_ أجابه مختصراً حديثه بنبرة مهزوزة:-
البقاء لله وحده يا نفادي بيه بس إحنا مبناخدوش عزا جبل ما ناخدوا بتار ولدي متشكرين ليك _ لم يتعجب نفادي من حديث خليل فهذا هو عُرفهم السائد المتعارف عليه لديهم، لكنه حاول منعه من أي تسرع في الأمور:-
تار إيه عاد يا عمدة اللي عتتحدت عنيه أنت راجل ناضچ وأمور أجدادنا ديي بجت جديمة خلاص الوجتي فيه جانون ياخد لك حجك من غير ما تلطخ يدك بنقطة دم واحدة
_ لم يجيبه خليل فهو لم يقتنع بما قاله فتابع الآخر حديثه مضيفاً:-
تحرياتنا بتجول إن الجتل ده مجصود ومترتب له تمام، كون إن الجاتل يرميه في الأرض الغربية تبع عيلة الشرجاوي يبجي عارف هو بيعمل إيه صوح، الأرض دي طالع عليها إشاعات إنها مسكونة بالجن والعفاريت ومحدش بيهوب نحيتها واصل ولا بيمشوا حتى من الطريق المجابل ليها.. _ صدح صوت “مصطفى” الجامد متسائلاً بفتور شديد:-
من الأخر عرفتوا مين اللي عِمِلها؟
_ أجابه محقق المركز بنبرة عملية:-
لسه يا باشمهندز بس… _ قاطع “مصطفى” حديثه ناهياً ذاك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه بهجوم:-
يبجي شكر الله سايعكم تاني يا نفادي بيه، لما تجيب لنا معلومة صريحة إبجي تعالي، مش عايزين نتعبوك يا راجل الطريج طويل من المركز لإهنه _ أولاهم ظهره وصعد سريعاً إلى الأعلى يريد الهروب من وجوه الجميع، يريد أن ينفرد بذاته قليلاً يخرج ما به من آلام حزينة تمزق قلبه إرباً، أوصد الباب خلفه وتوجه نحو الفراش بخطة غير مستقيمة، أستلقي عليه وصورة أخيه وهو يعافر مع الموت لا يستطيع نسيانها ورميها خلف ظهره بسهولة
_ إنفجر باكياً بمرارة فراق غاليه وردد بنبرة متحشرجة من فرط بكائه:-
هتوحشك جوي يا خوي، الحياة طلعت جصيرة جوي كنت فاكر هنشيب مع بعضينا بس أنت سبجت، متحملتش الحياة ديي إياك!!، هتحملها أني كيف بعديك؟ _ كز مصطفي على أسنانه بغضب عارم كما إحتدت ملامحه وبدي وجهه كالبركان الثائر الذي تغلي به نيرانه وتوعد لمن تجرأ وأخذ منه أخيه مردداً من بين أسنانه المتلاحمة:-
أعرف بس هو مين وهفضل أجطع فيه نثاير نثاير، هخليه يتمني الموت ولا يطوله عشان يعرف إن اللي جتله دييه أخو مصطفى الجبلاوي اللي مابيسيبش حجه واصل
_ إرتخت ملامحه رويداً رويداً وعادت عبراته تهطل كحبات المطر من جديد لكن تلك المرة في صمت مريب، لم يصدر أي صوت من مصطفى غير تلك الشقهات الموجوعة التي تصدر عفوياً منه من حين لآخر حينما تأكد من عدم وجود هلال ثانيةً.. *** _ هبطت ورد برفقة والدتها وتفاجئت كلتاهما بوجود الشرطة في السرايا، كان يحاول نفادي أن يقنع خليل أن يتخلي عن ثأره الذي بات عُرف من قديم الأزل لكنه كان يقابل فشل ذريع أمام كبير عائلة الجبلاوي
_ تنهد “نفادي” بنفاذ صبر وألقى أخر ما تبقي في جوفه مستاءً:-
على العموم يا عمدة إحنا بردك هنعمل كل اللي شغلنا بيحتمنا عليه ولو وصلنا لحاجة هنبلغوك بيها، عن إذنك ”إذنك معاك”
_ قالها “خليل” بجمود بينما لحقت “ورد” بالمحقق قائلة:-
إستني يا حضرة، عندي حديت يمكن يفيدك في تحجيجك _ توقف وإستدار إليها بنظراته الثاقبة ينتظر ما تريد قوله، وقعت جميع الأنظار على ورد وما تفوهته به لتوها، سحبت “ورد” نفساً عميقاً ووجهت بصرها إلى السيدة سنية مرددة:-
جولي ياما اللي جولتهولي
_ خفق قلب سنية خوفاً من المواجهة التي وضعتها ورد بها، تسارعت نبضاتها بسرعة شديدة وكأن هناك من يجري خلفها، إرتبكت من خلف تلك النظرات التي تحولت جميعها عليها في إنتظار حدوث طفرة عظيمة توصلهم لشئ ما.. _ “سنية” :- *** نكمل الباقي ونعرف سنية هتقول إيه؟
رأيكم ؟ عُرف صعيدي
الفصل الرابع
( مقلب القلوب )
______________________________________ _ أزهر أملاً جديد في قلوب الحاضرين، الجميع ينتظر على أحر من الجمر حديث السيدة سنية التي أخبرتهم عنه ورد
_ إهتزت سنية وهي تواجه أعينهم المتأملة، إبتلعت ريقها وقبل أن تتحدث قاطعها دخول طاهر الذي عاد ليأخذ والدته وسنية التي لم تبرحن مكانهما منذ وصولهم من عدة ساعات، كما تفاجئ بوجود الشرطة في المكان وشعر برعب داخله ناهيك عن خفقان قلبه الذي إزداد متوجساً خيفة من رؤيتهم .. _ شهيق وزفير فعلت السيدة “سنية” ثم أردفت بنبرة متعرقلة في حديثها متوجسة خيفة من ذلة لسانها:-
مش حاچة مهمة يعني..
_ أجابها المحقق بنبرة عملية:-
أي حاچة مش شيفاها مهمة ممكن تساعدنا إحنا إذا سمحتي جولي كل اللي تعرفيه _ أوماءت برأسها وهي تطالع طاهر الذي كان يشير إليها بسودتاه محذرا إياها بألا تخبرهم حقيقة الأمر، حاولت تنقية كلماتها بعناية ورددت بحذر شديد:-
أني شوفته وسألته على حاله وحال ورد بس أكده _ أقترب منها “نفادي” متسائلاً عدة أسئلة:-
كان رايح فين؟ حد كان وياه ولا كان لحاله؟ وكانت الساعة كام أكده تجريباً؟
_ إرتبكت هي من تلك الأسئلة التي ليس لها إجابات صريحة فهي من إختلقت لقائها مع هلال لكي تهون على قلب ورد قليلاً، أنقذتها “ورد” حينما حاولت أن تفتح لها سبيل للحديث قائلة:-
هلال هملني وخرج من السرايا كنا المغربية أكده، وجتها أمي شافته وسألته عليا بس مخابراش إن كان معاه حد ولا لاه _ وجه نفادي بصره إلى السيدة سنية في إنتظار إجابات صريحة على أسئلته التي وجهها لها، أخذت شهيقاً ثم تابعت حديثها الكاذب:-
كان لوحديه مشوفتش حد وياه
_ صمتت وهي لا تعي أين تخبرهم بوجهته التي سلكها فهي لا تعلم من الأساس، هنا تدخل “طاهر” بحديثه يحاول إنقاذ زوجة عمه بقوله:-
ده نفس الوجت اللي راح فيه على الجهوة اللي في أخر البلد _ حرك “نفادي” رأسه وضاق بعينيه على طاهر متسائلاً بصرامة:-
تطلع مين أنت وعرفت كيف؟ _ إرتعب طاهر من أسلوبه الحاد معه وحاول أن يتحلي بالشجاعة أمامه وأجابه بنبرة ثابتة:-
أني طاهر حمدان المنشاوي، مرت هلال الله يرحمه تبجي بت عمي، وعرفت كيف لأني كنت في الجهوة نفسها وشوفته حتى تعاركنا مع بعض
_ شعر طاهر بفداحة ما أدلي به من خلف نظرات المحقق عليه، رمقه نفادي بنظرات جامدة تظهر ما يوجد خلفها من اتهامات عدة، سار بخطاه نحو طاهر الذي خفق قلبه خوفاً وهتف بسؤاله:-
وإتعاركتوا ليه؟ _ شعر طاهر بمرارة قاسية في حلقه، إبتلع ريقه وأجابه بتوتر بائن:-
عركة شباب يا حضرة، وكل واحد أعتذر للتاني وراح لحاله _ وجه بصره على العمدة وسأله ليبعد عنه الشبهات:-
مش أكده يا عمدة؟