ـ انتي واقفه من اخويا لوحدك ليه؟ كان صوت حبيبه صاحبتي وهي داخله البلكونه وفي أيديها صنية عليها كوبايتين عصير. كنت في بيتها وكنا قاعدين بنذاكر سوا وهي قالت ناخد بريك ساعة وهتروح تعمل لنا حاجة نشربها. أنا خرجت البلكونة قولت أشم هوا شويه على ما تيجي، وانا واقفه سمعت صوت هادي جني خلاني أفتح عيني بسرعة: ـ المذاكرة تمام؟. كان “مروان” أخو حبيبه، أكبر مننا ب أربع سنين وكنا دايمًا بنلعب سوا إحنا التلاتة بحُكم إننا جيران وأنا وحبيبه قد بعض ف بقينا سوا في كل حاجه.
ـ اه، الحمد لله لحد دلوقتي تمام. ـ شدي حيلك السنة دي كويس، دي أهم سنة ليكوا ولازم تجيبي مجموع حلو يا لولي القمر. بصيت له بنرفزة إنه قال الإسم دا فـ ضحك بصوت عالي وهو بيطبطب على راسي زي العيال الصغيرة: خلاص خلاص مش هقوله تاني. رفعت صُباعي في وشه وانا بقوله بضيق طفولي: إسمي “ليان” وبس يا مران، والله ازعل منك. ـ وأنا مقدرش على زعل الجميل، بس أنا بحب الإسم دا علشان محدش بيقوله غيري.
كنت لسه هرد عليه وأقوله إني محبش اسمعه غير منه فعلًا، بس قاطعني صوت حبيبه وهي داخله علينا وبتتكلم بصوت شِبه عالي: ـ إنتي واقفه مع اخويا لوحدك ليه؟. بصيت ليها باستغراب من طريقتها الهجوميه ورديت بهدوء: كنت مستنياكي هنا ومروان جه يقف معايا شويه بس. ـ وانتي متعرفيش تقفي لوحدك يعني ولا هو لازم مروان يبقى موجود دايمًا جنب الاميره ليان؟. وقتها زعق مروان لها وقالها ازاي تتكلم بالاسلوب دا معايا، وأنا كنت واقفه أبص ليها بصدمة من كلامها معايا كده.
حبيبه من واحنا صغيرين مكنتش بتحبني العب من مروان أو يقرب مني كتير، كانت بتضربني وتقول ليا دا أخويا انا ابعدي عنه. بس بعدها كانت تيجي تصالحني وتجيب ليا مصاصة علشان العب معاهم تاني، كنا أطفال ودي تصرفات طبيعية. بس الوضع فضل كده بردو لحد ما كبرنا وأنا بحاول اقلل تواصلي مع مروان علشانها، وعلشان خلاص بقينا كبار ومينفعش نقرب من بعض كده. بس هي اللي قالتلي اجي لها النهاردة ونذاكر سوا.
خرجت من صمتي أخيرًا على صوت مروان وهو بيقولي: حقك عليا متزعليش. رديت عليه بهدوء وأنا بلم كُتبي ومرفعتش عيني لهم علشان ميشوفوش دموعي: مش زعلانه يا مروان دي حبيبه مقدرش ازعل منها طبعا، أنا همشي علشان الوقت أتأخر. خرجت من عندهم ووقتها دموعي بدأت تنزل ورا بعض دخلت بيتنا وحمدت ربنا إن ماما كانت في المطبخ ومشافتش شكلي، دخلت أوضتي وقعدت على السرير أعيط هي ليه مفكره اني هسرق منها أخوها؟، انا بس كنت عايزه يبقى ليا اخوات واحس الشعور دا معاهم…عايزاها معايا وعايزه مروان جنبي، انا مش بتطمن غير لما يكون معايا
هو اللي مربيني على إيده والوحيد اللي بعرف أتواصل معاه وأكون على طبيعتي قدامه، وهي صاحبتي ومليش أصحاب غيرها، ليه عايزاني أفقد كل دا؟. بعد ساعة من العياط المتواصل جالي مسدج على التيلفون مسكته وفتحتها، كانت من مروان “حقك عليا أنا يا لولي القمر متزعليش منها دي عيله دماغها صغيره، متزعليش غير مني انا”. ابتسمت على حنيته وطريقته الحلوة في الكلام كنت هرد عليه بس جالي اتصال ب اسم حبيبه وانا في شات مروان، ابتسامتي وسعت وأنا بفكر أنها هتصالحني
رديت بسرعة وانا متحمسه وقبل ما اتكلم سمعت صوتها العصبي وهي بتقول: ابعدي عني وعن اخويا يا ليان ومتقربيش من حياتنا تاني سامعة!. قفلت في وشي قبل ما استوعب حتى كلامها، فضلت باصه للتليفون وهو مفتوح على شات مروان وكلامها بيتردد في وداني، وكلامه هو قدامي عيوني.. متحمسين للباقي؟ ـ سارة علام.”٢” دموعي نزلت تاني من غير ما أحس كان في وجع جوايا مش بس علشان طريقتها ولا الكلام اللي قالته،
لكن علشان أنا فعلًا عمري ما فكرت أكون سبب وجع لحد، خصوصًا حبيبه، دي صاحبتي وأكتر واحدة كنت بحبها في الدنيا. مسحت دموعي وبصيت تاني لرسالة مروان، قلبت الموبايل على وشه وقعدت على السرير في صمت، حاسه إني تايهه… لا عارفه أعاتبها ولا أبرر لها، ولا حتى أتكلم معاه تاني عادي كإن مفيش حاجه حصلت. أنا مش عايزه أخد حد من حد، أنا بس كنت بدور على حنية، على كلمة حلوة،
على حضن أخ، على ضهر أرتاح عليه لما الدنيا تتقل. بس الظاهر إن حتى ده بقي ممنوع عليا. في اللحظة دي، قررت أبعد… عنها، عنه، عن كل اللي بيوجع، مش علشان ضعيفة… بس علشان تعبت من إني دايمًا لازم أشرح إني “مش غلطانة”. وقفت قدام المراية، عيني مورّمة من كتر العياط… بس ملامحي كانت هادية، كأني سلّمت، كأني قررت أسيب الحكاية تموت بهدوء. تاني يوم في المدرسة، كنت متأخرة شويه، دخلت الفصل وأنا ساكتة،
حبيبة كانت قاعدة في أول دكة، بصتلي، بس عينيها كانت مش زي كل مرة كان فيها نظرة انتصار مش وحشة… بس وجعتني. قعدت في مكاني وطلعت كشكولي، حاولت أركز، بس صوت الضحك اللي جاي من قدام كان بيخترق وداني. في الفسحة، قعدت لوحدي المكان اللي دايمًا كنت أنا وحبيبة بنقعد فيه سوا، المكان اللي كنا بنشارك فيه سندوتشاتنا، وضحكنا، وأسرارنا، بقى فاضي، بقى تقيل. لقيت رسالة على التليفون
(مروان): “مش عايزة تكوني لوحدك؟ ممكن نتمشى شوية بعد المدرسة؟”. فضلت أبص للرسالة كتير، مش عايزه أكون السبب في قطيعة بينهم، بس أنا كمان، مش لازم أكون دايمًا الخاسرة. كتبت له: “مروان، أنا مبقتش عارفه الصح من الغلط، بس اللي أنا متأكدة منه إني مش وحشة، ومش عايزه أكون حمل تقيل على حد. خليك جنب أختك، هي محتاجاك أكتر دلوقتي.” مستنيتش رده، قفلت الموبايل وحطيته في شنطتي.
وقفت، رفعت راسي، ورجعت على الفصل. خِلص اليوم الدراسي بدون اي جديد، غير نظراتي اللي كانت مش مفارقة حبيبه وهي بعيد عني، ومروان اللي مش هقدر أكلمه تاني. خرجت من المدرسة، وأنا تايهه ومش شايفه قدامي من كُتر أفكاري… رفعت راسي علشان أعدي الطريق، وأول حاجه شافتها عيني كانت مروان…كان واقف موطي راسه في الأرض رفعها بسرعة لما سمع صوت حواليه، شافني وسط كل الناس اللي كانت حواليا، عيونه كانت متركزة عليا.
فصل باصص لي بلهفة وفي عيونه ألف سؤال وسؤال اتحرك وهو جاي ليا وفجأة… يتبع… ـ سارة علام.”٣” ظهرت حبيبه من ورايا وهي بتتخطاني وبتروح لمروان، قربت منه وحضنته وهو لسه عينه عليا. يمكن مش فاهم هي اتغيرت كده ليه، زي ما أنا مستغربه هي ايه غيرها كده بعد ما كانت بتقولي انتي اختي. لما كنت بقولها هتجوز اخوكي علشان نفضل سوا طول العمر، كانت تقولي انا اللي عمري ما هخليكي تبعدي عننا
بس هي اللي بعدتني عنهم دلوقتي. كنت ببص لهم وانا دماغي بترجع ذكريات بينا كتير اوي، عيني إتملت دموع وغصب عني بدأت تنزل ورا بعض ومش عايزه قادره اسيطر عليها…حسيت بدوخة مرة واحدة والأرض بتدور من تحتي، مروان شافني كده فـ بعد حبيبه عنه براحة وقرب مني بسرعة وقالي بخوف: مالك يا لين في ايه يا حبيبتي؟. حطيت ايدي على وشي وأنا مش عارفه اوقف عياط أو اسيطر على رجفة جسمي، ومروان واقف جنبي بيحاول يهديني فـ مسك ايدي وهي بيحركني معاه:
تعالي، تعالي يا حبيبتي نقعد هنا. قعدني على كرسي كان موجود قدام البوابة بتاعت المدرسة وهو قعد على رُكبته قدامي على الارض وبيحرك ايده على راسي علشان أهدى كان بيحاول يهديني، وعينيه كلها خوف عليا، وانا مش قادرة أشرحله وجعي ولا أوضحله اللي مخليني منهارة كده، فـ قالي بصوت حنين وهادي: إهدي يا لين… اهدي متخافيش، أنا معاكي. :بصيتله وأنا دموعي مش راضية تهدى، وقلتله بصوت حزين مروان، أنا مش قادرة.. مش قادرة أكمل كده.
قرب مني أكتر وقاللي بلهفة: اتكلمي يا لين، قوليلي.. حصل إيه؟ مين زعلك؟. بصيتله وأنا محتارة أقوله إن حبيبه اتغيرت عليا وبتبعدني عنها وعنه، ولا اسكت وابعد من غير مشاكل بينهم. مفيش يا مروان.. مفيش.. أنا اللي تعبت وخلاص. حاول يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بهدوء، وقومت من مكاني وأنا ببصله بعيون كلها وجع. جيت أمشي بعيد، عيني جت في عيون حبيبه وهي بتبص ليا، للحظة شوفت في عينيها خوف وقلق عليا من شكلي التعبان… بس اختفى فجأة الإحساس دا وانا شيفاها بتقولي بزعيق لما قربت مني:
لو خلصتي سهوكة وتمثيل تقدري تمشي بقى، ممثلة ممتازة يا لين مكنتش أعرف أنك شاطرة كده. ـ حبيبه، ازاي تتكلمي معاها كده؟. كان صوت مروان الغاضب لها بعد اللي قالته، مبصتش له محركتش عيني من عليها…مش لاقية كلام أقوله لها ومش عارفه ارد عليها كأن لساني مربوط. كل اللي قدرت أقوله لها بصوت مليان وجع: في حاجات كتير انتي متعرفيهاش يا حبيبه.
بعدها مشيت…مشيت وانا حاسه بتوهه غريبة عليا، مستغربة كل حاجة وكل الناس، كنت سامعة صوت مروان من ورايا وهو بيزعق لـ حبيبه بس ملتفتش لهم وكملت طريقي وأنا بأكد لنفسي اني لازم أبعد… أبعد جدًا عنهم وعن كل مكان هما فيه، مش هخليه يخسر أخته علشاني مش هحط نفسي في مقارنة زي دي، حتى لو روحي في وجوده جنبي، هتعود على غيابه… علشان حبيبه غاليه عليا أكتر. رجعت البيت، وأول حاجه عملتها اني قولت لماما نمشي من البيت بتاعنا ونروح اي مكان بعيد عن هنا.
وافقت قدام إصراري وبكائي اللي كان غريب وهستيري بالنسبة لها، وبالفعل لمينا كل حاجتنا وقفلنا البيت ومشينا من غير ما نعرف اي حد… ومن غير ما أشوف مروان لآخر مرة، ودي كانت أكبر غلطة غلطتها.. يتبع… ـ سارة علام.”٤” مرت أيام وأنا مش قادرة أستوعب اللي حصل كل يوم كنت بصحى على وجع فظيع جوايا… زي حد بيصحيني من عز النوم عشان يفكرني إني خسرت كل حاجة فجأة.
المكان الجديد اللي روحنا سكنّا فيه، كان بعيد عن كل الناس اللي أعرفهم… عن كل الذكريات اللي بتحاصرني كل ما أغمض عيني.