نظرت له بتوتر، وأوضحت: “حتى لو كلام ماما، ما هي عايزة مصلحتها وتشوفها سعيدة. راما بقت شبه الوردة الدبلانة يا رامي، نفسنا ترجع تاني زي الأول، نفسنا ضحكتها ترجع تترسم تاني على وشها.” أخذها داخل أحضانه، وقبل رأسها بحب، وتنهد حزناً، وقال بتمني: “إن شاء الله، هترجع أحسن من الأول. بس هي مسألة وقت مش أكتر.” تمسكت به بقوة، وقالت بابتسامة حنونة: “إن شاء الله يا حبيبي، بس أنا برضه عند رأي عمر، شاب ميتعوضش. إيه رأيك نقربهم لبعض؟”
أغلق عينيه بضيق، ثم قال بنفاذ صبر: “مممممي، شيلي الموضوع ده من دماغك. ولو ليهم نصيب مع بعض، ربنا هيجمعهم من غير أي مجهود مننا.” ابتسمت ابتسامة هادئة، وقالت: “خلاص، خلاص، متتعصبش كده.”
أنهت كلامها وهي داخلها تخطط لما تريد فعله مع راما وعمر، بينما كانت تتداعى إلى نفسها كل التفاصيل الصغيرة التي قد تساعد في دفع الأمور نحو الاتجاه الصحيح، كتنظيم لقاء غير رسمي يجمع بينهما في جو مريح، بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية، حيث يمكن أن يتحدثا ويتعرفا على بعضهما بشكل أفضل. كانت تشعر أن هناك أملاً بداخلهما، أملاً يمكن أن يولد شيئاً جديداً وجميلاً، إلا أنها كانت تعلم أيضاً أن الأمر يحتاج إلى وقت وصبر، ورغم ذلك، كانت مصممة على أن تفعل كل ما يمكنها لجعل راما تشعر بالسعادة مرة أخرى وتعيد الأمل إلى حياتها.
…………………………………………………. دخلت راما غرفتها، حيث انقضت على فراشها ببطء، وتركت نظرها معلقًا إلى السقف. أخرجت تنهيدة حارة، وانهمرت الدموع من عينيها عندما تذكرت ذكرياتها مع زوجها السابق. شعرت كما لو كان قلبها يتمزق من شدة الألم والاشتياق، وأمسكت هاتفها بيد مرتجفة. بدأت تعرض الصور الخاصة بهم، وتذكرت ذلك اليوم المشمس الذي قضياه معًا على الشاطئ، حيث كانت ضحكاتهما تتعالى فوق زقزوق الطيور وأمواج البحر المتلاطمة. تحدثت بصوت حزين يمزقه الفراق:
“لييييه عملت فيا كده؟ انا حبيتك بجد، عمري ما بصيت على فلوسك ولا فكرت في شركاتك. بسببك قلبي بينزف، والدنيا بقيت أشوفها بلون واحد بس أسود . نفسي أتخطى حبك وأعيش حياتي من جديد، بس بجد مش قادرة. لسه كل ده بحبك، وكان عندي أمل ضعيف أن أوحشك، وترجع تكلمني وتصلح الأمور ما بينا، بس طلعت عبيطة وكالعادة خيبت ظني فيك.”
أنهت كلامها وهي تحتضن الهاتف الذي يحتوي على صورتهم معًا، الصورة التي كانت تعني لها العالم بأسره؛ حيث كانوا يبتسمون وسط الزهور الملونة، وكانت الأيام هناك أكثر إشراقًا. ثم أغلقت عينيها، وغرقت في سبات عميق، وكأنها تبحث عن هدوء في عالم من الفوضى التي تملأ قلبها. كانت الأحلام وذكراهم تداهمها، وتستحضر معها شعور الأمل الذي كان يعيش داخلها، لكن كل ذلك الآن يبدو بعيدًا، كنجوم تائهة في سماء مظلمة، ولم تعد تعرف كيف تعيد بناء نفسها بعد كل هذا الانكسار.
“خذلان الماضي”3 “الجزء الثالث” باليوم التالي… استيقظت راما من نومها بتكاسل، نهضت بصعوبة من على فراشها المريح، وتوجهت إلى المرحاض. بعد قليل، خرجت وارتدت ملابسها، ثم مشطت شعرها بعناية، وخطت خطوات خفيفة نحو باب غرفتها. لكن بينما كانت تتجه للخارج، استمعت لصوت رجولي يتحدث بلطف. شعرت بالفضول والتساؤل، فتوجهت نحوهم، لتتفاجأ بوجود عمر، الذي يحمل دائمًا معه هالة من الهيبة ووداعة. كان يحادث والدتها بلهجة حانية، لكن راما لم تستطع منع فضولها من دفعها للاستفسار عن الأمر ولماذا جاء في هذا الصباح الباكر. تكلمت بنبرة جادة وقالت:
“السلام عليكم.” ابتسم لها بلطف وقال بنبرة هادئة: “وعليكم السلام صباح الخير يا مدام راما.” نظرت له باستغراب، وبتساؤل في عينيها، سألت: “خير يا أستاذ عمر جاي من صباح ربنا هنا ليه؟” تحدثت والدتها بضيق، متسائلة عن أسباب كلام راما: “عيب يا بنتي، إيه اللي انتي بتقوليه لراجل ده؟” حركت راما رأسها بضيق، وأجابت بعدم اهتمام: “قولت إيه يا ماما؟ بسأله عادي.” ابتسم عمر مرة أخرى، مؤكدًا بنبرة هادئة: “عادي يا طنط، هي مقالتش حاجة غلط…”
ثم نظر إلى راما وتحدث بتوضيح: “مامت ياسين طلبت مني أجي أخده معايا النادي علشان هي تعبانه من الحمل، ورامي اليومين دول عنده ضغط شغل، فأنا جيت أخد ياسين وماشي على طول، آسف جدًا على الإزعاج.” زفرت راما بضيق وتنحنحت بإحراج، قائلة: “سوري، ما قصدتش، بس ياريت حضرتك متتعبش نفسك بعد كده، وأنا هجيب ياسين التمرين في ميعاده.”
كانت تشعر بحساسية الموقف، خاصةً بسبب وجود والدتها. كان عمر ذات شخصية عميقة، يحظى بتقدير الجميع، لكن راما شعرت بأنها تود أن تكون أكثر استقلالية في قراراتها وتفاصيل حياتها.وفي تلك اللحظة، خرج ياسين من غرفته، وركض نحو راما، محتضنًا إياها بسعادة، وقبلها بحب. ثم اتجه إلى عمر واحتضنه بشغف، قائلاً بفرحة طفولية: “أنا فرحان أوي يا كابتن أن هروح معاك النهاردة النادي.” ربت عمر على ظهره بابتسامة، وقبل رأسه بحب، ثم قال:
“وأنا فرحان أكتر منك، بس إيه رأيك لو أمشي وتيجي مع عمته أحسن؟” تنحنحت بإحراج، وبدت متوترة وهي تقول بصوت مهتز: “أحم ل ل لا، خلاص تقدر تخده معاك النهاردة مدام جيت الطريق ده كله.” شعرت ببعض الانزعاج من فكرة الحاجة إلى الاعتماد على عمر بهذه الطريقة، حيث كانت تعي جيدًا أنها لا تزال بحاجة إلى أن تكون قوية ومستقلة.تكلم ياسين بضيق، معبرًا عن إحباطه: “انتوا هتحدفوني لبعض خلاص، مش عايز أروح.”
اقتربت راما سريعًا، وضعت يدها عليه في نفس الوقت الذي وضع فيه عمر يده، فتلامست أيديهما. انتفضت راما بتوتر، وأبعدت يدها بسرعة، قائلة بتلعثم: “م م متزعلش يا حبيبي، منقصدش نحدفك لبعض، بس أنا عايزة أوصلك بعد كده علشان عمته بتزهق من القاعدة في البيت لوحدها.” شعرت بأنها بحاجة إلى توضيح نواياها، خاصة مع وجود عمر الذي قد يساء فهم موقفه إذا فكرت في الأمر بشكل غير دقيق.نظر لها بأسف، وقال:
“ا ا أنا آسف، مقصدتش اللي حصل ده.” ابتسمت له بتوتر، قائلة: “ح ح حصل خير، عن إذنكم.” تحركت من أمامهم، واتجهت إلى غرفة مي. طرقت على الباب بضيق، وبعد ثوانٍ، فتحت لها، فاندفعت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفهم بغضب، ثم تحدثت بلهجة حادة: “أنتي مش هتفكك من الشغل ده؟ أنتي اتصلتي ليه بعمر؟ ما أنا لما بتطلبي مني أودي ابنك النادي بوديه. كلي عيش يا مي واهدي شوية، علشان متروحيش بيت أهلك تشرفي فيه وتولدي عندهم.”
نظرت لها مي بتوتر. قالت: “ها ق ق قصدك إيه م م مش فاهمة ح ح حاجة؟ ا ا أنا اتصلت بعمر كصديق ليّا أنا ورامي، بس مش أكتر.” ضغطت راما على أسنانها بغضب، وردت بنفاذ صبر: “مي، أنا بتكلم بجد، اللي في دماغك مستحيل ده يحصل. أنا مش بفكر في الجواز وموضوع الخاطبه اللي أنتي وماما ماشية فيه ده مش هيمشي معايا. أنا المرادي عدتها، بس أقسم بالله لو حصل ده تاني، هقول لرامي، وهحرق دم صديق العيلة، وهخليه يقطع علاقته بيكم تاني، مفهووووم.”
أنهت حديثها، وخرجت من الغرفة بغضب شديد، متوجهة إلى غرفتها. دفعت الباب بقوة، وجلست على سريرها، وأرجعت شعرها إلى الخلف، وانهمرت دموعها بغزارة، تائهة وسط ذكرياتها. كانت تشعر وكأنها تعيد إحياء مشاعر مختلطة من الارتباك, والغضب، والقلق بشأن مستقبلها، حين كانت تفكر في كل الضغوط التي كانت تفرض عليها. ………………………………………………….