Uncategorized

عرف صعيدى

_ حرك “طاهر” رأسه مستنكراً لما يصغي إليه، حتماً يحلم هذا ليس بوالده الذي عاش معه تلك الأعوام الماضية، أخذ زفيراً وأخرجه ببطئ وردد بنبرة محتقنة:-
ميتي بجيت بالجسوة دي؟ جبت جحود الجلب ديه منين؟ أني حاسس إني معرفكش واصل أنت مين؟ لا يمكن تكون أبوي كدوتي اللي بضرب بيه المثل في كل حديتي!! _ صعق “حمدان” من حديث ولده الذي وصفه به، توجه نحوه وأشار على عقله مستاءً منه:-
جرب تبجي زيي والدنيا كلاتها هتكون في يدك

_ أجابه بإنفعال شديد مبدي رفضه التام أن يشبه:-
أني معايزش أكون شبهك واصل أني بخاف ربنا كيف ما علمتني وأني صغير فاكر ربنا يا بوي؟ ولا شكلك نسيته ونسيت عقابه اللي عشت تخوفني منه لو صدر مني غلطة!! _ إستطاع طاهر النجاح في تأنيب ضمير والده الذي إنفجر به بصوت عالٍ يمحي أي صراع سيعيشه من خلف حديثه بصراخه عليه:-
إنكشح من جدامي داهية تجرفك أنت واللي عيتحدت معاك بعد إكده

_ تقوس ثغر طاهر بإستحقار بائن على تقاسيم وجهه، أولاه ظهره وأنسحب خارج المنزل مهرولاً لا يطيق المكوث معه في المكان نفسه، لابد أن يقف بجوار حبيبته بالتأكيد قد تبدد الحزن في قلبها، هو تمني أن تكون حلاله يوماً بأي طريقة لكنه لم يرضي تلك الطريقة، سلك أقصر طريق يوصله إلى السرايا، عقله منشغل بعشرات الأسئلة التي تدور حول لقائه مع عائلة الجبلاوي ووالده نفسه #ولدهم _ هل سيصمد أمام دموعهم؟
ستستمر مواساته وهو الجاني؟
سيقف معهم يأخذ العزاء دون شعور بتأنيب الضمير؟
كان يقدم خطوة ويؤخر خطوات ليس بتلك الشجاعة حتى يقف أمامهم بثبات بينما يعلم من الجاني..

_ ليس في يده سوي تقديم المواساه حتى وإن كلف الأمر معاناته طوال قربه منهم فقط لأجل ورد! *** _ تفتحت أهدابها المتلاصقة معلنة يقظتها، جابت الغرفة بزروقاتها التي أنطفئ وميضهم، تسارعت ضربات قلبها حينما تذكرت أخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها _ دخول هلال محمل في النقالة الطبية مغطي بالغطاء الذي منعها من رؤيته بوضوح، إنتفضت من مكانها بذعر وكادت أن تهم بالخروج لولا ولوج والدتها قد منعها، تفاجئت السيدة “سنية” بصحوتها ورددت بشعور من الطمئنينة:-
الحمد لله إنك فوجتي أني شيعت طاهر للداكتور من جلجي عليكي، هروح ألحجه جبل ما يمشي

_ هرولت السيدة سنية خارج الغرفة ومن ثم أخبرت طاهر بإستعادة ورد لوعيها فأزفر أنفاسه براحة كبيرة ثم عاد ليقف مع شباب عائلات البلدة _ عادت سنية بأدراجها إلى وحيدتها تواسي قلبها الحزين، طالعتها ورد لبرهة وذكري دخول هلال عليها بتلك البشاعة لا تفارق عقلها، إرتمت بين أحضان والدتها جاهشة في البكاء بألم الفراق الذي لا تتحمله _ ضمتها سنية بقوة محاولة إمتصاص حزنها بترديدها للأيات التي تحثها على التحلي بالقوة والصبر وتحتسب عند الله:-
((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون))

_ توجهت سنية إلى الفراش برفقة ورد التي توسطت صدرها وأضافت:-
إحتسبي عند ربك يا حتة من جلبي هو جدره ومكتوبله يجابل ربه دلوك _ صدرت منها شهقة قوية من جوفها المحترق، لا يستوعب عقلها ما فعلته به وهتفت صارخة بحسرة:-
أني عتوجع على اللي عملته فيه ياما، مات وهو زعلان مني هجابله كيف وجلبه مش صافي نحيتي _أسرعت “سنية” مجيبة بعتاب لحديثها:-
بعد الشر عنك يا جلب أمك، هلال الله يرحمه كان طيب ومهيزعلش من حد واصل

_ اعترضت “ورد” حديثها قائلة بتهكم:-
أخر مرة شوفته كان غضبان عليا وهمل لي الاوضة ومشي يبجي كيف مش زعلان مني؟ _ حاولت سنية التخفيف عنها ربما تكف عن إيلام ذاتها مردفة:-
أني بنفسي شوفته وسألته عليكي وجالي أنك كويسة وكان عيتبسم وهو بينطج أسمك كيف ما يكون عاشجك _ إبتعدت عنها “ورد” وطالعتها بلهفة واضحة وسألتها العديد من الأسئلة بإهتمام:-
جالك أنه مش زعلان مني صوح؟ كانت نبرته مخنوجة ولا بيتحدت بعفوية كيف طريجته؟

_ نهضت وسارت في الغرفة دون توقف مضيفة لأسئلتها:-
كان رايح فين؟ يا تري مين عمل فيه أكده؟ _ ثبتت بصرها على والدتها مرددة بنبرة متحشرجة من خلف بكائها المستمر:-
مين اللي معندوش جلب اللي جدر يجتله بدم بارد ويوهرب، متوجعش عليه وهو عيصرخ من الوجع؟ للدرجة دي الجلوب بجت سودة وتخوف، جدر يهملوا لحاله وهو عينزف ويتوجع! _ جلست على الفراش بإهمال ووضعت يدها أعلى قلبها التي ينفطر حزناً متابعة لحديثها بنبرة متألمة:-
موجوعة عليه جوي ياما، على اللي حوصله أكتر من فراجه هو ميستاهلش أكده واصل

_ تنهدت السيدة سنية بقلب يتمزق على عبرات صغيرتها التي تنسدل بغزارة دون توقف، كادت أن تشي بفعلة ذاك الحقير لكي ينال عقابه لكن تحذيراته كانت ترغمها على الصمت من أجل حماية صغيرتها من شره التي ذاقت مرارته اليوم.. _ تشعر كأنها مربطة بحبال معقدة تقيدها، لم يكن في وسعها فعل أي شئ سوي أن تضم إبنتها إلى حضنها مواسية إياها بكلمات حنونة لعلها تُهدِأ من روعها قليلاً.. ***

_ بشموخٍ وقامة منتصبة يقف بين الجميع يأخذ عزاء أخيه بعد أن ودعه إلى مثواه الأخير بعد صلاة الظهر مباشرةً، هكذا يبدو عليه الصلابة والقوة التي يتحلي بها في هذه المصيبة الفجعة عكس باطنه التي يتمزق أشلاءً ناهيك عن عقله المشوش الذي يرفض ذلك الفراق المفاجئ. _ لم يكن شقيقاً له فقط، قد كان خير الصديق ورفيق الطريق، كان مدلله الصغير يعتبره إبناً قبل أن يكون شقيقاً، لقد حضر يوم وضعه وهو من أسماه بـ ”هلال”، كان يعد الدقائق التي تمر وكذلك الأسابيع والشهور وهو يتابع نموه بدقة وإهتمام ليلعب معه يوماً..

_ تذكر أثناء تسللهم من الغرفة ليلاً وهروبهم من المنزل لكي يكتشف هلال معالم القرية جيداً برفقة مصطفى صاحب الفكرة، كان يريده أن يكبر سريعاً ويعلم كل ما جمعه مصطفى من خبرة ليكونا فريقاً تشهد له القرية بقوة أولاد خليل الجبلاوي كما كان يحثهم والدهم دوماً..

_ طرقت ذكري أخري على عقله حينما ضُرب هلال من قِبل مجموعة من الأطفال وعاد إلى أخيه باكياً يشتكيه فاحتقن وجه مصطفى وبرزت الدماء في عروقه بغضب، لم يتحمل أن يصيب صغيره أي مكروه حتى وإن كان خلف ذلك أطفالاً ليس إلا، أخذه وعاد إلى مجموعة الأطفال وقام بربطهم واحد تلو الآخر حول الشجرة وأمر هلال بصفعهم مثلما فعلوا وبعد أن أخذ ثأره منهم تركهم مربطين مكانهم حتى يلقنهم درساً ويفكروا مراراً وتكراراً قبل أن يقتربوا من شقيق مصطفى الجبلاوي..

_ مر شريط ذكرياتهم سوياً أمام عينيه في لحظات سريعة مؤلمة لم تضيف له سوي الألم والقهرة لطالما كان يداري ألمه قدر المستطاع فهو لن ينحني أمام الجميع ويظهر حزنه هو مصطفي خليل الجبلاوي لا يحزن لا يتألم لا يساعدهم في أخذ صورة الضعف وقلة الحيلة عنه، إزداد انتصاباً في وقفته وهو يطالع الجميع بأعين إحتقارية، لا يطيق رؤية كلاً منهما فهم لا يجعلوه يعيش حداده على أخيه كما يجب أن يكون، أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطئ ثم توجه إلى والده وإنحني عليه بقرب أذنه هامساً:-
جول الناس دي تمشي يا بوي إحنا مهناخدش عزا

_ أماء له “خليل” بالقبول ثم نهض بمساعدة مصطفى لكن لن يستطيع فرد ظهره الذي أنحنى قليلاً عن ذي قبل، أجبر الجميع على الإنصات إليه بنبرته الحادة الذي يخشاها الجميع:-
سيعكم مشكور يا چماعة بس إحنا مهناخدوش عزا جبل ما ناخد إبتارنا من اللي عمل أكده في ولدي _ أنهي جملته وإنسحب من بين الجميع بإستقامة منحنية حتى وصل إلى غرفته، أغلق مصطفى باب السرايا بعدما هدأت الأجواء ولم يتبقي سواه في المكان، زفير وشهيق فعل لقد حان وقت إنهياره بمفرده، كاد أن يغادر لكن طرقات الباب أوقفته، عاد إلى الباب وفتحه وإذا بهم رجال الشرطة

_ رحب بهم ودعاهم للدخول ثم أمر عسران بمناداة والده لأنهم يريدونه، صافحه ظابط المباحث قائلاً بعد حضوره:-
البقاء لله يا عمدة ربنا يچعلها آخر الأحزان إن شاءالله

انت في الصفحة 14 من 35 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى