فجأة، استمعت إلى صوت دربكة باتجاه الباب الداخلي… كان الجناح كبيرًا جدًا، يبدأ بصالة واسعة تحتوي على كنبة وطاولة وشازلونج، وشرفة تطل على حوض السباحة، أما غرفة النوم فلها باب خاص.
تقدّمت بخطوات تكاد تكون منعدمة بسبب انقباض قلبها، ثم مرّرت الكارت مرة أخرى وفتحته ببطء.
اتّسعت عيناها على ذلك المشهد المريع…
زوجها وامرأة أخرى بين أحضان بعضهما، في مشهد غرامي مثير يهتز له البدن.
صُعقت مما رأت، وظل عقلها يترجم ويحلل:
أهذا هو عاصم؟ شريك دربها؟
أمامه، عاري الصدر، بأحضان امرأة أخرى!
لهذا رفضها؟
أم استغل تلك الفرصة لينعم برفقة النساء؟!
بعد لحظات من الصدمة، استعادت وعيها وعادت إلى رشدها، تراجعت بخطوات مرتعشة إلى الخلف،
ماتت الكلمات في حلقها، شُلّت حواسها، قُـ,ــ,ـتل كل شيء حولها،
لم ترَ سوى ذلك المشهد أمام عينيها.
عقلها توقّف في تلك اللحظة.
أصبحت الدنيا ضئيلة، خانقة.
حبست دموعها، فالوقت ليس للبكاء.
لقد أنهى حياتهما بلا رجعة.
بالفعل، كما قال… صعب؟ لا، بل مستحيل. هرولت بكل ما أوتيت من قوة،
ظلت تركض وتتصادم مع من يقابلها، لم تلتفت إلى الخلف.
رآها عامر، وكان واقفًا مع الفوج الجديد،
شاهد ركضها السريع وانهيارها، ثم لمح عاصم يهرول خلفها.
توقف عامر باستفهام:
ـ عاصم، فيه إيه؟ إيه اللي حصل بينكم؟! كان عاصم يلهث بصعوبة، وقد ضاع أثرها،
نفخ بضيق، شدّ على شعره، وكوّر قبضته بغضب: ـ إيه اللي جابها دلوقتي؟! يا ربي، مين اللي عطاها كارت الجناح؟! ردّ عامر بعدم فهم: ـ أنا يا عاصم! في إيه؟! قالتلي إنها عاملة لك مفاجأة، وأعطيتها الكارت…
إيه اللي حصل لكل ده؟! هدر صوته عاليًا في وجهه: ـ إنت مش فاهم حاجة خالص! لازم ألحقها بسرعة!
تركه وركض إلى الخارج يبحث عنها،
حاول مهاتفتها، لكن دون جدوى.
هتف وهو يشد على شعره بعنف: ـ يا ربــــي! عاد إلى جناحه وجلس على الفراش بألم،
الآن فقط شعر أن ظهره قد انقسم،
وأصبح الرجوع شبه مستحيل بعد أن رأته بهذا الشكل.
أغمض عينيه بوجع، يتخيل هيئتها وصدمتها،
كيف لم تستطع حتى الحديث أو إصدار أي ردّ فعل؟!
نهض فجأة يصرخ بأعلى صوته،
أخذ يكسّر كل شيء أمامه،
أصبح كالثور الهائج، من يقف أمامه يقـ,ــ,ـتله من فرط الغضب.
أمسك بأنتيكة موضوعة على المنضدة،
قذفها نحو المرآة،
تحطّمت لأجزاء صغيرة، وصورته فيها مكسورة كحال قلبه الآن.
جثا على ركبتيه بضعف،
والجناح من حوله أصبح أنقاضًا،
ثم أجهش ببكاء مرير. من قال إن دموع الرجل ضعف؟
بل هي من شدة الفقد،
فأشد فراق هو فراق الروح للجسد…
وهي كانت روحه.
والآن… لم يتبقَّ سوى جسدٍ بلا روح.
أما سيلا، فلم ترَ أمامها شيئًا،
فقط تركض بلا هدف،
عبراتها تتساقط كالشلال،
تحاول أن تمحو من عقلها ما رأته عيناها.
أجهشت ببكاء مرير حتى انعدمت رؤيتها،
وزاد ركضها أكثر وأكثر،
تريد الابتعاد قدر الإمكان،
ولم ترَ تلك السيارة المسرعة التي أمامها.
أخذتها بكل رحب وسعة،
قذفتها لأعلى مسافة،
ثم سقطت على الأرضية…
صبغتها بلون الدم،
وأصبحت بلا حراك.
…
“جهاز الصاعق بسرعة القلب وقف. الحالة بتضيع منا.”
هاتف شخص آخر: “الضغط واطي.”
رد طبيب آخر: “الأكسجين بدأ يقل.”