اغلق الهاتف و عاد رأسه للخلف ، لا يفهم بل يصعب عليه التوصل لمعنى واضح عن ما يحدث معه. و لا لما يفعل كل هذا ، لما لا يستطيع تركها و شأنها و لما لا يستطع الإقتراب أكثر طالما أنه يريد ذلك. ليأتيه الرد على هيئة صوت … صوت سلوى التى دلفت لعنده مندفعه مبهورة تردد : غانم غانم … ألحقني يا غانم . وقف مبهوت ، خائف على طفله و سأل : في إيه ؟ إيه إلي رجعك بدري ، الحمل حصل له حاجة ؟
هزت رأسها بجنون و هي تضع يدها على معدتها التي بدأت تنتفخ قليلاً و قالت: أنا مش مصدقه نفسي.. مش عارفه أصدق .. إحساس جنان. هز كتفيه بجهل و قال: في ايه يا سلوى قولي بسرعه بالله عليكي أنا مش ناقص. اقترب منه سريعاً و خطفت يده تضعها على معدتها لتتسع عيناه و يقشعر جسده و هو يشعر بتحرك شئ ما تحت يده حركة خفيفة. أبتلع رمقه بصعوبة و سأل: ده… ده إيه ده ؟
قالت سلوى و هي حرفياً على شفى خطوة واحدة من الجنون: البيبي بدأ يتحرك يا غانم ، أنت متخيل .. يااااه .. أنا أول مره أحس الإحساس ده ، ده طلع إحساس جنان … كل مره ماكنش الحمل بيعدي الشهر التالت حتى فمكنتش بحس بكده ، دي أول مره.
وقف مبهوت ، لأول مرة يشعر بهكذا إحساس و سلوى كذلك التي قالت : أنا كنت برا و أول ما حسيت بكده سبت كرم يكمل و جيت على هنا بسرعة ، كرم بيقول أن ده من الحلويات إلي أكلتها ،و كل ما باكل حلويات كل ما بتزيد حركة البيبي كده… أنا هطلع اوضتي بسرعه عشان أرتاح و أنام على ضهري.. الحمل ده لازم يكمل. غانم : طيب أهدي براحة بس.. إن شاء الله هيكمل ، أطلعي إرتاحي.
سلوى : أيوه أن شاء الله هيكمل، لازم و إلا هيجرى لي حاجه ، أنا ممكن أتجنن فيها بجد ، تعالى معايا لاوضتي يالا نيمني . لم يفكر لثواني ، ذهب معها ، و هو يعلم أن حلا تمنع الآن من الخروج و ستعود لغرفتها غاضبه تود حرقه ، سيتركها قليلاً لتهدأ و هو كذلك. فليهتم حالياً بطفله القادم و ينتظر حتى تهدأ تلك الطفلة التي تقطن غرفتها بالأسفل .
مرت عدة أيام لم تكن كفيلة أبداً بأن تهدئ حلا ، بل كانت عصبيتها تزيد يوم عن يوم رغم سماح غانم لها و أخيراً باستخدام هاتفها المحمول فبعد فترة من المنع أقتربت من الشهر تعطف و تكرم عليها و سمح لها بإستخدامه فقط لتطمئن أمها عليها يومياً. جلست على الكرسي في المطبخ ، لا تهتم بالسماع إلى ما يحكيه كرم ، تراه كثير الكلام كالسيدات بالضبط . ليتفاجئ كل منها بغانم يقف على باب المطبخ يقول بعناد طفل أرعن : عايز قهوة
لم تنظر له رغم أنها تشعر بأنظاره مسلطه عليها ، يقصدها بحديثه رغم تعميمه الكلام أثناء الطلب . فزاد غضبه و قال من جديد : بقول عايز قهوة . فقال كرم : حاضر يا باشا . غانم : مش الهانم طلبت منك بسبوسه ، خلصها لها بسرعة عشان نفسها فيها . كل هذا و هي تنظر أرضاً ببرود قاتل .. قاتل جداً بل مدمر لأعصاب ذلك الضخم الواقف يسد الضوء عن الباب و هي جرو صغير يجلس على كرسيه متسبب في عصبية شخص مثله و أيضاً لا تبالي .
فقال كرم : هعملك القهوة و أكمل . غانم : و ليه هو مافيش غيرك هنا ، حلا تعمل القهوة. و أخيراً نطق أسمها بلسانه بعد خصام أيام ، رغم أنه ينطقه كل يوم و ليله في سره … حلا.. كم يعشق هذا الإسم بحروفه الثلاث . ليأتيه الرد البارد من صوت بارد ردد : مابتعرفش . زادت وتيرة أنفاسه قليلاً ، و أخيراً تحدثت إليه و أستمع لصوتها ، لكنها كلمة قصيرة ، و هو يرغب في إطالة الحديث فسأل: ما بتعرفش إيه ؟
حلا بنفس البرود : مابتعرفش تعمل قهوة . غانم : بجد أمال بتعرفي تعملي إيه ؟ حلا : ما بعرفش أعمل أي حاجة ، أنا بقول توفر عليك فلوس مرتبي و تمشيني . كانت مستفزة بجدارة، مستفزه لأقصى حد ، أراد إستفزازها كما تفعل معه و قال : إلي مش بيعرف يتعلم ، أهو تتعلمي لك حاجه تنفعك و تشتغلي بيها ، هتمشي من هنا يعني تقعدي في البيت من غير شغل ؟
تنهدت ببرود و قالت : أنا مش بتاعت شغل ، أنا هتجوز و أقعد في البيت . تخطت كل الحدود و هي لا تعلم او تقصد ، فكرة أنها ستتزوج بآخر ألهبت الغضب في قلبه و صدره و دلف للمطبخ بخطى غاضبه يقول: تتحوزي إزاي يعني ؟ بارعة ، أستاذة و رئيسة قسم في البرود ، أنها كثلج ألاسكا بالضبط تنظر له بأعين باردة ثابتة ثم قالت: و أنت مالك ، دي حاجة تخصني لوحدي ، هو انت من بقية أهلي ؟
فقال غانم بغضب: حسابك تقل معايا أوي ، خلصي القهوة و تعاليلي على مكتبي. خرج سريعاً ، لن يتحاسبا أمام كرم ، فلتأتي لعنده و يكونا بفردهما و وقتها سيريها كيف ستتزوج برجل أخر . لكن حلا لم تكن تهتم و لم تصنع له القهوة حتى ، تركيزها على الوصول لفرصة للخروج من هنا ، كل دقيقة تمر عليها و هي معه تراه يقترب و يدلل زوجته تمـ,ـوت حية و أكثر ما يقـ,ـتلها هو أنها لا تستطيع البوح و لا تستطيع التوقف عن ما تشعر به .
نظرت لكرم و سألت : خلصت البسبوسة يا كرم . كرم : أيوه ، بسبوسة بقا إيه ماقولكيش من إلي وصى عليها لقمان . حلا : ايوه طبعا طبعا ، هاخد منها بقا . كرم : خدي إلي أنتي عايزاه ، أنا هروح أودي الطبق ده للست سلوى و جاي . ابتسمت له ثم وضعت البسبوسة في صحن صغير ة معه شوكة ، ثم عدلت من ضبط فستانها على جسدها و صففت شعرها ، التقطت الصحن و خرجت للحديقة تبحث عن هدفها.
حتى توقف أمامه و نادته لتلفت إهتمامه : عزام . إلتف لها على الفور و هو مستغرب وجودها ، و بعيناه يظهر الإعجاب بجمالها بوضوح ثم ردد : ست حلا ؟ بتعملي إيه هنا. جعدت ما بين حاجبيها و سألت: إيه ست حلا دي ، أنا حلا عادي. عزام : ما هو ….
صمت لا يعرف بما يجيب او يقول ، هو بالطبع ملاحظ لإهتمام رب عمله بها لذا فهي بالتأكيد ليست مجرد خادمة فهو يعمل مع غانم من فترة ليست بقصيرة و لم يراه مسبقاً يسير يوزع الإهتمام على هذه و تلك بل يفعل فقط مع حلا لذا أرفق كملة (ست) مع إسمها . لكنها رفضت و قالت : ما هو إيه ، ده أنت حتى شغلتك أشيك مني شوية ، مسؤل أمن ، مش خدامة زيي .
أبتسم لها و قال: ما تقوليش كده ده أنتي ست البنات كلها. أتسعت أبتسامتها و قالت: طيب أنا جبت لك البسبوسة دي ، عملتها بأيدي قولت لازم أجيب لك منها . و گ المثال القائل “أجسام البغال و عقول العصافير” فقط إستطاعت حلا بكلماته البسيطة الساذجة تلك أن تضحك على عقل عزام الذي أخذ منها الصحن مسرور و بدأ حديث طويل بينهما بل جلب لها مقعد بلاستيكي أيضاً لتجلس بجواره يتبادلان أطراف الحديث الخفيف و هو مستمتع بمذاق حلوى البسبوسة.
جلس على طرف السفرة ينقر على زجاجها بغضب ، أين هي و لما لم تأتي بالقهوة ، لقد صبر عليها كثيراً حتى أن ميعاد الغداء قد أتى و هي لا حس عنها و لا خبر. يرغب في الذهاب لها لكن هيبتة تمنعه خصوصاً و هو لا يجد منها مؤخراً غير الرفض القوي ، و كذلك سلوى تجلس معه الأن. رفع عيناه على صوت همهمة متلذذة صدرت عن سلوى التي تلتهم البسبوسة.
نظر لها بإنزعاج واضح و قال: في ايه يا سلوى ، ده تاني طبق ، كتر الحاويات ده غلط. سلوى : غلط و لا صح مش مهم ، الحلويات بتخلي البيبس يتحرك و أحس بيه و أنا عايزه كل شويه أحس بكده . غانم : ماشي يا حبيبتي بس ده غلط ، جسمك يبوز في ايه ، ما طول عمرك بتخافي على جسمك حتى لما كنتي بتحملي قبل كده كنتي بتفضلي محافظة.
سلوى : ماكنتش لسه أكتشتفت الإكتشاف الرهيب ده ، أنا في سبيله ممكن اضحي بأي حاجة حتى لو كانت الحاجة دي هي رشاقتي ، أنت مش متخيل . نظر لها غانم بتعاطف كبير ، أصبح متخوف عليها ، كل مره يتمنى إكتمال الحمل و هذه المره كذلك ، لكن الأمر تعدى كل ذلك ، فجنون سلوى و تعلقها به يجعله متخوف عليها ، فهو الآن لا يرى سلوى زوجته التي يعرفها بل يرى أمرأة مهووسة بذلك الجنين.
وضع كفه على جبينه يمسحه ، كل شيء يزيد الثقل على كاهله ، سلوى و شعوره بالمسؤولية ناحيتها و الحمل و خوفه عليه ، و تلك الحلا التي تعلق بها تلعق شديد و هي تعذبه و هو كذلك . لينظر حوله ، ترى أين هي ؟ لم يتحمل كثيراً و وقف بصمت تام لكنه گ العاصفة و ذهب يبحث عنها . دلف للمطبخ و لم يجدها ، كاد أن يغادر لولا أنه لمح عبر النافذة المفتوحة ذلك المشهد الغرامي الخلاب.
ذهب لعندهما كالأعصار تماماً ، وقف صارخاً عليها: حلااااا . نظرت له بطرف عيناها و لم تهتم بينما وقف عزام يردد : في حاجه يا باشا ؟ نظر له بغضب ، و الله و جاء اليوم الذي سيغير فيه من عزام. تجاهله متعمداً و وجه حديثه لها بصوت مخيف : بتعملي إيه هنا ، يالا معايا حالاً فقالت و هي تعلم أنها تتعدى كل الحدود : لأ ، أنا عايزة أقعد مع عزام شوية كمان .
رأت النيران في عيناه، رغم خوفها إلا أنها تريد ذلك فربما كل ذلك يعجل من ذهبها من هنا نهائياً بالتأكيد شخص گ غانم لن يتحمل كل ذلك و سيطردها نهائياً حفاظاً على هيبته . أما غانم فلم يبالي و قال: زودتيها ،زودتيها أوي يا حلا ، قدامي على جوى أنا هعرف إزاي أعلمك الأدب. تقدم يقبض على عضدها و يجرها خلفه للداخل ، في الوقت الذي ارتفع فيه صوت سلوى برعب يهز البيت كله هزاً : اااااااااه… غاااانم .. ألحقني… البييييبي… دم.. دم يا غانم …..
********* الفصل التاسع ركض للداخل مفزوع يسأل بلهفة و قلق : في إيه يا سلوى ، ايه اللي حصل. مدت سلوى ذراعيها له بهلع تستجديه : ألحقني يا غانم ، ألحقني ، في نقط دم في هدومي ، البيبي… هيجراله حاجة ، البيبي هيجراله حاجة يا غانم ، جيت اقوم من على الكرسي لاقيت فيه دم. ارتعدت كل أوصال غانم و وقفت حلا في أحد الأركان تراقب ما يحدث بصدمة و صمت تام .
بينما غانم يصرخ على العم جميل ليسرع في تجهيز السيارة . كان يسير في المشفى بخطى واسعه خلف الترولي المتحرك الذي أستلقت عليه سلوى يمسك على يدها يحاول طمئنتها لكنها لازالت تصرخ مرددة جملة واحدة: هيبقى كويس . غانم : إن شاء الله .. قولي يا رب يا سلوى. سلوى : لأ.. هو هيبقى كويس .. لازم يبقى كويس .. لازم . غانم : أدعي ربنا إنه يحافظلنا عليه.
سلوى : هيبقى كويس .. البيبي هيبقى كويس .. أنا مش هتحمل .. مش هسقط تاني .. مش هدخل عمليات و أنزل أبني… مش هعمل تنضيف و كحت للرحم تاني .. أنا أستويت .. و الله العظيم أستويت . دلف بها الممرضين للداخل يجهزونها كي يتم الكشف عليها و هي لازالت تردد نفس العبارات. دخل الطبيب و حاول التحدث معها لكنها قالت : البيبي ده لازم يعيش.. لازم يعيش يا دكتور .. إنت سامع.
نظر الطبيب لغانم فتقدم من سلوى و قال : سلوى لو سمحتي أهدي خلي الدكتور يشوف شغله . لكن سلوى مازالت تتحدث بجنون : مش هتحمل ،مش هتحمل … لازم يعيش .. لازم . أقترب الطبيب منها و قال بهدوء: طيب مش تسبيني بقا أشوف شغلي عشان ننقذه و يعيش . و أخيراً أمتثلت لما يُقال لها و هزت رأسها مراراً تردد : أيوه.. صح .
باشر الطبيب عمله ألى أن انتهى و قال : الرحم وضعه مش مستقر ، و البيبي كمان ، هناخد الحقن دي و ننتظم عليها مع الراحة التامة… ماتقومش من على ضهرها لحد ما الشهر ده يخلص و بعدها تجيلي عشان نشوف الوضع إيه و نطمن. نظرت له و سألت بلهفة و هوس : يعني هو كويس صح ، أيوه هو كويس، و هيبقى كويس. أبتسم لها الطبيب و قال : إن شاء الله.
و أخيراً ألتقط غانم أنفاسه المحبوسة و بدأت إبتسامة الراحة تتكون على جوانب شفيته لتصنع ضحكة سعادة ، لكن لم تكتمل فقد اندفع الباب بقوة و دلفت منه والدة سلوى تردد : في أيه ؟ إيه إلي حصل ؟ أكيد ضايقتها و عليت ضغطها يا أبن صفوان . دلف والدها هو الآخر يسأل : عملت ايه للبت ، إيه إلي جرى يا سلوى ؟ تجهم وجه غانم بضيق شديد ثم قال: هو في ايه ، إيه الطريقة دي ، إيه…. مجوزينها لقتـ,ـال قتـ,ـلا … عيب عليكوا إلي بتعملوه ده ، أنا مش هفضل ماسك نفسي كتير .
رضا : أنت بتعلي صوتك علينا؟ غانم : أه بعلي صوتي عليك و لو مالمتش نفسك هتشوف وش مش هيعجبك ،انا سكت لك كتير أوي عشان عامل خاطر لسنك و عشان بنتك ، بس أنت الظاهر كده سوقت فيها . حاولت سلوى التحدث : غانم ، عيب كده .. أنت بتزعق لبابا؟ إلتف غانم لها و قال : يعني مش شايفه أبوكي قال إيه ، ده بدل ما تقولي له يحترم نفسه .
رضا: لااااا ، ده انت زودتها أوي. كاد غانم أن يتحدث لكنه تذكر وضع زوجته و طفله الآن فصمت… أطبق أصابعه في قبضة محكمة كأنه هكذا يكظم غيظه ثم خرج كالأعصار و صفع الباب خلفه. دلف للبيت بمنتصف الليل منهك القوى يجر قدميه جراً . منهك القوى ، روحه متعبه ، اليوم كان صعب جداً و الضغط مضاعف ، من ناحية تعب سلوى و حياة طفله المهددة بالخطر و من ناحية الضغط العصبي المتمثل في إستفزاز أهل زوجته .
ما عاد يتحمل مطلقاً ، نظر في أرجاء البيت بصمت تام. لم تكن أبدا تلك هي الحياة التي يريد ، البيت بارد و باهت رغم أنه نفس البيت العتيق الدافئ الذي كبر و تربى فيه على قصة الحب العظيمة التي كانت بين والده و والدته . أغمض عيناه بتعب ، يتذكر كيف ماتا ، فللحب مرار يعادل حلاوته.
فلم يتحمل والده أن حبيبة عمره أصيبت بالسرطان و تحول من رجل قوي ضخم الجثة شديد الهيبة لرجل متعب يعرف الدمع عيناه كلما رآها و هي تتألم من جرعات الكيماوي و بدلاً من أن يقويها و يساندها مات ….. لتمـ,ـوت بعده بأسابيع لكن ليس من السرطان و إنما حزناً عليه … هكذا أخبره الطبيب . ليصل في النهاية إلى حقيقة واحدة و هو أن الحب مؤلم أحياناً…. مؤلم جداً. لذا لم يفكر مرتين حين أبرم مع رضا تلك الصفقة العظيمة ، خصوصاً و أنها على قدر من الجمال و متعلمة و ابنة أصل .
سحب نفس عميق و هو ينظر لباب غرفة حلا ، و هو قادم في الطريق كان ينهبه نهباً بسيارته كي يصل سريعاً يود أخذ جرعته اليوميه منها . لكنه الآن توقف ، ما عاد يريد ، لن يقع في فخ الحب كما عاهد نفسه ،و ليظل قلبه ملك له . كذلك سلوى لا تستحق الغدر مطلقاً رغم كل عيوبها ، و طفله القادم يلزمه حياة أسرية سعيدة و رائعة .
فلم يتردد … ذهب لغرفته كي ينام… أو يحاول . صباح يوم جديد أستيقظ من نومه على صوت ضحكات عالية صاخبة . فتح عيناه بتشوش و أنزعاج و نظر حوله ليجد الغرفه خاليه و لم تمر ثواني حتى تعاقبت على ذهنه ذكريات أمس من مرض زوحته و مكوثها في المشفى ليلة أمس . قطب جبينه وهو يسأل نفسه من سبب كل تلك الضحكات الرنانة. دارت عيناه فى محجريها و قد ورد لذهنه شخصية واحدة لينفض عنه الغطاء و يقف سريعاً ثم يذهب ناحية النافذه ، يزيح الستار ثم يفتح الزجاج .
صك أسنانه بغضب جم و هو يتأكد من حدثه ، فصوت تلك الضحكات الرنانة آتي من تلك البطة البيضاء التي يؤيها في بيته . تشنجت ملامح وجهه بغضب ناري و هو يرى كلا تقف في الحديقة مرتديه فستان وردي أسفل ركبتيها بقليل ، يضيق على الصدر و الفخذ ، متخذ شكل جسمها الفتاك و قد رفعت شعرها على شكل كحكة عالية ليظهر جيدها ناصع البياض. منظرها وحده مستفز لأي بشري مهما كانت طاقة تحمله.
كل ذلك و لم تكتفي بل كانت تقف و بيدها صحن صغير تأكل منه و هي تتحدث مع عزام و تضحك على نكات سخيفة يقولها. غلت الدماء في عروقه و تمكن الغيظ منه ، أغلق النافذة على الفور و هو يحاول كتم غيظه ثم يردد متظاهراً بالا شيئ كي يقنع عقله: عادي عادي .. عادي يا معلم عادي .. واحده و بتضحك ، هي حرة. رفع رأسه عالياً في محاولة شديدة البأس منه للسيطرة على أنفعالاته ، يثبت لنفسه إنه هو المتحكم الأول و الأخير بها ، هو من يملكها فقط و ليس أحد سواه .
فأرغم نفسه على أن يذهب للمرحاض لينعم بحمام دافئ طويل . لكنه لم يكن طويل ، بل لم يتعدى الدقيقتين و خرج ليبدل ثيابه سريعاً ثم يطلب قهوته و يدخل مكتبه ليرى الأعمال المتراكمة عليه . فتح الباب و دلف العم جميل يسأل : صباح الخير يا ولدي ، الست سلوى عامله إيه ؟ حاول غانم التحدث و قال : كويسه . لترن من جديد صوت ضحكة حلا ، على ما يبدو أنها مازالت تقف معه .
حاول التغاضي أو التظاهر بذلك و قال لجميل: فين ورق حسابات مصنع اللحوم . أعطاه جميل بعض الأوراق و قال: أهي يا ولدي ، بس باينها فيها مشكله ، في غلط ييجي بربع مليون جنيه . رفع غانم حاجبه الأيمن و سأل بغضب شديد: نعم ؟ ربع أيه ؟ هو ايه اللي ربع مليون جميل: هدي نفسك يا ولدي مش كده ، صحتك . غانم: هو إيه الى أهدي نفسي ، هو الربع مليون دول بيلعبوا ؟ أنت ليه محسسني أنك بتتكلم عن ربع جنيه ؟
جميل: و الله يا ولدي ما أنا عارف ، الواد المحاسب ده كأنه متقصد إلي بيعمله و ملغبطلنا الحسابات عشان نتوه . ضرب غانم على سطح مكتبه و قال: لأ تشوفهولي بقا .. عشان دي مش أول غلطة ، هو في ايه ، ده تاني محاسب مايكملش السنه إلا و في لغبطة و لعب. جميل : طب هدي روحك يا ولدي صحتك ، أنا هشوف شغلي معاه ،على الله بس ما يطلعش تبع إلي ما يتسمى إلي أسمه صلاح .
صدحت ضحكة حلا من جديد فرد بغضب و توتر : شوفه و قرره ، و هات أخره عشان أنا مش هحله . صمت جميل لثواني ثم قال: فيك إيه يا ولدي ؟ مش عوايدك. أكل غانم بواطن فمه يخرج فيها غيظه ثم قال: ماعلش ، أنا بس متعصب عشان سلوى و تعبها و كمان المشاكل إلي كل يوم و التاني دي .
ألتمعت عينا جميل و قال ضاحكاً: عيني عليك يا ولدي ، أهو العز و المال مش بيجيبوا غير وجع الراس ، ماكنتش طلعت فرد أمن غلبان أقله كنت طلعت لك ب بطاية حلوة تحل من على حبل المشنقة زي عزام الأسود ده . أحتدت أعين غانم و سأل : أنت تقصد أيه ؟ التوى ثغر جميل و جاوب : صحيح أصلك ما شوفتش جوز الكناري إلي برا ، هئ و مئ و دلع ، هنية له و الله.
صرخ غانم : بقولك تقصد مين ؟ جميل: أقصد البت الخدامة الجديدة دي و الواد عزام الحارس بتاعك ، شكله الحب ولع في الدرا . هب من مقعده بغضب شديد و ذهب ناحية الشرفة ليراها مازلت تقف معه و تعطيه من حبات الفراولة الطازجة الموجودة في الصحن الذي تحمله. ذهب جميل و وقف خلفه و قال و هو قريب من أذنه : هنية له و الله عزام ، البت فرسة ، بس فرسة قصيره ههههه
فزجره غانم بغضب ليقول : أحمممم ، أنا بقول تروح تطل على مراتك و تطمن على إبنك و لا إيه. نظر لها غانم بصمت فحمحم بحرج و إلتف خارجاً و هو يقول : أنا هروح اشوف موال الواد المحاسب ده و هقول لكرم يعملك الفطار بسرعه عشان تروح المستشفى . خرج مسرعاً من عنده و حاول غانم تذكير نفسه بما عاهد حاله به ليلاً ، يجاهد في طرد تلك الأفكار عنه و أخماد تلك النيران التي تأكله .