خلفهم، وألقت التحية عليهم، ثم جلست بجانب أمل وقالت لها:
“وحشتيني أوي، بقالكم فترة ماجيتوش، وحشوني أوي… القرود دول.”
أردفت أمل بمرحها المعتاد:
“أهم القرود دول اللي شاغلني! لولاهم، كنت هنا على طول. بس إنتي عارفة المدرسة ودروس مازن، وعلي كمان بدأ له تأسيس، مدرسين طول الأسبوع.” ابتسمت لها الأخرى:
“ربنا معاكي يارب… أمال فين هيثم؟ مجاش ولا إيه؟” “لا، وصلهم وراح شغله، وهييجي بالليل ياخدهم.”
هكذا تحدثت والدتها. “طيب، هقوم أغير وأجي، نِرغي مع بعض.” نهضت وتركتهم لتبديل ثيابها، فسمعت صوت إشعار هاتفها بوصول رسالة له:
“وصلتي؟ طمنيني.”
جلست على الفراش، وشعرت ببعض الضيق يعتريها لما تفعله، ثم أرسلت له:
“آه، وصلت تمام. هقفل عشان عندي مرات أخويا وأولادهم، مش هيفضى أكلمك.” راسلها برسالة:
“ليه كده؟ كنت محتاج أتكلم معاكي.” فكتبت له سريعًا ثم أغلقت المحادثة:
“صعب، نتكلم بعدين… باي.” كادت أن تخرج، لكنها استمعت إلى حديثهم الذي آلم قلبها.
استمعت إلى أمل تقول:
“يعني يا طنط، مفيش فرصة حتى تشوفيه؟ يمكن يحصل قبول! هو صاحب هيثم في المركز، ومنفصل، ومعندوش أولاد… شايفاه مناسب جدًا، شاب كويس جدًا بجد.”
كادت الأم أن ترد، لكنها… 🌹🌹🌹🌹
الفصل السادس
كادت الأم أن ترد، لكنها أغلقت الحديث مع أمل عندما حضرت ابنتها، فجلست جانبهم، فصمتوا فجأة.
تحدثت مي بعدها بمرح:
“ها ها، هنتغدى إيه النهارده؟ أنا شامّة ريحة محشي، صح؟ ولا بيتهيألي؟ أوعوا تكونوا أكلتوا من ورايا، أزعل والله! وأجيب الناس اللي في الشارع اللي ورانا يزعلوا معايا!” ظلّت تضحك معهما، وضحكا معها أيضًا. قالت أمل وهي تضحك وتغمز لها:
“آه، محشي طبعًا، بإمارة إني جيت من بدري وساعدت ماما كمان! الناس اللي بتيجي تاكل على الجاهز دي، ها!”
تقمّصت مي شخصية درامية:
“آه، قلبي الصغير لا يتحمل… محشي! وأمل بنفسها تحشيه! إحنا أصلًا مش بنشوف المحشي إلا بوجودك يا أمولتي… الحب كله! ما تجيبي بوسة يا بت انتي!” ابتعدت أمل عنها وهي تضحك، فقد اقتربت منها مي لتقبّلها غصبًا.
، خلاص، مش عاوز حاجة، خلاص، أنا جعت! مش هتأكلوني ولا إيه؟ أنا تعبانة فيه من الصبح! هتفت مي أيضًا:
وأنا جعانة! يلا يا أمل نصبّر العيال الغلابة دول، وإحنا معاهم كمان.
نهضت مي وأمل سويًا… مساءً، نهضت مي لتحضّر الشاي، وقد حضر هيثم، الذي فاتح والدته بخصوص عرض زواج صديقه بأخته، لكن والدته طلبت منه الصبر قليلًا لإعطائها المساحة الكافية لبدء تجربة جديدة، حتى لا تؤثر سلبًا على حالتها، فقلبها ما زال به جرح: سيبها شوية يا هيثم، وهو لو مستعجل يشوف حد تاني. أنا بنتي مش مستعجلة تاني، خلاص، إحنا اتقرصنا مرة. قال هيثم:
“يعني أقوله يستنى؟ ولا أقوله لأ؟”
ردّت نبيلة:
“هو شافها فين؟ أو يعرفها منين عشان يستنى؟ ممكن يكون عاوز يتجوز أي حد وخلاص! لو كده يا بني، قوله إحنا مش مستعجلين. البنت لسه خارجة من تجربة فاشلة، مش حِمل تجربة تانية، مش جواز وخلاص! نفسيتها مش هتستحمل.
أنا سايباها تشتغل وتفك عن نفسها وتثبت نفسها، ولما تقف على رجليها، وتلاقي اللي يستحقها، وقتها تبدأ من جديد.
بس دلوقتي… لأ. لو هو عايز يستنى، براحته. وهي بقى…
هس مش عاوزاها تسمع حاجة… أهي جاية.
انتهى اليوم، وغادر إلى منزله. خرجت مي إلى والدتها لتسألها بمكر:
“مامتي حبيبتي، هو إنتوا النهارده كنتوا بتنموا عليا في إيه؟ إنتي وأمولتي؟ جايبين لي عريس يا بوي ولا إيه؟” تعجّبت الأم من معرفتها بالأمر:
“هي اللي قالتلك؟ ولا إيه؟” قهقهت الأخيرة، ورفعت حاجبيها لأعلى:
“لا، أنا وداني بتجيب من العاشر! ها بقى، مين تعيس الحظ اللي أمه داعياله ده؟” وكزتها والدتها بذراعها:
“بس يا بت! بطّلي مناهدة! هو إنتي عاوزة تدخلي في علاقة جديدة ولا إيه؟ راسيني برده، أحب يكون عندي علم.”
تنهدت الأخرى بنفي قاطع:
“لا طبعًا، أنا؟ يا عسل انتي! استحالة أدخل في تجربة جديدة بعد اللي شوفته.” ابتسمت الأم بوجع داخلي، لكنها لم تُظهره لها:
“ليه استحالة؟ العمر قدامك، والفرص لسه موجودة. ده اللي ادك لسه مفتحش بيت!
بس أنا من رأيي إنك لسه عودك طري، ومحتاجة تشدي على نفسك، وتوقفي على رجلك، وبعد كده تفكّري براحتك.
أنا نفسي أشوف عوضك أوي… بس كله بأوانه، جميل.
يلا يا بت، قومي نامي، عندي شغل بدري.”
قالت مي:
“أحم أحم، هو أنا ماقولتلكيش؟ ولا إيه؟ أصل أنا أخدت إجازة تلات أيام كده من المستر، الصراحة، سيلا كلمتني النهارده وطلبت مني، وعلى الأخص إني أجيبك معايا كمان، محتاجاك أوي يا ماما، محتاجانا جنبها الفترة دي، هي في إسكندرية أصلًا.” قطعت كلامها والدتها بسؤال مندهش:
“إيه اللي وداها إسكندرية يا بت في الجو ده؟” “أحم، أصل هي شدّت مع عاصم شوية… بسبب الموضوع إياه. المهم، هي قاعدة لوحدها هناك، وطلبت أروح أقعد معاها، وقلت برده فرصة أغيّر جو أنا كمان. ومصممة تيجي معايا، محتجاكم أوي.
صوتها كان مخنوق أوي يا ماما شكلها تعبانة
قالت الأم بتردد:
“يا حبيبتي يا بنتي، بس مين هيودينا في الجو ده؟ ثم…” فكرت مي قليلًا بعد أن ألمّ بها قلبها:
هو هيثم… هكلمه وأخليه يودينا بالليل بعد شغله حتى. يلا قومي نامي، وبكره فرّحيها، وقوليلها هنكون عندك الفجر. “حبيبتي يا أجمل أم… خدي بوسة!”
“بقى يا قمر إنتي.”
قبّلتها من وجنتيها بحب، وركضت إلى غرفتها، جذبت الهاتف لترى إن كانت هناك رسائل منه، لكنها لم تجد شيئًا.
تركت هاتفها بإهمال، متضايقة من ذاتها لحديثها مع ذلك الشخص الغريب. لم ترتح لعلاقتها به بتلك الطريقة. كان ضميرها يؤنّبها، لكنها بتلقائية تتحدث معه، وتنسى كل شيء، ثم تعود لتحدثه من جديد.
دثّرت نفسها جيدًا بالغطاء وذهبت إلى نوم عميق، لكنه لم يخلُ من بعض الكوابيس المزعجة مؤخرًا. رأت نفسها داخل غرفة مغلقة مطلية بالأبيض، كل شيء بنفس اللون.
تدور وتبحث عن مخرج للخروج منها، لكنها لم تجد، ولم تستطع.
ظلت حبيسة بها، جلست القرفصاء تحتضن نفسها، وصوت شهقاتها العالية يزداد أكثر، حتى نهضت فزعًا، جبينها يتصبب عرقًا.
تحسّست جانبها، حتى تناولت كوبًا من الماء لتهدأ من روعها، ثم تلت بعض آياتٍ من القرآن، وغفت بعدها… في صباح اليوم التالي، رحّبت بهم سيلا باشتياق كبير، وضحكت من مرح مي، ولم تترك حضنها، وبدأت تقبّلها من جميع الاتجاهات: “حبيبي، حبيبي! شوفتي؟ مقدرناش نستنى الفجر إزاي؟ وجينا على طول!”
قالت سيلا بحب وهي تدفع مي جانبًا لترحب بوالدتها:
“أهلاً يا ماما… تعالي، البت دي رغّاية أوي، مستحملينها إزاي كده؟ وسّعي كده طيب!” ردّت مي، وهي ترفع أحد حاجبيها بعدم رضا من كلامها:
“بقى ده الاستقبال اللي أنا مستنياه؟! لا، أنا هاخد نفسيتي وأمشي من البلد دي! ده أنا اتحايلت على هيثم مخصوص يجيبنا بدري… يا ندلة!” “يخيبك يا بت، اسكتي! أبدًا، ده كان نص يوم، أول ما خلّص جه وأخدنا على طول!”
ابتسمت لهم سيلا وهتفت:
“تعالوا طيب، ادخلوا بسرعة، الجو شكله هيقلب.” خرج هيثم من السيارة وألقى التحية على سيلا، ثم أخرج حقائبهم أمام الباب. قالت له سيلا:
“تعالى يا هيثم، ادخل ريّح شوية، الطريق كان طويل.” ردّ هيثم:
“معلش، عشان ألحق أرجع.” ثم ركب سيارته وغادر… دلفتا سويًا إلى الشاليه، وهو عبارة عن باب خارجي يتبعه ممر ضيق يؤدي إلى باب الشقة الداخلي. أدخلت سيلا الحقائب داخل إحدى الغرف، فهتفت مي لوالدتها:
“ارتاحي شوية يا ماما، شكلك تعبانة من قعدة العربية.” “آه، هريح رجلي شوية كده…”
ثم تركتهم ودلفت إلى الغرفة لترتاح من طول الطريق. جلست مي مع صديقتها بالخارج وسألتها:
“ها يا ستي، إيه الأخبار معاكي؟”