Uncategorized

حكايات اسما السيد

يونس… الذي لم ينكسـ,ـر حينما غابت شمس يوم وتوفي والدي..لم يكن يونس يتذكر من ملامح والده سوى ظل رجل كان يحمله على كتفيه ويضحك، قبل أن يخـ,ـطفه المـ,ـرض سريعًا، تاركًا طفلاً في الثامنة وأمًا لا تعرف كيف تحمي ابنها من قسـ,ـوة العالم. وبعد عام واحد فقط، رحلت أمه هي الأخرى، وكأن الحزن كان يتدرب عليه خطوة بخطوة قبل أن يركله إلى الحياة وحده تمامًا.

لم يكن ليونس إخوة، ولا أقارب ينتظرون ضمه. وجد نفسه فجأة في بيت عمّه، رجل غليظ القلب، لا يرى في الطفل إلا عبئًا زائدًا، وثمن طعام إضافي. كانت زوجة عمّه لا تخفي كرهها له، تنظر إليه وكأنه شيء يجب التخلص منه، لا طفل فقد كل من كان يحبّه.

كان يونس ينام في المخزن، فوق فرشة رقيقة كأنها ورقة، يستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس ليملأ الجِرار من البئر، ينظّف الفناء، ثم يذهب إلى المدرسة بثياب قديمة لا تلائم جسده الذي أخذ ينحف يومًا بعد يوم. ومع ذلك، كان يذهب. كان يتمسك بالمدرسة كأنها آخر خيط يمكن أن ينقذه من العالم الذي لا يعرف الرحمة. لم يكن يشتكي. لم يكن يبكي. كان يضع حزنه في ص*دره، ويخـ,ـبئه مثل سرّ لا يريد لأحد أن يعرفه، لأنّه تعلّم مبكرًا أن البكاء لا يجلب سوى مزيد من الإهانة.

في المدرسة، كان محبوبًا من بعض الأساتذة الذين أدركوا ذكاءه، لكنه كان أيضًا عرضة لسخ*رية بعض الطلاب بسبب فقره وثيابه القديمة. كانوا يلقبونه بـ”اليتيم”، لا باسمه. وكأن تلك الكلمة تكفي لتختصر حياة بأكملها. ومع ذلك… كان يونس يبتسم. لا لأن حياته جيدة، بل لأنه كان يعرف أنه لو توقف عن الابتسام، سينهـ,ـار تمامًا.

مرت السنوات، وكبر الطفل ليصبح شابًا في السادسة عشرة، أكثر صمتًا، أكثر وعيًا، وأكثر قوة مما كان يتوقع أحد. لكن الضـ,ـربة التي لم يكن مستعدًا لها جاءت حين قرر عمّه طرده من البيت، بعدما كبر ولم يعد “طفلًا يمكن السيطرة عليه”. ألقاه خارج الباب في ليلة باردة، ومعه حقيبة فيها ملابس قليلة وشهادة مدرسية مُهمَلة. قال له عمّه:
“أنت لست ابني، دبر نفسك.” لم يجادل يونس، ولم يرفع رأسه حتى. قال فقط: “حسنًا.”
ثم سار في الطريق المظل*م، لا يعرف إلى أين يذهب، لكنه يعرف أنه لن يعود.

نام تلك الليلة على الرصيف أمام مسجد مغلق، يضم حقيبته إلى ص*دره كأنها آخر ما يملك في العالم. كان يخاف أن يسـ,ـرق أحد منها… وهو لا يدرك أن الإنسان نفسه حين يُداس، لا يبقى فيه شيء يُسـ,ـرق. في الصباح، بدأ رحلة البحث عن أي عمل، ولو كان بلا أجر تقريبًا، فقط مقابل سقف يأويه. عمل في مطعم صغير، حمالاً في سوق الخضار، مساعدًا في ورشة نجارة، وكان يقبل أي شيء، دون شكوى، دون انتظار معروف من أحد. كان ينام في مخزن المطعم، ثم يستيقظ قبل الفجر ليبدأ العمل قبل الجميع.

لكنه لم ينس الدراسة. كان يقرأ الكتب التي يرميها الناس، ويدرس ليلاً تحت ضوء مصباح مكسـ,ـور، حتى استطاع بعد عامين أن يتقدم لامتحان الثانوية منازل. كان يدرس بينما الآخرون ينامون، ويعمل بينما الآخرون يحلمون. كان كل ما في داخله يصرخ: “سأخرج من كل هذا… سأخرج.” وحين ظهرت النتائج… كان الأول على منطقته. لم يصدّق الناس. ابن الشوارع؟ اليتيم؟ الأول؟ كانت المفاجأة صادمة لدرجة أن الصحف المحلية كتبت عنه، واتصلت به إحدى الجمعيات لتعرض عليه منحة للالتحاق بالجامعة.

تغيّر كل شيء بعدها، لكن التغيير لم يحدث فجأة. لم يستيقظ ليجد الدنيا وردية. بل ظل يعمل نهارًا ويدرس ليلًا، ويأكل أقل مما يأكله طفل، ويوفر كل جنيه ليكمل طريقه. كان يعرف أن العالم لا يعطي أحدًا شيئًا مجانًا، وأن الطريق الذي ينتهي بانتصار… مليء بالمسامير. في الجامعة، لم يكن يملك ملابس كالآخرين، ولا هاتفًا حديثًا، ولا أصدقاء كُثر. لكنه كان يملك شيئًا أقوى: الإصرار. كان الأول في دراسته عامًا بعد عام، حتى حصل على تدريب في شركة كبيرة، ثم وظيفة، ثم ترقّى بسرعة جعلت الجميع يتساءل: من هذا الشاب الذي لا ينهار؟ لا يستسلم؟ لا يتوقف؟

ولم يكن هناك من يعرف قصته إلا القليل، لأنه لم يروها.
لم يكن يحب أن يُعامل بالشفقة، كان يريد أن يُعامل بالاحترام فقط. وفي يوم من الأيام، دُعي لإلقاء كلمة في حفل تكريم المتفوقين. صعد إلى المنصة، بثياب بسيطة لكنها نظيفة، ونظرة هادئة تعلمت الصبر من الجوع، والقوة من الوجع. قال أمام الحضور:

> “كنت أظن أن اليُتم يعني فقدان الأب والأم فقط، لكنني اكتشفت أن اليُتم الحقيقي هو أن يفقد الإنسان من يؤمن به. كنت وحيدًا، كثيرًا. لم أكن أملك مالًا، ولا سندًا، ولا حتى غرفة أنام فيها. لكن شيئًا واحدًا لم يتركني: إيماني بأنني أستحق حياة أفضل، وأن الفقر ليس عارًا، وأن الألم ليس نهاية. إذا كان في داخل الإنسان نـ,ـار لا تنطفئ، فلن يستطيع العالم كله أن يطفئه.”

كان التصفيق طويلًا… لكنه لم يهتم له كثيرًا.
ما كان يعنيه حقًا لم يكن ما يسمعه الآن، بل ما يسمعه صبي في مكان ما، وحيد، يظن أن نهايته قد كُتبت. أراد أن تصل كلما*ته إلى قلب يشبه قلبه حين كان أصغر… حتى يعرف أن النجاة ممكنة. بعد الحفل، جاءه رجل مسن وقال له: “يا بني، لقد نجحت رغم أنك يتيم.”
فأجابه يونس بابتسامة هادئة:
“لا، يا عمّي… لقد نجحت لأنني يتيم.”

— الخلاصة لم يكن انتصار يونس هدية من الحياة، بل كان نتيجة كل ليلة نام فيها جائعًا، وكل مرة صمت فيها بدل أن يصرخ، وكل حلم خبأه في ص*دره بدل أن يقت*له. لم يكن انتصاره جميلًا لأنه سهل… بل لأنه جاء بعد أن تكسّـ,ـر كل شيء داخله مرارًا، ومع ذلك ظل واقفًا. وهكذا… لم يعد اليتيم الذي يبكي، بل صار الرجل الذي يُقال عنه: “هذا الذي انتصر… بعدما ظن الجميع أنه انتهى.”

#حكايات_ اسما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى