ـ “ولا كلمة ولا نفس ” صرخت غفران بر*عب ونزلت من السيارة وهي تركض باتجاه لكن ذلك الشاب الذي كان ملقي علي الارض وقف لتتفاجا به وهو يمسكها ويقيدها صرخت غفران من داخل السيارة: ـ “نوووح خلي بالك” استدار نوح بسرعة لكن قد فات الأوان يد قوية سحبته من الخلف وسك*ين باردة التصقت بعنقه جفّ حلقه وارتجفت يداه واتسعت عيناه في ذهول صوت غليظ همس في أذنه: ـ “ولا كلمة ولا حركة ولا نفس طلع كل اللي معاك.”
ابتلع نوح ريقه بصعوبة وببطء مدّ يده إلى جيبه أخرج محفظته وهاتفه ثم خلع ساعته أيضًا. ـ “خد خد كل حاجة بس سيبنا فحالنا.” في تلك اللحظة كانت غفران تحاول التحرر من قبضة الشاب الآخر الذي باغتها بإخراج سكين حاد وضعه على رقبتها وهو يهمس بغضب: ـ “ثانية كمان وهقط*علك رقبتك” صرخت غفران وهي ترتجف ونوح صاح: ـ “سيبها خدو كل اللي انتو عايزينه بس سيبوها” الرجل الذي يمسك نوح خ*طف ما معه ودفعه بقوة فتراجع نوح مترنّحًا أما غفران فحين تحركت قليلًا في محاولة يائسة للهر*ب انزلقت يد السا*رق بالسكين فخدش رقبتها جر*حًا بسيطًا ثم دفعها بع*نف باتجاه نوح.
اصطدمت به وسقطا سويًا على الأرض بينما الاثنان الآخران ركضا نحو السيارة ركباها بسرعة وانطلقا تاركين خلفهم نوح وغفران في الظلام مصدومَين وقلبيهما ينبضان كطبول الحرب رفعت غفران رأسها ببطء من حضن نوح أنفاسها متقطعة وشعرها المبعثر يتدلّى على وجهها يحجب نصف ملامحها المرتبكة كانت عيناها زائغتين يملؤهما الذهول ودمعة مترددة تتلألأ في طرف إحداهما. كان نوح يحدّق بها بصمت نظراته ممتزجة بين القلق والذهول لكن ثمة شيء خفيّ في عينيه شيء دافئ كأنّه يطمئنها دون أن ينطق بكلمة.
أزاحت شعرها عن وجهها بيد مرتعشة وحدّقت فيه للحظات قبل أن تنتفض فجأة وكأنّما أدركت ما حدث للتو نهضت بسرعة تتلفّت حولها بعينين تائهتين تبحث عن السيارة عن أثر عن تفسير. قالت بصوت مبحوح: ـ “مستحيل اللي حصل ده مستحيل” وقف نوح هو الآخر يضغط على ذراعه المجروح لكنّه لم يُظهر الألم ونظر إليها بهدوء: ـ “إنتي كويسة؟ د*مك” رفعت يدها إلى رقبتها لامست الجر..ح وحين رأت أثر الد..م على أصابعها اتسعت عيناها في ذهول:
ـ “أنا اتعو..رت قوي؟” ـ “جرح بسيط الحمد لله إنك بخير.” ساد بينهما صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنفاسهما المتلاحقة وصوت الريح الباردة التي أخذت تلفح وجهيهما. قالت غفران بعد لحظة وهي تنظر حولها في حسرة: ـ “موبايلك راح.” أومأ نوح برأسه وقال بصوت منخفض: ـ “إحنا راح مننا كل حاجة” تبادلا نظرات قصيرة مليئة بما لا يُقال واقفين في منتصف الطريق وحيدَين بين خوف لم يهدأ بعد وأمانٍ سُلب منهم في لحظة.
ظلّا واقفَين وسط الطريق يلفّهما السكون والبرد والظلام لا سيارة لا هاتف التفتت غفران إلى نوح وعيناها تبحثان عن حل عن خطوة تالية لكنها لم تنطق هو بدوره ظل صامتًا ينظر إلى الطريق الفارغ أمامه ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم: ـ “لازم نمشي نكمل لحد ما نوصل الشارع العمومي.” نظرت إليه ثم سألته بتردد: ـ “قد إيه يعني؟” رد وهو يشير بيده في الاتجاه: ـ “حوالي تلاتة كيلومتر يعني.”
شهقت غفران بخفوت: ـ “كل ده؟” ابتسم ابتسامة باهتة وهو يحاول ان يهون عليها: ـ “أهو أحسن من الوقفة هنا… نمشي، على الأقل هنحس إننا بنعمل حاجة.” هزّت رأسها بالموافقة دون كلمة وبدأ الاثنان في السير بصمت خطواتهما كانت ثقيلة تتكسر تحتها الحصى يتبادلان النظرات من حين لآخر دون حديث فقط صوت خطواتهما والريح الباردة التي تعبر الطريق. بعد دقائق من السير قطع نوح الصمت فجأة بصوت منخفض وكأنه يفكر بصوت عالٍ:
ـ “هو إنتي ليه عايزة تسافري؟” توقفت غفران عن المشي لثانية وكأن السؤال باغتها ثم نظرت له دون إجابة نظراتها أصبحت أكثر حدة وكأنها تحاول أن تختار كلماتها بعناية أو ربما تقرر إن كانت ستجيبه أصلًا. أخفضت غفران بصرها لوهلة وكأنها تحاول الهروب من الإجابة وفجأة كسر صوتٍ حادٍ هدوء اللحظة. ـ “آه” كُسر كعب الحذاء واختل توازنها كانت على وشك السقوط لكن يد نوح امتدت بسرعة أمسك بها قبل أن ترتطم بالأرض جذبها إليه بقوة حتى وجدت نفسها بين ذراعيه قريبة منه
كان صدره يعلو ويهبط من أثر اللحظة وعيناه مغلقتان كأنه يحاول أن يحتفظ بها أطول وقت ممكن. ثم… قطرة. ثانية. ثالثة. بدأت المطر يهطل خفيف في البداية حتي اشتد فتحت غفران عينيها ببطء، كانت لا تزال بين ذراعيه تشعر بحرارة جسده تتناقض مع برودة المطر لكن قلبها هو الآخر كان يضج بحرارة أخرى شيء غريب ابتعد نوح قليلًا ببطء وكأنه لا يريد فعل ذلك وقال وهو ينظر إليها نظرة هادئة لكنها عميقة:
ـ “انتِ تمام؟” أومأت برأسها تحاول استجماع توازنها ثم قالت وهي تضحك ضحكة خافتة مكسورة بنبض القلق: ـ “واضح إن الليلة مش هتعدي كده.” ضحك بدوره وهو يزيح خصلات شعرها المبللة عن وجهها دون وعي ثم قال: ـ “بس هتعدي وعد.” كان المطر يزداد شدة والملابس بدأت تلتصق بأجسادهما لكن لا أحد منهما اهتم كأن هذا البلل غسيل لأرواحهم المثقلة ثم فجأة وسط ذلك الصمت المتوتر والرذاذ المتسارع ظهرت أضواء سيارة من بعيد.
نظرت غفران إلى الأضواء ثم إلى نوح قلبها ينبض بعنف لا تدري إن كانت تلك نجدة أم بداية خطر جديد قال نوح بصوت خافت نبرة حذرة: ـ “تعالي ورايا خلينا نوقفها بس بحذر.” اقتربت منه دون تردد تمسكت بذراعه كانت نظرتها تقول كل شيء: “أنا واثقة فيك بس خايفة.” توقفت السيارة على بعد أمتار والمصابيح الأمامية تسطع عليهما كأنها تكشف سرهما للعالم. وقف نوح أمام غفران قليلاً يحاول حمايتها بجسده دون أن يلفت الانتباه ثم لوّح بيده للسائق بحذر
الزجاج الأمامي للسيارة كان مبللًا والرؤية ضبابية ثم انخفض الزجاج ببطء. ظهر رجل في منتصف الأربعينات ملامحه غليظة ونظراته فاحصة تطلّع إليهما لحظة قبل أن يتحدث: ـ “في إيه؟ محتاجين مساعدة؟” تقدم نوح خطوة وقال بثبات رغم المطر الذي بلل شعره ووجهه: ـ “عربيتنا اتسر*قت في الطريق وبقينا ماشيين على رجُلنا ممكن توصلنا لأقرب شارع عمومي؟” نظر الرجل إليهما نظرة طويلة ثم قال وهو يفتح الباب الخلفي:”اركبوا.” كانت غفران تمشي حافية تمسك الحذاء بكفها بينما يدها الأخرى تحاول أن تمنع شعرها المبلل من السقوط على وجهها
الأرض تحت قدميها كانت باردة تتخللها حصى صغير يزعجها لكنها لم تشكُو فقط تنظر أمامها بصمت. نوح كان يسير بجانبها يلتفت إليها بين الحين والآخر ثم فجأة قال بنبرة خفيفة مازحة: ـ “يعني من أول ما شوفتك وأنا حاسس إنك بنت مغامرات بس ماكنتش متخيل إننا نوصل لمرحلة المشي حافيين في عز البرد ده.” ضحكت غفران بخفة رغماً عنها وقالت: ـ “ما تقولش كده هتخلي الناس تفتكرني أنا اللي سحبتك ومشيتك كده معايا.”
هتف نوح بنبرة مازحة النبرة: