في المساء… أنهى عمر تمرين ياسين وأوصله إلى منزله، حيث عكست الشمس الغاربة ألوانها الدافئة على الواجهات الزجاجية للمنازل. ثم وقف أمام الباب ورفض الدخول، وكأن هناك حاجزاً غير مرئي يمنعه من عبور تلك العتبة. تكلم رامي بإصرار، قائلاً: “والله، لتدخل! أنت هتتكسف يا ابني، مافيش حد غريب جوه.” كان صوت رامي يختلط بنسيم المساء، فيجعل من الموقف أقرب إلى الألفة السابقة التي عاشوها معاً. تنحنح عمر برجولية وظهر عليه بعض التوتر، فقال:
“م م، معلش مرة تانية، مش عايز أزعج حد.” نظر رامي إليه بعدم فهم وتساءل: “تزعج مين، يا ابني؟ أنت عبيط! ده من إمتى؟ ده أنت على طول بتيجي وتاكل معانا وتسهر.” ابتسم عمر له بتوتر وقال بتوضيح: “م م، مكانش اختك موجودة.” فهم رامي قصده وأومأ برأسه تفهماً، وقال: “معلش لو طريقة راما حادة شوية معاك. هي بقت كده من ساعة ما رجعت من السفر، ماما حكت ليا اللي حصل الصبح ما بينكم، وده جاي من ضغط حياتها.”
ابتسم عمر له بلطف ورد بنبرة هادئة: “أنا مش زعلان منها والله، ولا اضايقت. بس مش حابب أزعجها.” وفي تلك اللحظة، جاءت مي وتحدثت بمزاح: “فيه إيه يا عم، ادخل وخلص الأكل برد.” تعالت ضحكاته الرجولية وقال بمزاح: “شكلك بقى مسخرة يا مي، أدي اللي أخديه من الجواز والخلفة.” ردت عليه بمزاح قائلة: “يارب يا عمر، يا ابن أم عمر، يوعدك بعروسة تعذبك وتطلع عينك علشان تبقى تعرف تضحك على شكلي!”
ابتسم لها وقال بمزاح: “بعد الشر عليَّا، إن شاء الله جوزك رامي.” تكلمت بصراخ وعلت نبرتها قائلة: “بعد الشر! كده يا عمر بتدعي عليا وعايز جوزي يتجوز عليا!” كانت راما تستمع لهما، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تسمع مزاحهم، لكنها تفاجأت عندما وجدتهم يجلسون أمامها حول طاولة الطعام، ارتسمت الجدية على وجهها وأكملت طعامها بصمت تام، وكأن البهجة تلاشت من المكان.عندما بدأ عمر يتكلم، نظر إلى راما وسأل بتساؤل:
“إنتي مش حابة تنزلي تشتغلي، يا مدام راما؟” رفعت عينيها عن طبق الطعام الخاص بها، ونظرت إليه باستغراب، قائلة: “أمم، أنا فعلاً كنت لسه بفكر في موضوع الشغل ده النهاردة، بس حضرتك بتسأل ليه، خير؟” أجابها بابتسامة لطيفة هادئة قائلاً: “بسأل لأن عندي في الشركة اللي شغال فيها، محتاجين محاسبين أكفاء. وعلى حد علمي إنك كنتي شغالة محاسبة قبل كده في شركة جوز، أحم أقصد في شركة اليسر.” تنهدت راما بحزن وأومأت برأسها تأكيداً، قائلة:
“أيوه، كنت شغالة في قسم المحاسبة، بس أنا مش بفكر أشتغل في شركات تاني، أنا بشوف بنك أشتغل فيه. الاحترافية هناك أحسن.” ابتسم لها وتحدث بنبرة جادة لكنها قاسية: “على فكرة، الرجالة في كل مكان، سواء في شركة أو بنك، يعني مش هتعرفي تهربي منهم.” نظرت له بغضب، وضغطت على أسنانها بقوة، وقالت: “وإنت مالك، حد طلب منك المساعدة؟ خليك في حالك ومتدخلش في اللي ملكش فيه.” ابتسم لها بهدوء، وسأل:
“هي الحقيقة بتوجع أوي كده!؟ كل واحد فينا لازم يتجاوز شبح الماضي.” استقامت بجسدها وحركت أصابعها بتحذير، قائلة: “ايااااك تتكلم معايا بأسلوبك ده تاني! فاااهم؟ وياريت متتكلمش معايا خالص علشان ما أقلش منك.” استقام هو الآخر بجسده ونظر إليها بتحدي، قائلاً: “وأنا مش بتهدد، ولا واحدة تقدر تقولي أعمل إيه ومعملش إيه، وأنا عندك، أهو، وريني هتعملي إيه.” رفعت يدها كي تصفعه، لكنه أمسك بيدها وتحدث بتحذير: “أياااكي تفكري تعمليها، علشان إنتي لسه متعرفنيش.”
في تلك الأثناء، تحدث والد راما بغضب: “خلصت انت وهي؟” ترك عمر يد راما، وتنحنح بإحراج، وقال بأسف: “أنا آسف يا عمي،ا ا أنا مكنتش أقصد كل ده، أنا كنت عايز أساعدها، مش أكتر.” تحدثت راما بغضب، قائلة: “الله والغني عن مساعدتك، مش عايزة منك حاجة.” رد والدها عليها بغضب شديد، قائلاً بنفاذ صبر: “ررراما، كفاية كده، عيب الراجل في بيتنا.” نظرت بغضب شديد إلى عمر، وقالت بصوت مختنق: “الحمدلله، شبعت، عن إذنكم.”
تركتهم واتجهت نحو غرفتها، تاركة خلفها أجواء مضطربة. شعرت أن كل شيء قد تحطم بين الحضور.نظر عمر بأسف وقال بصوت مختنق: “أنا آسف والله يا جماعة، مكنتش حابب أسبب ليكم أزعاج، رامي ومي هما اللي أصروا إن أدخل.” تحدث رامي بأسف، قائلاً: “أنا آسف يا عمر، راما أعصابها تعبانة أوي الفترة دي، وعلى طول عصبية بالشكل ده.” ابتسم له بلطف وتحدث بنبرة هادئة: “حصل خير يا رامي، أنا مش زعلان والله، أتمنى بس مكونش أزعجت مدام راما. أنا لازم أمشي بقى عن إذنكم.”
تحدث والد راما سريعاً، قائلاً: “أقعد يا عمر، كمل أكلك، انت طول عمرك واحد مننا، مافيش إحراج ما بينا.” أومأ رأسه بالطاعة وجلس احتراماً له، وتناول الطعام في صمت، كأنه يفكر في ما جرى. كانت الرغبة في استمرار الحوار ما زالت تعصف برأسه، لكنه كان يدرك حدود الموقف.نظرت سامية إلى مي وغمزت لها، تشير إلى سير الخطة كما يريدون، حيث تبدو بصمات السعي لتحقيق الهدف واضحة في عيونهم، رغم كل ما حدث.
…………………………………………………. دلفت راما إلى غرفتها، بينما كانت الدموع حبيسةً داخل عينيها، شعرت باختناق شديد مما حدث خارجاً. لم يكن بوسعها الإحساس بنفسها إلا عندما وضعت الهاتف على أذنيها. لحظات مرت، ثم جاء صوت رجولي يقول لها: “ألو، مين معايا؟” تخللت صوت الضحكات النسائية من حوله، ضحكات كانت خليعة ومزعجة، كأنها كانت تتراقص مع آلامها، تزيد من قسوة اللحظة. تحدثت، رغم شهقاتها، بصوت مختنق، كأن كل كلمة كانت تحتاج إلى جهد هائل لتخرج:
“أنا مش قادرة أعيش من غيرك، حياتي واقفة على اللحظة اللي بعدنا عن بعض فيها، أنا بمـ,ـوت يا ياسر.” رد عليها بغضب شديد، وصراخه كان كالصاعقة التي تصم أذنيها، يخترق كل دفاعاتها: “أنتي!! عايزة إيه مني؟ أنتي باردة معندكيش دم، قولتلك اللي فيها. أنتي مجرد نزوة عندي، مش أكتر. ياريت تمسحي رقمي ومتتصليش بيا تاني، فاهمة؟”