مر عدة أسابيع… بدأت راما تتأقلم مع وجود عمر في حياتها، إذ أثبتت براعتها في العمل حتى أشاد بها الجميع. كانت تتعامل مع ضغوطات العمل بكل شجاعة، وتخرج بابتسامة رغم ما يعتريها من مشاعر مختلطة. في المقابل، كان عمر يقضي أسعد أيام حياته لوجود راما بالقرب منه، وشعر كما لو أنه يعيش في أحلام العصور الذهبية، حيث عادت له مشاعر الشباب والحماس، وكأنها كانت له فجرًا جديدًا بعد ظلام طويل.عندما أنهت راما العمل، خرجت من مكتبها واتجهت نحو مكتب عمر، تتمنى أن تقضى معه بضع لحظات ممتعة.
طرقت الباب ودلفت إلى الداخل بابتسامة تضيء وجهها، لكنها مندهشة بشكل مفاجئ عندما رأت فتاة تمسك يد عمر وتبتسم له بسعادة، وكأنهما في عالم آخر. لحظات ظلت فيها راما جامدة، بينما ذكريات خـ,ـيانة زوجها السابق في موقف مشابه كانت تتدفق في عقلها كالأمواج العاتية، مما جعل قلبها ينبض بشدة. تكلمت بصعوبة، ودموعها تتقدّم على وجنتيها، وقالت: “ا ا أنا آسفة، معرفش أنك مشغول.”
ركضت خارجاً، والدموع تتسابق على وجهها، وهي لا تشعر بالوقت ولا بالمكان، بل كل ما كان يشغلها هو الألم الذي أحست به. هبطت إلى الأسفل، مثيرةً ضجيج خطواتها المتسرعة، وكأنها تحاول ضبط فوضى مشاعرها. حاولت التلويح لسيارة أجرة، لكن كل جهدها كان بدون جدوى. تفاجأت بعمر يمسك ذراعها، يشدها بلطف، ويقول بأنفاس لاهثة: “راما، مالك خرجتي تجري ليه من المكتب؟ قعدت أنادي عليكي مردتيش؟”. كانت عينيه مليئتين بالقلق، وملامحه تعبر عن رغبة عميقة في فهم ما يحدث لها.نظرت في الاتجاه الآخر، متجنبًة مواجهته، ثم تكلمت بصوت مختنق:
“مافيش، أنا بس عايزة أروح ضروري.” كان الصوت الذي خرج منها بعيدًا عن حدود الكمال، واختلط فيه الشك والحزن. مد يده وحرك وجهها برفق، أُرغمها على النظر إليه بأسلوب يجمع بين القلق والحنان، ثم قال بنبرة هادئة: “مالك يا راما، بتعيطي ليه؟”. حاولت أن تمنع دموعها، ولكنها كانت تتزايد أكثر مع كل لحظة، وكأنها تعكس كل الألم الذي في قلبها. تكلمت بصعوبة، متوسلة: “ارجوك يا عمر، سيبني أمشي.” كانت الكلمات تخرج كما لو كانت نابعة من أعماق جرحها، وكانت تحاول أن تظهر بمظهر القوية، إلا أن صوتها خانها.هزّ رأسه بالرفض، وبنبرة حنونة، قال:
“لا يا راما، مش هسيبك تمشي بالشكل ده، مش هكون مطمن عليكي.” كلماته خففت من وطأة الكآبة، لكنها لم تكن كافية لتخفف من عاصفة مشاعرها. أخذت نفساً عميقاً، وعبرت بصعوبة: “أنت عارف سبب طلاقي إيه يا عمر؟” كانت عينيها تلمعان بالرجاء أن يفهم عمق معاناتها.هزّ رأسه بعدم معرفة، وكأن السؤال لم يكن مجرد كلمات، بل بوابة مفتوحة لعالم من الألم. تعالت شهقاتها، وتحدثت بصوت حزين منكسر:
“علشان كان بيخوني يا عمر. دخلت عليه وهو مع السكرتيرة في مكتبه، ولما حاولت أغضب وأرفض الوضع ده، قالي إن جوازنا كان مجرد متعة ليه، وإنه اتجوزني علشان رفض يقرب مني من غير جواز. ما صدق اللي حصل ده، علشان يطلقني ويخلص مني. ذلني بالفلوس اللي صرفها عليّا وعلى أهلي. كسر قلبي اللي حبه بصدق، حبه هو مش فلوسه. يومها حلفت أني مش هسلم قلبي لحد تاني مهما حصل، بس للأسف قلبي خانني هو كمان وضعف. مبتعلمش من أخطائي. النهارده ولتاني مرة شفت نفس مشهد الخيـ,ـانة.”
كانت كلماتها تحمل ثقل الذكريات الأليمة، وكأنها تنقل له كافة الألغاز التي كانت تحيط بقلبها المنكسر، آملة أن يتمكن من فهم ما كان في جعبتها لتحاول الشفاء سويًا.عقد بين حاجبيه بعدم فهم، ثم تساءل ببراءة واضحة: “خـ,ـيانة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة يا راما، إيه سبب كلامك ده؟” أزالت عبراتها بأناملها المرتجفة، ثم قالت بصوت مختنق من شدة البكاء: “انسى يا عمر الكلام اللي قلته، واضح أني بقيت حساسة شويتين.”
نظر إليها بنظرة مطولة مليئة بالقلق، وكأنما بحث في عيونها عن أمل أو تفسير. ثم تذكر الفتاة التي رأها، وضحك ضحكة عميقة، خطفته السعادة رغم كل شيء، وكاد قلبه يتوقف من شدة الضحك، قال بسعادة: “إنتي غيرانة عليا يا راما؟ مش معقول!” رفعت حاجبيها إلى الأعلى وعبَّرت بضيق، ربما لعدم قدرتها على إخفاء مشاعرها: “و و و أنا هغير عليك بصفتي إيه؟” اقترب منها، وأمسك يدها بنعومة قال بنبرة تحمل الكثير من الشغف:
“بصفتك حبيبتي، يا راما…” ثم تنهد بعدم تصديق، واستمر في حديثه: “أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان أوي. كل يوم أصحى من نومي على أمل أنك تحسي بحبي ليكي، بس اليوم كان بيخلص وأفقد الأمل. راما اللي شفتيها فوق في المكتب دي أختي الصغيرة، ومخطوبة لسيف ابن خالتي. كانت جايه لخطيبها وعدت عليّا بس كده.” أرجعت شعرها خلف أذنيها، مع شعور بالقلق، وقالت بتوتر: “و و و أنا مالي إذا كانت أختك ولا حبيبتك؟ على فكرة، أنا مضايقتش منها أصلاً!”
أومأ برأسه بابتسامة مريحة وقال: “أيوه، أيوه، ما هو واضح أهو إنك مش فارق معاكي.” تراجعت إلى الخلف وعقدت ذراعيها على صدرها، ونظرت في الاتجاه الآخر، بينما وضعت في قلبها قولها بصوت متردد: “متتريقش لو سمحت، وفعلاً انت مش فارق معايا.” أخذ نفساً عميقاً وتكلم بنبرة عاشقة تحمل الكثير من الثقة:
“راما، أنا بحبك ومش من دلوقتي، لا من أيام ما كنتي لسه في إعدادي. خطفتي قلبي بخفة دمك وجمالك. كنت مستني أنك تتخرجي وأتقدملك، بس لاقيتك اشتغلتي في الشركة، ومافيش كام شهر أتجوزتي. اتقهرت وقلبي انكسر، بس قولت أكيد مافيش نصيب. رضيت بأمر ربنا، بس مقدرتش أشوف واحده غيرك. رغم محاولات مي معايا وأمي،وكلهم كنت شيفهم عادي، إلا أنتي بشوفك استثنائية. ولما رجعتي وعرفت من رامي أنك اطلقتي، اتجدد الأمل جوايا من جديد. حسيت أن طلاقك ده عوض ربنا ليا. واخدت عهد على نفسي أني مش هفرط فيكي، وأول فرصة هتيجي ليا هعترفلك بحبي، وأتجوزك.
هعمل كل حاجة عشان أحببك فيا، والحمدلله أهي الفرصة جات وبدأتي تحبيني. علشان كده أنا بقولك، أهوو هتجوزك يعني هتجوزك.” انهمرت دموعها بغزارة، وحركت رأسها بالرفض، وقالت: “مينفعش يا عمر، صدقني مينفعش، أنا مش هقدر أكرر اللي عشته تاني، مش هقدر والله.” أمسك يدها وتحدث بحب، قائلاً بوعد: “أنا مش زيه يا راما، صوابعك مش زي بعض. أنا بحبك بجد، وعلشان كده عشت عمري كله مستني فرصة واحدة تقربني ليكي. يبقى بعد ده كله، هكون عايز أتسلى بيكي. سيبي نفسك ليا، وأنا هنسيكي كل الماضي.”
ظلت تنظر له، ثم تحركت بسرعة، أوقفت سيارة أجرة وصعدت بها وغادرت المكان.ظل يتابعها عمر بنفاذ صبر، وقال بتوعد: “اهربي زي ما انتي عايزة يا راما، في الآخر قلبك هيرق وهتوافقي تتجوزيني.” ثم عاد مرة أخرى إلى الشركة لمتابعة عمله، لكن خيالاته عن راما ما زالت تعصف بأفكاره، ملمحاً للأمل بأن مستقبلهم قد يكون مشتركاً يوماً ما. “خذلان الماضي”6 “الجزء السادس والاخير” بعد عدة أسابيع…
جلست راما حبيسة بغرفتها، وموجات الدموع تنهمر من عينيها، تشعر بشوقٍ عميق لعمر، الذي كان يمثل لها أكثر من مجرد حب، بل كان هُناك عالم كامل من الذكريات الجميلة واللحظات السرمدية التي شاركتها معه. لكنها أرغمت نفسها على الابتعاد حتى لا تتكرر خيبة الأمل التي تعرضت لها في الماضي بسبب خيـ,ـانة وألم الفراق، عندما تمزق قلبها وأحلامها إلى أشلاء بفعل خيـ,ـانة غير متوقعة من شخص كانت تعتمد عليه. سمعت صوت عمر يتردد في الخارج، وهو يناديها للخروج ليتحدث معها، وقلوبهم تبدو وكأنها تخفق بحذر، كل منهما مدرك لخطورة الموقف ولكنهما متمسكان بالأمل.
حاولت مي ووالدتها ثنيها عن قرار الابتعاد، لكن كل محاولاتهما ذهبت أدراج الرياح، حيث كانت راما تتمسك بموقفها وكأنها تبني جدارًا بين قلبها وذكرياتها المؤلمة.وصلتهم دعوة فرح من أحد أفراد العائلة في مطروح، فرَفضت راما الذهاب بشدة، بينما لم تتمكن مي من الذهاب أيضًا لاقتراب موعد ولادتها، وبذلك كانت الأجواء صحراوية من الإحباط والانزعاج تجوب المكان. تركها رامي مع أخته راما وطلب منها الاعتناء بها حتى يعودوا في صباح السبت، متمنيًا أن يتجاوزوا هذه المحنة الصغيرة معًا.فجأة، دوى صوت صراخ يأتي من غرفة مي، انتفضت راما من مكانها بهلع وركضت بسرعة نحوها، وكأن صوت مي كان ناقوسًا ينبهها للخطر القائم.
تكلمت بصوت مرتعش ونبرة قلقة، مستفسرة: “مالك يا مي بتصرخي كده ليه؟” بدأت مي بالبكاء وقد امتلأت عينيها بالدموع، وأجابت بألم: “شكلي بولد يا راما! الطلق عندي من بليل، بس كنت مفكرة إنه شوية وهيعدي زي كل مرة. مش قادرة أتحمل بمـ,ـوت ألحقيني، أبوس إيدك.” ابتلعت راما ريقها بصعوبة، وقالت بتوتر: “حاضر، حاضر! هتصل بالاسعاف.” صرخت مي بألم وقالت: “الإسعاف يومها بسنه على ما يوصلوا، يكون اللي في بطني نزل، اتصلي بعمر بسرعة! هو هيوصل أسرع من الإسعاف.”
تعالت دقات قلب راما بالقلق، أومأت برأسها بالموافقة، وأمسكت هاتفها وأجرت اتصالاً، بينما كانت تتمنى في داخلها أن يأتي عمر سريعًا، كأنه الفارس المنقذ من هذا الألم. انتظرت الرد بضع ثوانٍ معدودة قبل أن تسمع صوته المتلهف يشد انتباهها: “أخيرًا، راضيتي عليا وكلمتيني! وحشتيني أوى يا راما؟” تنحنحت بتوتر، وقالت بصوت مرتعش: “أنا مش متصله علشان اللي في دماغك ده، أنا متصله علشان أقولك تعال بسرعة على الشقة، مي بتولد ومافيش معايا حد في البيت ومش قادرة أواجه الموقف وحدي.”
أجاب بسرعة، قلقة حقيقية في صوته: