– شهاب لتاني مرة بحاول أفهمك وأقولك بلاش تحط رقية في دماغك، علشان أنت اللي هتكون خسران في الأخر، دي أختي وياريت تفهم معنى الكلمة دي، أنا هدخل التواليت علشان دمي اتحرق. نهضت في ثانية، دون أن تستمع لرده، وانطلقت صوب المرحاض في ضيق بالغ، هكذا فسد يومها بكل بساطة، ولكن لا يهم، فالأمر هنا يمس غاليتها رقية، تنهدت حينما شعرت وكأنها ورقة خريف ضائعة ما بين نصائح رقية وأفعالها التي كانت من مبرر الأخوة، وعنفوان شهاب وكرهه لرقية، فهي بالنهاية جزء لا يتجزأ من أختها حتى وإن كان الفارق الفكري بينهم كبير.
أما شهاب فكان يسبح بأفكاره في ذلك البحر المظلم الذي وحل نفسه به، لم يعرف سبب غضبه على أيسل، تُرى بسبب عذاب ضميره الذي أنهك مشاعره وعقله في تخيلات مستقبلية مفزعة، مجرد التفكير بها تجعل هذا المكان الواسع والشاسع ليس سوى غرفة مغلقة حالكة بالسواد، وهو يقف بالمنتصف لا يجيد أي طريقة للهرب. هز رأسه في عنف وكأنه يبعد عنه تلك الذكرى السوداء التي جعلته يتلوى ندمًا حتى وإن كان بينه وبين نفسه، دون الإظهار بذلك، وقف تفكيره عند لحظة ما، كاد يقـ,ــ,ـتل روحه المتعلقة بتلك الذكري، إلا أنه عاد إليها باستسلام يتذكر تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم.
****
ترجل من سيارته بغضب، ثم أغلق الباب خلفه في عجالة ومن ثم عبر الطريق في خفة، وبصره معلقًا بالكافية الجديد المالك لأحد أصدقائه، دخل في حذر وهو يبتعد عن صناديق الدهان الكبيرة، وأشياء الديكور الملقاة في كل مكان، وقف بالمنتصف يبحث عن صديقه حمزة، ذلك الشاب الذي فقد عائلته في وقت باكر ولم يتبقى منها سوى أخيه الأكبر المهاجر للنمسا، ابتسم بفخر لذكائه حينما وقع اختياره عليه تحديدًا، مميزاته تدفعه دفعًا نحو تنفيذ خطته، التي أصر على تنفيذها حتى لو كانت عواقبها مخيفة.
انتفض شهاب حينما شعر بيد حمزة تقبض على كتفه من الخلف، قائلًا : – أهلا يا شهاب باشا. التفت شهاب في عجالة، ورمق صديقه في تأمل بنظرات قوية جامدة خالية من أي اضطراب لمشاعره، فهذا الوقت تحديدًا لن يبقى هناك بداخله ذرة عطف اتجاهها، لقد طفح الكيل منها، ومن أفعالها التي كانت متعمدة بها..رفع أصابعه يقرص أنفه بقوة وهو يقول بنبرة رخيمة : – حمزة، شوفلنا مكان نقعد فيه، عاوزك في كلمتين مهمين.
ضيق حمزة حاجبيه بتعجب من جدية شهاب المفرطة في تلك اللحظة، ولكنه كتم ذلك وجذبه نحو الخارج، ثم جلسا على طاولة صغيرة في صمت قطعه شهاب بقوله الذي أثار قلق حمزة بسببه : – أنت طبعًا عارف إننا صحاب، والصاحب المفروض يقف جنب أخوه في محنته وشدته، صح. رفع حمزة حاجبيه عندما لمح من بداية الحديث تلميحات شهاب المبطنة، ولكنه قرر التزام الصمت حتى ينهي شهاب ما أتى به في عجالة وعيناه تشع غضبًا في تلك اللحظة، بينما استطرد شهاب قوله دفعًا واحدة خوفًا أن يستسلم لذلك النداء الذي يحاول إنهاء ما يخطط له، فقال :
– أنت طبعا كنت مزنوق، واستلفت مني مبلغ.. قاطعه حمزة في ثوان قبل أن يُكمل شهاب ما يقوله : – امم مش محتاج افتكر هو كان قد إيه، ولا ولا محتاج أعرف أن المعاد اللي قولتلك هسدده فيه لسه مجاش، ولا كمان محتاج أعرفك إن لو سحبته من الكافية حاليًا قبل ما افتتح الاسبوع ده، هخسر قد إيه!!. – وأنا مش عاوزهم، بس أنا كنت محتاج أعرفك إني صاحب جدع علشان اللي هطلبه منك مترفضوش.
ابتسم حمزة متهمكًا : – لا أنت مبتعرفنيش، أنت تقريبًا بتزليني، من غير ما تعرفني أنا شايلك جميلها فوق راسي، والمفروض مكنتش تدخل الدخلة الغلط دي، عندك طلب اطلبه من غير كلام يزعلنا من بعض. فرك شهاب وجهه بين كفيه في عصبية ليقول : – أنا وصلت لمرحلة مبقتش عارف ايه الصح وايه الغلط، أنا حياتي بتدمر يا حمزة قدام عيني، وأنا واقف مش عارف أعمل حاجة. جعد حمزة جبينه وهو يسأله :
– إزاي ياعني بتتدمر، فيك إيه يابني. – في إن أخت أيسل واقفالي بالمرصاد، قاصدة تبعدني عن أيسل، بتكرهها فيا، بعد حب سنتين، الست أيسل فجأة شايفه إن بعمل حاجات غلط تصرفاتي كلها متصحش، أنا وأيسل بعدنا عن بعض، بقينا في لحظة زي السما والأرض وده كله بسبب العقربة أختها. قال حديثه بشيء من العصبية والقهر، فزاد تعجب حمزة لِمَ يستمعه، واسترسل شهاب حديثه في حقد وكراهية لرقية :
– دي يابني جحودها وصلها، إنها بتخرج معانا كل مرة، قال إيه خايفة على أيسل مني، أنا بقيت شاكك والله إن مش خاطبها، أفعالها وتصرفاتها كلها بتكرهني، ده غير بقى بتمسك ودان أيسل كلام زي الزفت عني، والهبلة خطيبتي بتجي وتحكيلي من باب خد بالك من تصرفاتك شوية، حقيقي وصلتني لمرحلة إن بقيت أكرهها مع إني والله مكنتش كده. تريث حمزة قليلًا قبل أن يقول بحكمه ورزانة : – بسيطة يابني، قول لخطيبتك متحكيش حاجة تاني ليك، وأنت أبعد عن أختها، والموضوع انتهى.
هز شهاب رأسه باستهجان، وهو يقول : – لا الموضوع مش بالبساطة دي، بالعكس هو أكبر من كده، أنا جربت كل الحلول مع أيسل وفشلت، أختها مش مدياني فرصة، نازلة بالعصاية على دماغي لما خلاص اكتفيت منها. ضحك حمزة وهو يحاول تخفيف حدة الوضع : – مش عيب لما تبقى شاب كبير ومحترم، وتقول كده، ده حتى عيب على العضلات اللي بتربي فيها بقالك قرن. زفر شهاب بقوة وهو يحاول تخفيف آلام رأسه، بالتدليك في جانبيها، قائلًا بعجز :
– متهزرش، علشان على أخرى، أختها دي عقربة يا حمزة، حقودة، صعبان عليها إن أنا وأيسل نعيش حياتنا ونتبسط، لا إزاي تبدأ بقى تدمر حياتي وحياة أختها بكل أنانية وجحود. ظهر الاشمئزاز على وجه حمزة، فقال : – الله يكون في عونك يا شهاب، ربنا يعينك على المصيبة دي.
صمتت الألسن في دقائق قصيرة، كلاً منهما يفكر بطريق مختلف، حمزة وقلقه بشأن طلب شهاب المجهول، وشهاب وصراعه مع نفسه ومبادئه، ولكن رقية لم تترك له طريقًا واحدًا لهدم خطته التي سيطرت على كيانه، وأقسم على تنفيذها، حتى وإن كانت تلك الحرب التي سيخوضها مكاسبها مجهولة، ولكن غضبه صور له أنها أقصر وأسرع طريقة للتخلص منها دون مشاكل، يكفي ما يشعر به الآن بسببها، يكفي ما آل إليه في علاقته بأيسل، فتلك المرحلة تحديدًا من أصعب وأشد ما مر به، وجود رقية همًا كبير يحمله فوق عاتقه، كلماتها التي كانت كالسم هدمت أي روابط بينه وبين أيسل، وجودها يعيق حياته بشكل
أنه لن يمضي خطوة واحدة للأمام، فهي تمثل تعاسته وعليه أن يتخلص منها.. رفع بصره يحدج بحمزة في قوة وكأنه يبحث عن تلك الشجاعة التي هربت منه أثناء انغماسه اللحظي في التفكير بما يدور بداخله، لمعت مجددًا أمام عيناه تصرفاتها وأفعالها، فانطلق كالمجنون يقول في رجاء أدهش حمزة، وجعله يتخبط بين كلمات شهاب التي وقعت عليه من العدم وتوسعت عيناه لها :
– حمزة أنا طالب منك، إنك تقرب منها، تقنعها إنك بتحبها، أقولك زاولها، خليها تبعد عني، لغاية بس ما أقدر اتجوز أيسل من غير مشاكل، أضمن إن أيسل في بيتي وخلاص أنا كده هرتاح، فترة صغيرة وبعدها فركش خطوبتك منها. تفرقت شفتاه في صدمة، يحاول استيعاب حديث شهاب المفاجئ والصادم، فسأل في ببلاهة، لأول مرة تتملك منه: – خطوبة مين لامؤاخذة. تنهد شهاب قبل أن يحاول شرح حديثه مرة أخرى بطريقة أوضح :
– يا حمزة أنا طالب منك، تخطب أخت أيسل، فترة صغيرة بس، تبعدها عني لغاية ما أقدر اتجوز أيسل وارتاح. – ترتاح أنت، وأتعذب أنا، أمرك غريب يا أخي. قالها حمزة في اعتراض قوي!. – تتعذب في إيه، مش فاهم. التوى فم حمزة في سخرية قبل أن يجيب : – هتفهم ازاي وأنت معدوم الإحساس والضمير، عاوزني يا جاحد اخطب واحدة وأمثل عليها وازاولها علشان أنت يفضالك الطريق مع خطيبتك، إيه كمية العبط ده، أوعي ياعم من وشي.
نهض حمزة في عصبية، فحاول شهاب إيقافه وهو يهتف بعتاب يتخلله رجاء : – هي دي واجب الصحوبية يا صاحبي، أطلب منك طلب زي ده، ترفض بالشكل المهين ده. – ده أنت لو مسكتش هـ أهينك أكتر من كده، ده أنا على لساني شتايم والله، بس مانع نفسي بالعافية. حاول شهاب كسب تعاطفه، وهو يقول : – يابني أنت مش متخيل أنا في عذاب إزاي، على فكرة هي تستاهل يا حمزة كل حاجة دي واحدة حقودة وبتغير من أيسل علشان هي أحسن منها، وعاوزة تدمر حياتنا، أنت مش متخيل الشخصية دي عامله إزاي، أنت لو عاشرتها يوم واحد هتكره حياتك.