“مي بتولد؟ طيب عشر دقايق بالكتير وأكون عندك.” أغلقت الخط مع عمر ونظرت إلى مي بتوتر، وقالت: “عشر دقايق هيكون هنا، أتحملي بس يا مي.” أمسكت مي بيدها، وكانت الدموع تتجمع في عينيها، وسرعان ما صرخت: “مش قادرة يا راما! الوجع صعب أوي، أاه يارب.” ربتت راما على يدها بحنو، وقالت: “معلش يا حبيبتي، استحملي، هي الأمومة مش بالساهل كده. وبعدين، ما أنتي مجربة الوجع ده في ياسين.” أومأت مي برأسها وبكت، قائلة:
“عارفة والله، بس الوجع صعب أوي أوي.” ابتسمت راما بهدوء، وقالت بنبرة حنونة: “ربنا يجعلها ساعة سهلة عليكي يا رب.” فجأة، دق جرس الباب، فركضت راما وفتحته، وتحدثت بخوف شديد: “ألحق يا عمر، مي تعبانة أوي وبتولد.” نظر إليها بأشتياق، قائلاً بصوت هامس: “وحشتيني أوي يا راما.” نظرت له بعدم تصديق، وردت بنفاذ صبر: “بذمتك، ده وقته؟! بقولك البت بتولد جوه!!” ابتسم على كلماتها، وقال: “طيب، ما تدخلي! هاتيها، مينفعش أدخل ومافيش رجالة جوه.”
أومأت برأسها بالموافقة، وتحركت إلى الداخل وساعدت مي على الحركة للخارج، وكأنهما تحملان آمالًا جديدة مع كل خطوة. كانت مي تصرخ بألم شديد، وضحك عمر بشكل هستيري، مضيفًا بصعوبة: “شكلك مسخرة وانتي بتصرخي كده يا مي!” أجابت مي بصراخ: “هولع فيك يا عمر! هطلع الوجع اللي حاسه بي كله على جتتك!” ضحكت راما على مناغشات مي وعمر، قائلة: “امشي يا بنتي، أخلصي، مش وقته اللي بتقوليه ده! هتولدي وانتي واقفة والله.”
تحركت مي مع راما نحو الخارج، وصرخت: “ربنا يجمعك انت وراما في بيت واحد، وتطلع عينك يا عمر يا ابن عمر!” رد عمر بتمني، قائلاً: “يااااارب يسمع من بؤك ربنا. أول مرة تقولي حاجة صح، شكلها كده مسك الختام.” ضغطت راما على أسنانها بغضب، ثم ضغطت على يد مي بقوة، وقالت بصوت هامس: “اتلمي يا مي ولمي الدور بدل ما أديكي يد في بطنك، أزفلت منك البيبي.” استمع عمر لكلمات راما، وقال بمزاح:
“كتري بقى من الدعوة دي في اوضت العمليات. سمعت إن دعوات اللي بتولد بتكون مستجابة.” نظرت راما إلى عمر بضيق وقالت: “متندمنيش إن سمعت كلامها واتصلت بيك يا عمر.” تعالت ضحكاته، وقال: “مش البت مي دي مجنونة وطقة ودماغها مسافرة، بس أول مرة تعمل حاجة صح، علشان كنت هتجنن عليكي وعايز أشوفك بأي طريقة.” صرخت مي بوجههم، قائلة: “انتوا هتحبوا في بعض، وأنا بمـ,ـوت من الوجع! هتولي جوزي، يا رامي، ألحقني من تحت أيد روميو وجولييت دوول!”
ابتسمت راما على كلمات مي، وساعدتها في الصعود إلى السيارة، وكأن كل واحدة منهن كانت تحمل قطعة من قلب الأخرى. جلست بجوارها بينما صعد عمر إلى المقود، ونظر في مرآة السيارة إلى انعكاس صورة راما، وغمز لها بعينه قبل أن يتحرك بالسيارة مسرعاً إلى المشفى، حيث يحمل الأمل في عبور لحظة حياة جديدة معهم. …………………………………………………. بعد بعض وقت، وُلدت مي، وخرجت الممرضة بابتسامة دافئة تحمل الطفل في ذراعيها، وقدمت الطفل إلى راما قائلة:
“حمدالله على سلامة المدام، جابت عريس زي القمر.” حملت راما الطفل برفق، ونظرت إليه بإعجاب، وارتسمت على وجهها علامات الحنان، وكأن دقات قلبها كانت تتناغم مع خفقات عواطفها الجياشة. قبّلت رأسه بحنو، وكأنها تحاول تقبيل عذوبة الحياة في جسده الصغير، ثم قالت: “ما شاء الله جميل أوي، نسخة من أبوه.” أقترب عمر منها وقبّل الطفل بحب، وعيناه تتلألأ بالفرح كأشعة الشمس الباكرة بعد عاصفة. نظر بحب إلى راما وهمس لها بصوت خفيض كأنه يخاف أن تفر الهالة السحرية من حولهم:
“عقبالنا لما تجيبي حتة مني ومنك.” شعرت راما بتوتر، كأنما صاعقة طائشة قد ضربت مشاعرها الهادئة، وابتسمت لممرضة كوسيلة للهرب من حديث إضافي قد يزج بها إلى حيز الشكوك. وسألت بتساؤل وبلكنة تدل على القلق: “مامته عاملة إيه دلوقتي؟” أجابتها الممرضة بابتسامة لطيفة، وكأنها تطمئن روح راما المتوترة: “كويسة الحمد لله، شوية وهتدخل اوضتها. ممكن بس البيبي علشان نجهزه وندخله لمامته، وياريت والده يدفع باقي حساب المستشفى علشان يستلم الطفل ويسجله في الصحة.”
أومأت راما برأسها بتفهم، لكنها كانت تشعر بأن الوزن الهائل لتلك المسؤوليات بدأ يثقل على كاهلها، فقالت: “والده جاي كمان ساعتين.” أخذت الطفل وعادت مرة أخرى إلى الداخل، وكأن خطواتها تحاول الانسلاخ عن ثقل المشاعر المترسبة. تنهد عمر بضيق وتحدث بتمني كطفل يحلم بعيدًا: “راما، وافقي بقى على جوازنا. نفسي نعيش اللحظة دي سوا، نفسي يتقفل علينا باب واحد وتبقى مراتي على سنة الله ورسوله. أنا عندي حاجات كتير أوي عايز نعيشها سوا، نرسم لوحة حياتنا بألوان سعادتنا.”
نظرت له بقلق، وارتبكت أفكارها كما لو كانت في دوامة، وتحدثت بصوت مختنق كمن يشهد غرق سفينة: “بلاش تستنى يا عمر، علشان هتستنى كتير أوي وعلى الفاضي. اسمع كلامي وروح شوفلك بنوتة، لسه الحياة وردية في عيونها، هي دي اللي هتقدر تسعدك وتعيشك اللي نفسك تعيشه. أما أنا خلاص، عايشة من غير روح، مش هقدر أسعدك.” أمسك يدها وتحدث بنبرة عاشقة، كأن كلماته تحمل سحرًا يحاول أن يذيب كل الخوف:
“أنا موافق وراضي جدا كمان، وافقي أنتي بس وملكيش دعوة بأي حاجة. مش يمكن أطلع أنا اللي نكدي ومتعاشرش.” ابتسمت على كلماته وظلت صامتة وكأنها تحاول تلمس جليد حزانها. شعر بتفاؤل كبير عندما ابتسمت راما، وتحدث بسعادة عميقة: “اعتبر سكوتك وابتسامتك موافقة على طلبي؟” في تلك اللحظة، خرجت الممرضة وأبلغتهم بخروج مي من العمليات إلى غرفتها المتخصصة، كأنها قد جلبت لهم أنغام الحياة مرّة أخرى. تحركت راما سريعًا من أمام عمر وذهبت عند مي، وكأنها تعود إلى حوض شغفها. زفر عمر بضيق، وكلمات معدّلة في قلبه، وقال:
“يعني، ده كان وقته؟ لازم تخرج الممرضة وهي هترد عليا.” أنهى كلامه، لكنه لم يستطع تخطي الطيف الذي خيم عليه، وتحرك خلف راما إلى غرفة مي. دخلوا إلى الداخل، وجلست راما بجوار مي، قبّلت رأسها بحب، وكلماتها تفيض بالحنان: “حمدالله على السلامة يا أم حزلقوم.” ردّت مي بنبرة متعبة، لكنها تحاول أن تلملم نفسها: “الله يسلمك يا راما، عقبالك يا رب لما ربنا يهديكي على الوَلَا اللي هيمـ,ـوت عليكي. أنا دعيتلكم كتير أوي جوة والله.”
ابتسم عمر بسعادة وقال: