تحاول استجلاب قوة جبارة كي تحارب ألا تضمه.. فجثى أمامها ونظراته يشوبها توسل لها أن تلين: _ عارف يامه انك زعلانة مني.. وفاهم فاكراني فضلت مراتي عليكي.. بس ده مش صح.. ربنا عالم انا كنت في إيه.. أنا في دوامة يامه من يوم جوازي، بشتغل شغلتين عشان اسدد ديوني واقدر اتكفل بولادة جنة وبمصاريف ابننا.. انا تقريبا بنام 3 ساعات في اليوم.. وماشبعش نوم إلا في أجازتي..! مافيش حاجة في الدنيا ليها طعم وانتي غضبانة عليه!
نغزها قلبها لحاله لكنها ظلت على صمتها مزيحة عينيها باتجاه أخر بعيدا عنه ولكن قلبها يحوط قسماته ويتشربها، فواصل: الظلم وحش يا امي.. انتي كنتي عايزاني اسيب جنة بعد ما خطبتها وكتبت كتابها.. طب ترضيها على حد من بناتك؟ ترضيها؟ ذنبها إيه اسيبها وانا اصلا بحبها من زمان وماصدقت اخدها.. ليه ماتحاوليش تحبيها عشان ترضيني.. مش لما ابقى انا مرتاح انتي هتبقى مبسوطة؟ جنة بنت حلال وغلبانة ومتحملاني ومابتشتكيش من ظروفي، تستحق منك تقدريها.. ثم التقط كفها المرتجف ولثمهما وهو يردد: سامحيني ياغالية لو زعلتك ارضي عني انا ماليش بركة غيرك انتي وابويا..
تعالي زوريني في بيتي وفرحيني بدخلتك عليا انا ومراتي واجبروا بخاطرنا..حفيدك جاي في الطريق وانتم مش معانا..والله لولا جنة بقيت تعبانة وحملها صعب اوي كنت جبتهالك تبوس أيدك بس الدكتورة قالتلها ترتاح
لم تعد تراه من سحابة دموعها، فنهض وضم رأسها على صدره وراح يقبلها وهو يعتذر ويسترضيها وهي تبكي بعد أن اطلقت عنان مشاعرها من عُقالها وراحت تضمه هي الأخرى بلهفة وهي تتفحص هزلانه وتزدعد بكاءً..ثم انضم أشقائه اليهم محاوطين جسده بأذرعهم الصغيرة، كما ضم هو نوال لتتقاسم صدره مع والدته، ولم يمض الكثير إلا وأتى والده ورحب به معانقًا بسعادة.. واسترسلوا بالأحاديث وانتهى الوقت سريعا وغادرهم بعد حصوله على وعد بزيارة قريبة من الجميع لمنزله!
_______________________
آلامها في تصاعد.. أصبحت لا تقوى على المجهود مع ثقل بطنها وقرب ولادتها.. لكن لابد لها أن تحضر الغداء لزوجها ناصر قبل عودته التي حانت..! وصل لسمعها صوت مزلاج باب شقتها وهو يفتح، فالتفت تتسائل بخفوت: معقول ناصر جه بدري؟ ده انا لسه ماطبختش حاجة! وجدته يدلف إليها بابتسامة بشوشة وهو يتمتم بتحيه: السلام عليكم ياجنتي” اتسعت ابتسامتها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. خير ياناصر جاي بدري عن معادك ليه؟
هتفت بعتاب مازح: بلاش اجي؟ أمشي طيب؟ اقتربت مبتسمة: لا طبعا مش قصدي.. انا بس لسه معملتش غدى وانت أكيد جعان! بس ولا يهمك انا هعمله بسرعة و……… . قاطعها: ماتعمليش حاجة..!
وواصل بمشاكسة وهو يشملها بنظرة عابسة وقميصها يعكس إغراء لا يقاوم : وغيري هدومك المغرية دي والبسي حاجة تانية عشان في ضيوف جايين! ابتسمت بدلال: مغرية ببطني دي كلها؟! ماشي يا اسطى هصدقك، بس قولي ضيوف مين اللي جايين يزورنا يا ناصر؟
_ دقايق وهتعرفي يا قلب الاسطى!
ابدلت ثيابها بأخرى تناسب استقبال من أخبرها ناصر عنهم، وتعجبت لما لم يتركها لتعد شيئًا گ ضيافة لهم
وبعد قليل صدح رنين الباب فأمرها أن تفتح للزائر بنفسها، فازدادت تعجبًا لكن أطاعته، وما أن فعلت حتى تسمرت مكانها بعين جاحظة مذهولة وهي ترى والديها وأشقائها الصغار وبالجوار والدي زوجها وأشقاء ناصر.. جميعهم واقفون يطالعوها.. ولكن اختلفت النظرات.. والدتها تبكي ووالدها تلمع عيناه بحنين يحاول تحجيمه والسيطرة عليه، بينما أشقائها يبتسمون لمرآها.. أما والدة زوجها فنظرتها لم تكن ودودوة.. وكأنها تنفذ مهمة ليس أكثر.. بينما يطالعها والد ناصر بابتسامة راضية وهو يتمتم: إيه يا مرات أبني.. هنفضل واقفين برة كتير!
وكأنها فقدت النطق والعبرات تسيل على وجنتيها بغزارة.. فاقترب ناصر واحاطها بذراعه قائلا:
معلش يابا أصلها متفاجئة.. اتفضلوا عشان بيتنا يتبارك بيكم.. واستجابو لدعوته وكلًا منهم يسلم ويعانق تلك المآخوذة وهي لا تصدق بعد وجودهم على أعتاب بابها.. وما ان عبرت والدتها حتى تلقفتها بين ذراعيها باكية.. وهنا انهارت جنة تبكي بصدر والدتها التي راحت تهدهدها وتخبرها كم اشتاقت لها طوال المدة الفائتة..!
………………
تنحت بها داخل غرفتها ثم احتصنتها وهي تحاكيها بحنان ادخرته طيلة أيام فراقها: طمنيني يابنتي جوزك عامل ايه معاكي؟ بيعاملك كويس ياجنة.. قالك كلمة تزعلك واحنا بعيد؟
راحت تتلمس برأسها گ القطة أحضان والدتها مجيبة:
كويس يامه.. مزعلنيش ابدا.. مكانش معكر عيشتنا غير زعلكم ومقاطعتكم لينا..! قوليلي يامه، أبويا لسه غضبان عليه؟
_ أبوكي قلبه طيب يا جنة، أوعي تكوني فاكرة كان مبسوط..ده انا كام مرة اشوفه بيبص على سريرك وهدومك بشوق بس كان بيداري.. اطمني ياضنايا.. راضي عنك وانا كمان راضية يانور عيني! هناك كلمات تساوي بأثرها قطرات المطر التي تسقط على جسدا تيبس من جفافه، فارتوى بتلك القطرات.. هكذا شعرت جنة التي بضمة والدها لها فيما بعد ازدادت ارتواء وشبع لن تظمأ بعده ثانيًا..!
____________________
أوصى ناصر مسبقًا على وليمة غداء متواضعة للعائلاتين.. واصطبغ يومهما بدفء عائلي كم كانوا يحتاجونه.. وزوجته التي استنار وجهها بشدة مبتسمة وتضحك مع أشقائها وتنعم بحنان والديها.. كما حاولت استرضاء والدته بالاهتمام الشديد بها هي وأبيه..! غادروا جميعهم بعد وعود بزيارات أخرى لهما..وبمجرد اختلاء البيت من الجميع ارتمت جنة بأحضان زوجها تبكي سعادة تختلط بامتنانها لما فعل لأجلها.. كانت تلك مفاجأته التي وعد بها.. ظلت تدعوا له إلى أن غلبها النوم بين أحضانه، فدثرها جيدا وغفى وهو يطالعها براحة.. أخيرا استعادوا راحة البال والفرحة بعودة الوصال مرة أخرى مع من يحبون!
___________________
يوم ولادة جنة! استفحل الألم ولم تغفو جنة طيلة ليلتها وهي تئن داخلها حتى لا توقظ زوجها.. ولكن لم يعد الوجع محتمل، وبدون مقدمات أطلقت صرخة أفزعت ناصر من نومه وجعلته يهرول متصلًا بوالدتها.. فعلى مايبدو آن الآوان لولادة طفله الأول!
……………… .. _ النونو شبهي! طالعت جنة شقيقتها نجلاء وهي راقدة على فراش المشفى هاتفة مبتسمة بوهن: بجد.. يبقي اكيد شكله حلو! هتفت والدتها التي تحتضن بعيناها حفيدها الصغير:
لا ده كله أبوه “ناصر”.!
ابتسم الأخير وداعبها: أنا أساسا مش شايفه له ملامح لسه ياحماتي.. هيبان بعدين! رحيم بسعادة لقدوم حفيده: مش مهم شبه مين.. المهم ان صحته حلوة وبخير.. ربنا يبارك لكم فيه يابني ويتربى في عزكم! _ الله يبارك فيك ياعمي.. ومايحرمناش منك
تسائلت والدة زوجته:
أمال فين أهلك ياناصر مجوش ليه؟
_ على وصول.. انا بصراحة مقدرتش اكلم حد غير اما اطمن على جنة، كلمتك انتي بس عشان تساعديها..! وصل أبيه ووالدته عابرين للغرفة بلهفة:
_جنة ولدت؟
تسائل أبيه، فأجابه ناصر: أيوة يابا الحمد لله.. تعالي شوف ابني اهو!
تقدم وتبعته والدة ناصر بذات اللهفة. وما أن رآو حفيدهم الأول حتى زرفت دموعهم دون إرادة وهما يسمعون همسات الصغير وهو يأكل أصابعه الصغيرة وكأنه جائع، فهتفت ام جنة: الواد جعان ياجنة رضعيه يابنتي! ثم نظرت لأم ناصر وهتفت بمبادرة: شيلي حفيدك يا ام ناصر وحطيه في حجر مرات ابنك.. وقوليلها مبروك ياختي! لم تحيد عين ” نادرة” عن الصغير وكأنها مسحورة، ثم حملته برفق شديد وكأنه ماسة ثمينة، وأرقدته بحجر جنة التي اعتدلت بنصف جلسة بمساعدة زوجها..ثم التقط كف والدة ناصر ولثمتها وهي تقول:
ربنا مايحرمنا منك يامه ويرزقنا رضاكي وتعيشي وتربيه معانا..! وحياة ابني اللي لسه عمره دقايق لترضي عني وتفتحيلي قلبك.. أنا بحبك عشان انتي أم اغلي انسان عندي.. وان كنت غلطت انا صغيرة وانتي كبيرتنا وقلبك ابيض! منحها ناصر نظرة مفعمة بفخره بها ورضاه عن تصرفها الذي فاجأه حقًا.. كما ترقرقت عين والدتها وتأثر والد زوجها وأبيها باعتذارها المهذب..! أما نادرة لم تتوقع منها تلك السماحة والذكاء اللذي لن تنكر أنه أرضى دواخلها، واستطاعت بتلك الكلمات إزالة الكثير من الحواجز تجاهها..!
_ وامي كبيرة وطول عمرها مابتردش حد وجدعة..ومش هتزعلنا في يوم زي ده، صح يامه؟ نظرت لناصر الذي استجداها بحديثه وهتفت بحنان لم تقوى على مواراته: ربنا يرضى عليك انت ومراتك يا ابني ويجعلوا ذرية صالحة وسند ليكم!
ثم احتضنت جنة التي بكت على صدرها، فنكزتها الأخيرة التي تقاوم عبراتها هي الأخرى: بطلي عياط يابت حفيدي هيرضع منك نكد واحنا مش ناقصين! ضحكت جنة من وسط بكائها، فواصلت نادرة: ناويين تسموه إيه؟
تبادل ناصر النظرات مع زوجته.. ثم اقترب من والدته وقبل جبينها وهتف: هنسميه “نادر” على أسمك يا ” نادرة”..! حدقت بوجهه غير مصدقة ومتأثرة بلك اللفتة التي أسعدتها بشدة وأكسبتهم رضاها الكامل وتملكتها فرحة جمة وهي تغمغم: بجد؟! ابتسمت جنة: أيوة يامه.. عشان دايما نادر هيكون في حضن نادرة جدته وحبيبته وحبيبتنا كلنا..! ناصر بزهو: لعلمك.. دي فكرة جنة مراتي انها تسمي أبننا على اسمك!
لم تصدق ابدا أن تكون زوجة ولدها بتلك الطيبة.. ربما ظلمتها كثيرا بجفائها معها وعداوتها دون مبرر.. ومن الآن فصاعد ستغدو جنة گ ابنتها وأكثر.. ستمحو أي شعور سيء تجاهها وتبدأ صفحة جديدة لا تحوى سوى المحبة بينهما..!
وبعد أسبوعان من ولادة جنة.. أقاما “عقيقة” احتفالًا بقدوم صغيرهما الذي أتى بكل الخير والفرج لوالديه.. فما ان علم صاحب العمل ان ناصر حظى بمولود جديد حتى أعطاه مكافأة مالية سخية گ هدية للصغير.. كما أنقده العم رحيم مبلغ غير هين من المال بعد ان ادخره من جمعياته وأخبره انه حق زوجته وباقي جهاز زواجها وهي حرة تبتاع به مايلزم منزلها.. وبالفعل فرحت جنة واشترت أشياء ضرورية لشقتها .. كما أغدق الجميع بالهدايا والملابس للصغير الذي غير بقدومه نفوس الجميع.. وأزال الضغائن وزرع الحب والمودة بينهم!
___________________
تمت بحمد الله!