قالتها و هي تدفعه نحوها فقام أدهم بدوره بمسك يدها المتدلية بجانبها برقة متناهية و كأنها يخشى أن تنكسر بين يديه و لكن الحق أنه لا يريد لمسها فهو مازال لا يتخيلها زوجته و عليه لمسها. بينما ندى أصابها الدوار و شعرت بأن الهواء يقل من رئتيها فمنذ أن ولدتها أمها لم ېلمس يدها من جنس الرجال سوى أبيها… و لكن من الذي يلمسها الآن!.. إنه ليس أي رجل.. إنه معشوق روحها.
سارت بجانبه باستسلام تام و قلبها يرفرف بين أضلعه من فرط سعادتها…أخيرا من انتظرت اقتران روحها بروحه منذ سنوات طويلة يسير بجانبها و هي زوجته و حلاله. و لكن ترى ستستمر فرحتها طويلا!… أم لأدهم رأيا آخر!!! تماما في تلك الأثناء… في منزل واسع أشبه بالفيلا تقبع دارين بغرفتها و هي تعتلي كرسيها الهزاز و تتحرك به بشدة فيهتز بها بقوة لعلها تفرغ بتلك الحركات شحنة ڠضبها. فكيف و من يدعى خطيبها قد استغنى عنها و تزوج بغيرها و في غضون ستة أيام فقط و بطريقة مفاجئة و بدون سابق إنذار.
يالها من زيجة سريعة حقا… لقد حفت ورائه عدة أشهر لعله يراها و يشعر بها حتى كادت أن تيأس و حين حدث ما تمنت و خطبها يتخلى عنها بهذه السهولة و بعد شهر واحد من الخطبة!! يالحظك العثر دارين… لم تكد تهنأ بفوزها به حتى أتت أخرى و اختطفته من طريقها و بمنتهى السهولة. راحت تكفكف عبراتها و هي تفكر كيف لها أن تستعيده بطريقة تحفظ كرامتها و لا تجعله يشعر أنها تريده لها و تحترق شوقا إليه.
كان يقود السيارة و هي قابعة في المقعد الأمامي بجواره يسود بينهما الصمت المطبق فلا هي لديها الجرأة على فتح مواضيع معه ولا هو يمتلك شغف الحديث معها. فجل تفكيره منصب في هذه اللحظات على من خذلها و ترك قلبه معها و أجبر على الذهاب لغيرها بدون قلب. و على ذكرها أتته رسالة على هاتفه الجوال فقام بتقليل سرعته لكي يتمكن من قراءة الرسالة ربما تكون من حبيبة القلب دارين فهو مشفق عليها و على قلبه المكلوم إلى أقصى حد.
لم ېكذب حدسه حيث كانت تلك الرسالة منها حيث كتبت مبروك يا عريس… مبروك عليك عروستك الحلوة. أغلق الهاتف و هو يتنفس پعنف فالتفتت له تناظره بدهشة من تبدل حاله رغم صمته و لكنها أيضا لم يكن لديها الجرأة لتسأله… فقط لمست منه الجفاء و حسب… الأمر الذي جعل مخاوفها تتفاقم. بينما كانت لتلك الرسالة تأثيرا قويا عليه جعلته يضرب بنصائح أمه و تنبيهاتها عرض الحائط. يشعر بسخط من تلك المـ,ـخلوقة الجالسة بجواره أن كانت سببا في التفريق بينه و بين حبيبته و حتى و إن كانت لا تدري أن
له حبيبة و خطيبة من الأصل. لقد ذكرته بمعاناته و تخبطه خلال الستة أيام الماضية كانت أسوأ ستة أيام مروا عليه منذ حاډث إغتيال والده. حاول قدر الامكان — أن يتحلى بالثبات ففي كل الأحوال هي ليس لها ذنب فيما حدث و يحدث الآن… فهي مثله تماما مجبرة على ذلك… أو هكذا يظن ذلك. بعد حوالي نصف ساعة من القيادة الصامتة تماما وصل الى الباخرة النيلية التي كانت مجهزة خصيصا لهما.
ترجل من السيارة و دار حولها ليفتح لها الباب و هو يقول بإبتسامة مصطنعة اتفضلي. حاولت أن تترجل من السيارة دون أن تتعثر بفـ,ـستانها و لكن الأمر كان صعبا للغاية انتظرت أن يمد يده لها لكي يسندها حتى تستطيع الترجل و لكنه لم يفعل. لقد كانت في أقصى درجات الڠضب و لكنها كتمت ذلك بنفسها و كرد فعل طبيعي قامت بالصياح به بحدة دون أن تشعر انت مش شايفني مش عارفه أنزل!.. هتفضل واقف تتفرج عليا كدا كتير!!
وصل صوتها لمحمود الذي ترجل من سيارته لتوه فأسرع إليهما فقد توقع أن صديقه القفل قد فعل خطبا ما بها. انتي بتعلي صوتك عليا كدا ليه!.. أنا مسمحلكيش على فكرة. رد عليها بنبرة تخطت نبرتها بكثير كادت أن ترد عليه إلا أن صوت محمود سبقها حين قال في ايه بس استهدوا بالله. راحت تردد بصوت منخفض لا إله إلا الله. ثم قالت بنبرة عادية مفيش حاجه حصلت يا محمود بيه… انا بس كنت بحاول انزل من العربية و مش عارفة انزل لوحدي بسبب الفستان و أدهم بيه واقف ساند ايده ع الباب و واقف بيتفرج عليا.
لمس في حديثها السخرية و لكنه سيطر على غضبه بينما محمود رمقه بـ,ـغيظ شديد و هو يقول بنبرة عادية حتى لا يزيد الأمور تعقيدا لا ملكش حق يا أدهم… اعذريه يا دكتورة ندى.. أصله متعاملش مع أميرات قبل كدا… كل تعاملاته مع المجـ,ـرمين و قـ,ــ,ـتالين القـ,ــ,ـتلة. اتسعت عيني أدهم بغيظ و هو يناظره پغضب الأمر الذي أثار ضحكها و لكنها كتمتها سريعا حتى لا ينظر لها نفس النظرة. تحامل أدهم على نفسه و تنحنح بأسف قائلا
أنا آسف يا ندى مقصدش اللي حصل طبعا.. بس أنا فعلا أول مرة أتحط في الموقف دا و مأخدتش بالي إني لازم أساعدك. هزت رأسها بإبتسامة بسيطة و هي ما زالت جالسة بالسيارة فقام أدهم بدوره بمد يده لها و هو يبتسم ابتسامة ساحرة ويكأنه يصالحها بتلك الإبتسامة التي كادت تفتك بها فتكا فقامت بدورها بوضع كفها الصغير البارد بكفه.
ليته لم يفعل لقد ازدادت لديها الأمور تعقيدا.. فلم تستطع أن تلملم فستانها من فرط الخجل و التوتر أثر لمسته المهلكة فانحنى عليها حتى أصبحت أنفاسه قريبة للغاية من وجنتها المشټعلة بحمرة مخلوطة بلونها الخمري علت دقات قلبها حتى أنه قد سمعها و هو يحاول لملمة فستانها لكي تستطيع النهوض و لكنه لم يبالي كثيرا لهذا الأمر فقد كان يبادلها مشاعر باردة حد الجليد. و أخيرا خرجت من السيارة و هي لا تستطيع أن ترفع عينيها بعينيه من فرط الخجل فتأبط ذراعها بعدما أخبره محمود بأن يذهب هو بعروسه إلى الباخرة و سوف يتولى هو أمر السيارة.
كانت الباخرة فاخرة للغاية مزينة بعناية… زينتها تليق بضابط كفؤ في العمليات الخاصة مثل أدهم. كان في انتظارهما بعض الأصدقاء المقربين من العائلة و بعض من زملاء أدهم و زوجاتهم و صديقات روان أيضا. كان أدهم قد أقنع الجميع آنفا بأنه لم يوفق في خطبته بدارين و حين علم أن ابنة صديق والده المقرب على وشك العودة لمصر لتستقر بها أصر على الزواج بها متحججا أنه كان يحبها و ينتظرها منذ كانت في الرابعة عشر من عمرها و قبل أن تغادر البلاد مع أبيها.
قامت السيدة تيسير بلكز ابنتها لكي تفعل أمرا ما فأسرعت إلى أدهم حين كانت ندى تقوم بتلقى التهاني و استغلت روان ذلك و تحدثت إليه في أذنه بهمس قائلة أدهم ماما بتقولك يا ريت تفرد وشك دا شوية… المفروض الناس عارفة انك بتحبها من زمان و كنت مستنيها ترجع… بزمتك دا منظر عريس ليلة فرحه! تنهد أدهم بنفاذ صبر ثم قال بإبتسامة مصطنعة حاضر يا روان… حلو كدا. قالها و هو يرسم تلك البسمة الصفراء على شفتيه فلوت شفتيها متحدثة بحنق
لا طبعا مش حلو… و الله أنا مستغرباك يا أدهم… بقى البسكوتاية دي متتحبش!.. طاب و الله أحلى من دارين مېت مرة.. و روحها و ډمها و كلها على بعضها كدا تعدي دارين بمراحل. رمقها بنظرة تحذيرية مزمجرا بخفوت روااان.. الزمي حدودك و متجبيش سيرة دارين على لسانك. هزت رأسها بيأس و هي تقول بهمس ربنا يهديك يا أدهم.. ثم تركته بنيران الڠضب و السخط تشتعل بسريرته و عادت إلى حيث تجلس والدتها بملامح متجهمة.
وشك ميبشرش بالخير. قالتها السيدة تيسير بقلق لترد روان بضيق ماما من فضلك أنا مش هتكلم مع أدهم في الموضوع دا تاني… هو مش صغير و اللي عايز يعمله يعمله. ايه اللي حصل بس قوليلي. مش وقته يا ماما… الناس بتبص علينا. كانت العروس خجلى و العريس ساكن قلما يتحرك و يتحدث مع عروسه الأمر الذي أصاب أسرته بالڠضب البالغ و لكنه لم يبالي لهم فيكفيه تظاهرا بالراحة و السعادة إلى هذا الحد.
كان آسر صديقه يرمقه بغيظ و يتوعد له فقد أشفق كثيرا على عروسه المسكينة و التي لم تلقى منه سوى التجاهل حتى الآن. العروسة أمورة أوي ما شاء الله.. كانت تلك كلمات خطيبة آسر و التي كانت تقف بجواره و بينه و بين شقيقتها مودة. رمقها ببسمة هائمة مرددا عقبالنا يا قلبي. ابتسمت له بخجل ثم أدارت نظرها لشقيقتها ترمقها بإشفاق بالغ ثم قالت لها بحذر عقبالك يا مودة. لوت شفتيها لجانب فمها بتهكم مرير ثم قالت بأسى
اللي زيي ميتقلهاش الكلمة دي يا ميري…انتي كدا بتحكمي عليا بالمۏت المؤكد. ربتت على كتفيها بحنو و هي تردد بلهفة بعد الشړ عليكي يا حبيبتي متقوليش كدا… ربتت على كفها المستقر على كتفها و هي تقول بنبرة راضية متقلقيش يا حبيبتي أنا مش زعلـ,ـانة…أنا راضية بنصيبي من الدنيا الحمد لله. اغرورقت عيني ميري بالدموع حزنا على شقيقتها الكبرى و التي تعاني من مرض مزمن في القلب يمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي و يجعلها صريعة بالمستشفى كل حين و آخر.
قام محمود بالتحدث إلى رجل الدي چي لكي ينهي ذلك الحفل السخيف كما يرى بسبب صديقه القفل فقام بدوره بتشغيل أغنية هادئة لإليسا.. عادة يتم تشغيلها في حفلات الزفاف و هي أغنية ع بالي حبيبي تقدم محمود بابتسامة ماكرة إلى حيث يجلس العروسين و قام بجذب أدهم من مقعده إلى منتصف الباخرة و أشار لندى لتأتي إليه و قد فعلت و قال لأدهم بمكر يلا يا عريس… ارقص مع عروستك رقصة سلو عشان تختم حفلتك.
اصتك فكيه پغضب و هو يرمقه بغيظ و لكنه سيطر على انفعالاته سريعا و استدار لندى التي كانت في قمة توترها… فهي أصبحت تخشى لمساته كثيرا.. و التي تفضحها و تفضح خجلها و عشقها له. قام أدهم بلف ذراعيه حول خصرها و لكن بتحفظ محافظا على مسافة كافية بينهما و كأنه يخشى الاقتراب منها بينما هي حمدت الله أنه لم يقترب أكثر من ذلك و إلا حتما كان سيسمع دقات قلبها للمرة الثانية.
اغتاظت السيدة تيسير منه حين بدأ يتمايل معها على أنغام الأغنية المؤثرة و هو مازال بعيدا عنها على هذه الشاكلة حتى أنها همهمت بضيق دول مش منظر عرسان أبدا… الله يسامحك يا أدهم… بقى هو دا اللي فضلت أدرسهولك من امبارح لحد النهاردة!!. و ما هي لحظات حتى أشارت لندى لكي تقترب هي منه أكثر و قد فهمتها و بالفعل اقتربت منه خطوة و قربت كفيها من رقبته حتى كادت أن تلفهما حوله.
لم تستطع منع نفسها من النظر إليه و هو قريب منها لهذه الدرجة و تجرأت و دارت بعينيها في ملامحه الوسيمة و هو أيضا شعر بمحاصرته لها بعينيه فبادلها النظرات عينيها جذبته إليها رغم أنها تبدو عادية اللون و لكنها عن قرب تبدو ساحرة بلون القهوة محاطة بدائرة ذهبية اللون و تلك النقطة الصغيرة التي تتوسط العدسة و التي يطلق عليها انسان العين أيضا ذهبية اللون…لقد جذبت انتباهه تلك اللوحة الفنية حتى أنسته سخطه الذي كان يغمره منذ قليل.
ندى…. أنا آسف إني كنت فظ شوية معاكي.. بس للأسف دي طبيعتي.. مبعرفش أذوق الكلام. قالها بصوت هامس رقيق جعلها تتأمله بوله أكثر حتى أنها لم تفهم ما قال… يكفيها فقط طريقة نطقه لإسمها. لم ترد عليه فهي لم تفهم ما قال من الأساس فاعتقد أنها مازالت غاضبة منه. يبقى انتي أكيد لسة زعلانة مني.