ثم اضافت: انا قررت قرار أنا هرجع لشُغلي.” تجمدت ملامح يوسف لثوانٍ، وكأنها ألقت عليه قنبلة لم يكن مستعدًا لسماعها. رفع حاجبيه قليلاً محاولًا استيعاب الأمر، ثم اقترب منها خطوة. يوسف (بتوتر): “شُغلك؟ قصدِك التصميم؟” رحيل (بإيجاز) : “أيوه، كنت بشتغل قبل ما نتجوز، ولما اتجوزنا سيبته عشانك… لكن دلوقتي عايزة أرجع، ده قراري.” شعر يوسف بشيء ما ينقبض في صدره، لم يكن ضد عملها، لكنه لم يتوقع أن تُلقي عليه هذا القرار هكذا، وبكل هذه الحسم. كان يدرك أن الأمر ليس مجرد وظيفة… بل خطوة أخرى تبتعد بها عنه، تُثبت له أن مكانه في حياتها لم يعد كما كان.
يوسف (يحاول كتمان انزعاجه): “وأنا؟ مش المفروض تتكلمي معايا في حاجة زي دي قبل ما تقرري؟” رحيل (بهدوء، ولكن بحدة خفية): “زي ما إنت بتاخد قراراتك لوحدك، أنا كمان ليّا الحق آخد قراراتي، خاصة لما تكون تخصني أنا.” كلماتها أصابته في الصميم، أدرك أنها تُلمّح لما حدث، وأنها لم تسامحه بعد، بل ربما لن تسامحه أبدًا. تراجع خطوة للخلف، شعر وكأنها تنسحب تدريجيًا من حياته، وكلما حاول الاقتراب، وجدها تُشيّد جدارًا جديدًا بينهما.
يوسف (بصوت منخفض وكأنما يحدث نفسه): “حاسس إنك بتبعدي عني، وإنك مش عايزاني في حياتك زي الأول.” رحيل (تلتفت إليه أخيرًا، تنظر في عينيه مباشرة): “أنا مش بعدت، إنت اللي خليتني أفكر… لوحدي.” صمت يوسف، لم يجد ردًا كافيًا، شعر وكأنها تبتعد عنه بطريقة لم يستطع إيقافها. شاهدها تدخل غرفة النوم دون أن تلتفت، وبقي هو واقفًا في مكانه، يتساءل إن كان لا يزال جزءًا من حياتها… أم أنه أصبح مجرد تفصيل قديم في قصتها الجديدة.
في صباح اليوم التالي كان يوسف جالس في مكتبه، يحاول التركيز على الأوراق المبعثرة أمامه، لكن عقله كان في مكان آخر… في البيت، مع رحيل، ومع كلمتها التي ما زالت تتردد في أذنه: “قررت أرجع شُغلي.” لم يكن يتوقعها، لم يكن مستعدًا لها، لكنها قالتها بثقة كأنها كانت تفكر فيها منذ مدة طويلة. لم تعترض، لم تشتكي، فقط أخبرته بقرارها وكأن وجوده في حياتها لم يعد مركزها الوحيد، وهذا ما أزعجه أكثر من أي شيء.
ارتكز بمرفقيه على المكتب، وسند رأسه بين يديه، يشعر بقلق غير مفهوم. رحيل كانت دومًا تعتمد عليه، كانت تراه عالمها، لكنه الآن يشعر أنها تحاول استعادة جزء منها كان قد نُسي بعد زواجهما. هل كان خطأه أنه جعلها تشعر بأنها فقدت ذاتها؟ أمسك بهاتفه بتردد، أراد أن يرسل لها رسالة، يسألها، يستفسر أكثر، لكنه تراجع… لم يكن يعرف ماذا سيقول، وكيف سيواجه فكرة أنها قد تكون سعيدة بقرارها بعيدًا عنه.
تنهد بعمق، نهض من مكتبه، وسار نحو النافذة، يراقب الشارع أسفله، لكن ذهنه كان غارقًا في سؤال واحد… هل رحيل بدأت بالفعل في الابتعاد عنه؟ ༺بقلم رميسة༻ 12/13
الفصل الثاني عشر – بين الغيرة والتغيير بعد أن أنهى يوسف عمله وعاد إلى المنزل في الليلة الماضية، وجد رحيل جالسة على الأريكة، تبدو هادئة لكن بعيدة. حاول أن يتجاهل مشاعره المضطربة طوال اليوم، لكنه لم يستطع. اقترب منها وجلس بجوارها، يحاول أن يجد الكلمات المناسبة ليبدأ الحديث.
يوسف (بنبرة هادئة لكنها جادة): “رحيل، عاوز أتكلم معاكِ في موضوع مهم.”
رحيل (ترفع عينيها إليه): “خير؟”
يوسف: “عن موضوع شُغلك… إنتِ متأكدة إنك عاوزة ترجعي؟” نظرت إليه بتركيز، وكأنها كانت تتوقع هذا الحديث. رحيل (بحزم): “يوسف، أنا مش محتاجة حد يقولي أنا عاوزة إيه. أنا قررت، وهشتغل.”
يوسف (بتوتر): “أنا مش ضدك، بس إنتِ كنتِ مرتاحة في البيت، ليه فجأة عاوزة ترجعي؟”
رحيل (تنظر بعيدًا): “لأني تعبت من إني أبقى بس في البيت مستنية، حاسة إني لازم أرجع لنفسي، لحياتي قبل الجواز.”
تضايق يوسف من كلماتها، شعر وكأنها تقول إنها لم تعد تجد نفسها معه. يوسف (بهدوء لكن بعصبية داخلية): “يعني أنا اللي حبستك؟ عمري ما قلتلك متشتغليش، إنتِ اللي قررتِ تسيبي شُغلك بعد الجواز.”
رحيل (بصوت منخفض لكنه قوي): “لأن وقتها كنت فاكرة إن حياتي الجديدة معاكَ هتكون كافية… بس دلوقتي، حاسة إن محتاجة أكتر.” كان بإمكان يوسف أن يشعر بأنها تبتعد أكثر، وكأنها تضع مسافة بينهما لا يستطيع تجاوزها. لم يجد يوسف ردًا، لكنه شعر أن محاولاته لمنعها لن تجدي نفعًا، وأن رحيل مصممة على هذا القرار.
ظلت كلمات ليلى تتردد في ذهن رحيل طوال الليل، حتى قررت أنها لن تؤجل الأمر أكثر. بحثت في هاتفها عن رقم مديرها السابق، تواصلت معه، وبالفعل حصلت على فرصة للعودة إلى شركتها القديمة كمصممة ديكور، بنفس الشغف الذي بدأته به يومًا. كان الصباح مختلفًا هذه المرة في منزل يوسف ورحيل ، ليس فقط بسبب الأجواء المتوترة التي خيمت عليه منذ الليلة الماضية، بل لأن رحيل كانت تستعد للخروج بعد فترة طويلة من البقاء في المنزل. وقفت أمام المرآة ترتب ملابسها، لم تكن هذه المرة مجرد خروجة عادية، بل كانت بداية جديدة… عودة للعمل بعد سنوات من التوقف.
جلس يوسف يتأمل رحيل التي كانت تستعد للخروج إلى عملها الجديد، ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات بسيطة من المكياج، شيء لم يعتد عليه منذ زواجهما. كانت تبدو سعيدة، متحمسة، وكأنها استعادت جزءًا من ذاتها التي تناستها منذ سنوات. لم يكن قرارًا سهلاً عليها، لكنها شعرت أنها تحتاج إلى خطوة تعيد لها جزءًا من ذاتها التي تناستها منذ زواجها. التفتت نحو حقيبتها، وضعت فيها بعض الأوراق والدفاتر، وقبل أن تخرج، سمعت صوت يوسف من خلفها.
يوسف (وهو يراقبها باهتمام): “بجد مش مستوعب إنك خلاص راجعة الشغل… مكنتش متوقع إن القرار ده هيكون فجأة كده!”
رحيل (بهدوء وهي تحمل حقيبتها): “مكنش فجأة، يمكن أنت اللي مكنتش واخد بالك… الشغل ده كان دايمًا جزء مني، وزي ما قلتلك، محتاجة أرجع لنفسي شوية.” نظر إليها يوسف نظرة غريبة، لم يكن رافضًا لفكرة عملها، لكنه شعر أن هناك شيئًا يتغير، وكأن المسافة بينهما بدأت تتسع دون أن يدرك كيف.لم يكن هذا مجرد عمل، بل بداية تغيير لم يكن مستعدًا له.
دخلت المربية بابتسامة دافئة، حملت الطفلة التي كانت تحتضن دُميتها الصغيرة، ونظرت لأسيل قائلة: المربية: “متقلقيش، هنبقى تمام، وهبعتلك صورها أول ما تصحى.” رحيل مبتسمة وهي تقترب لتقبّل ابنتها: “كوني شطورة، ماما وبابا هيرجعوا بدري.” يوسف وهو يربت على رأس الطفلة: “اسمعي كلام ناني، وهجيبلك مفاجأة وأنا راجع.” ابتسمت الطفلة وهي تلوّح لهما، بينما غادرا المنزل معًا، كل واحد منهما غارق في أفكاره حول اليوم الجديد الذي ينتظرهم.
بعد سنوات من ترك العمل، لم تتوقع رحيل أن تعود إلى شركتها القديمة، أن تعود إلى نفس الأجواء التي اعتادت عليها قبل زواجها. شعرت بمزيج من الحنين والخوف. وكأنها تستعيد ذكريات قديمة كانت مدفونة. وقفت رحيل أمام مبنى الشركة، تنظر إليه وكأنه عالم غريب كانت تعرفه يومًا، لكنها الآن تشعر وكأنها تزوره للمرة الأولى. أخذت نفسًا عميقًا، شدّت على حقيبتها، ثم تقدّمت بخطوات ثابتة نحو المدخل. كل خطوة تخطوها كانت تسترجع معها ذكريات عملها السابق، اللحظات التي قضتها بين المكاتب والمشاريع، والاجتماعات التي كانت تمتلئ بالحماس والتحدي.
في الداخل، كان الجو مألوفًا، لكنه يحمل بعض التغييرات. مرّت بنظرات زملاء لم تتعرف على بعضهم، بينما آخرون ألقوا عليها التحية بابتسامات دافئة. قبل أن تتمكن من استيعاب كل شيء، وجدت ليلى تندفع نحوها بحماس واضح، تعانقها بسعادة. ليلى (بحماس شديد): وأخيرًا! رجعتي تاني لعالمنا! كنت مستنية اليوم ده بقالنا كتير. رحيل (تضحك بتوتر): بصراحة مش قادرة أصدق إني هنا تاني… المكان كله حاساه غريب شوية. ليلى (تمسك يدها وتسحبها معها): طبيعي، غيبتي فترة طويلة، بس متقلقيش، هترجعي تتعودي بسرعة. أول حاجة، لازم أوريكي إيه اللي اتغير، وبعدها نروح نشوف مكتبك الجديد.
بدأت ليلى تأخذها في جولة داخل الشركة، تشرح لها التحديثات التي طرأت على المكان، وكيف أن الفريق تغيّر بعض الشيء، لكن الأجواء بقيت كما هي. في الطريق، التقت رحيل ببعض الزملاء القدامى، الذين استقبلوها بحفاوة واضحة. نور (بابتسامة ودودة): رحيل؟! مستحيل! رجعتي تاني؟ والله نورتي المكان! رحيل (تبتسم بخجل): الله يخليك، حقيقي وحشتوني كلكم. استمرت الجولة حتى وصلت إلى مكتبها الجديد، حيث جلست على الكرسي، تحاول استيعاب أن هذا المكان عاد ليكون جزءًا من حياتها مجددًا. تنهدت بهدوء، وهي تشعر بمزيج من الراحة والقلق.
كانت منهمكة في ترتيب بعض الأوراق، عندما سمعت صوتًا مألوفًا من خلفها: “مش معقول… رحيل؟!” التفتت بسرعة، لتجد محمود، زميلها القديم، يقف أمامها بابتسامة عريضة. لم يتغير كثيرًا، لا زال بنفس الملامح الجادة، لكن مع لمحة ودودة في عينيه. كان محمود زميلًا قديمًا، وكان بينهما علاقة صداقة قوية في الماضي، لكن حديثهما البسيط جعلهما يشعران وكأن الوقت لم يمر. رحيل (مندهشة): “محمود؟! بجد مش مصدقة إنك لسه هنا!”
محمود (ضاحكًا): “وأنا مش مصدق إنك رجعتي! كنت فاكر إنك خلاص ودعتِ المجال بعد الجواز!”
رحيل (تبتسم بخفة): “آه، كنت فاكرة كده برضو، بس واضح إن الحياة دايمًا ليها رأي تاني.”
جلس محمود على الكرسي المقابل لها، ينظر إليها باهتمام. محمود: “أنا فاكر قد إيه كنتِ متميزة، وأفكارك كانت دايمًا مختلفة. زمان لما كنتِ بتدخلي أي مشروع، كان كله بيتغير. بجد رجوعك هيكون إضافة كبيرة لينا.”
رحيل (بهدوء): “ده اللي أنا عاوزاه… عاوزة أحس إني بعمل حاجة لنفسي، إني مش مجرد حد قاعد في البيت مستني أي حاجة تحصل.”
محمود (ينظر إليها بتركيز): “إنتِ كويسة، صح؟” ترددت قليلًا قبل أن تجيب، وكأن السؤال لمس جزءًا حساسًا داخلها.
رحيل (بابتسامة خفيفة لكنها مرهقة): “أنا بحاول.” نظر إليها محمود وكأنه يفهم أكثر مما تقوله كلماتها، لكنه لم يضغط عليها أكثر. محمود: “المهم، إحنا عندنا مشروع جديد، وعاوزين حد يشتغل عليه من البداية، إيه رأيك تكوني المسؤولة عنه؟”
رحيل (بعيون متحمسة): “بجد؟! ده هيكون بداية قوية جدًا بالنسبة لي!” شعرت رحيل بحماس لم تشعر به منذ زمن، وأدركت أن قرار العودة لم يكن مجرد هروب من مشاكلها مع يوسف، بل خطوة حقيقية لاستعادة ذاتها.
في هذه الأثناء، كان يوسف في مكتبه، لكنه لم يكن يركز على أي شيء. كان فكره مشغولًا برحيل، بقرارها المفاجئ بالعودة للعمل، وبالتغيير الذي بدأ يلاحظه عليها. كان يحاول التركيز في الأوراق أمامه، لكن صورة رحيل وهي تبتسم بحماس لم تفارق ذهنه.