لن يمـو.ت حبي الاول أنه دائما هنا بقرب قلبي اخفيه برمش عيني حتى لا يفت.ضح أمري = لقد عاد حبي الأوّل, والتقينا بعد عمرٍ ظننت فيه أني سأرحل عن الدنيا وفي قلبي امنيه وهي أن يبصره قلبي وعقلي وعيني, كنتُ أظن أن بعض الفصول تُغلق إلى الأبد… حتى جاء اليوم الذي التقيتُ فيه حبي الأوّل، بعد سنواتٍ من زواجي، في مناسبةٍ لم أتخيّل أن الزمن سيجمعنا فيها من جديد.” أروي & عاصم
كنتُ أعيش حياة مستقرة وهادئة، أو هكذا كنت أقنع نفسي. بيتٌ دافئ، أطفال يملؤون يومي، وزوجٌ لا ينقصه الاحترام ولا الرفق. لم يكن هناك شيء ناقص على الورق… لكن داخل القلب كانت هناك مساحة ظلّ شيءٌ ما يشغلها بصمت، لا يطلب، لا يصرخ، لكنه لا يختفي أيضًا. كنت أعرف اسمه، لكنني لم أجرؤ على نطقه منذ سنوات.
عاصم=لم يكن اسمه مجرّد ذكرى، بل كان نافذةً مشرّعة على زمنٍ آخر من حياتي، زمنٍ كنتُ فيه أقرب لنفسي، وأخفّ على الدنيا، وأصدق في مشاعري. لم أنسَه، لكنني تعلّمت أن أُسكته داخل قلبي. أن أضعه في ركنٍ لا يصل إليه أحد حتى جاء ذلك اليوم. مناسبة عائلية كبيرة — خطوبة ابنة خالي. بيت ممتلئ بالضحكات والتهاني والوجهاء والضيوف. كنتُ أرتّب فستان صغيرتي وأتأكد من أن كل شيء يبدو لائقًا أمام الناس، بينما داخلي لا يحمل أي حدث استثنائي… إلى أن لمحت وجهًا لم أتوقع يومًا أن أراه من جديد.
كان واقفًا عند مدخل القاعة، بثباتٍ يليق بشخصٍ خاض الكثير من الطرق وحده. تغيّر… لكنه لم يتغيّر. ملامحه أصبحت أكثر نضجًا، عينيه أكثر عمقًا، وصوته — حين سلّم على الحاضرين — عاد إليّ كأن أحدهم أعاد تشغيل أغنية قديمة خبّأتها منذ زمن. تجمّدتُ. كل شيء حولي استمرّ: الضحك، الموسيقى، الأطفال، الحديث… إلا أنا. شعرتُ بقلبٍ لا يشبه قلبي، وبزمن يلتفّ حولي بذاكرة كاملة: المقعد الخشبي الذي كنا نجلس عليه معًا، الرصيف الذي انتظرني عنده تحت المطر، الرسالة الأخيرة التي لم تُكمل جملتها لأننا لم نُكمل نحن…
لمحني. نظراتنا تلاقت، فاختفى المكان كله للحظة. شعرتُ أنني أقف في منتصف العمر أمام المرآة: هذا ما كنتُه، وهذا ما أصبحتُه. تقدّم نحوي ببطء. كان يمشي كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا. وعندما وقف أمامي، قال بصوتٍ لم يتغيّر رغم كل السنين: “أروي؟” مجرد سماعي لاسمي منه جعل قلبي يضطرب. لم أجبه فورًا. كنتُ أحاول أن أتذكّر أنني امرأة متزوجة، وأم، وزوجة، وناضجة. لكن داخلي كان يعود إلى فتاةٍ بعمر الحلم، فتاه الصبي، والمراهقة ، الشباب كل مراحل ترعرع فيها ذلك الحب الي أن افترشت جذوره ثنايا القلب.
قلتُ بهدوءٍ خالٍ من أي بقايا طفولية لكن غصبا عني كان به بعض من الطعم المر: “مرحبًا عاصم… مرّت سنوات طويلة.” ابتسم بمرارة لطيفة، وقال: “طويلة… وكأنّها عمر كامل.” لم أعلّق. كنتُ أحارب ارتعاشة صوتي ونبضي. تابَع قائلًا، وكأنه يحاول أن يستعيد حقّه في السؤال: ” هل أنتِ بخير ؟ سعيدة؟” لمحت بعينيه شيء يشبه الالم ، أنه الالم ذاته الذي اعيشه كلما ذهبت لمنزل والدي وفتحت صندوق ذكرياتي معه، ونظرت بعيني الي اخر صوره التقطناها معا كأبناء عمومه ، ترددتُ، ثم قلتُ بجوابٍ ناضج لا يخون أحدًا:
“أنا بخير… وراضيه بما اختاره الله لي.” ابتسم ابتسامة متعبة، ثم قال: “كنتُ أخشى أن أراكِ حزينة… لأنني ما زلت أدعو لكِ أن تكوني بخير، حتى بعد كل ما حدث.” تلك الجملة ك*سرت شيئًا بداخلي. لا لأنّه ما زال يتذكّرني، بل لأنه لم يحمل بين كلمـ,,ــاته أي لوم، أي عتاب، أي تمنٍ مستحيل… فقط دعاء. سألني فجأة، بصوت يشبه اعترافًا آخر متأخّرًا: “أروي… هل كان من الممكن أن يكون لنا مستقبل آخر؟”
ترددت أن أجيبه. فالأسئلة التي تُطرح بعد الفقد ليست أسئلة… إنها مناديل لمسح شيء لا يُمحى. لكنني قلتُ: “ربما. لو أن الزمن أنصفنا. لو أنّ الخلافات لم تكن أكبر منّا. لكن الأمور لم تسر هكذا… وللاسف أنا لم أعد حرّة لأعيد ترتيب الماضي.” قال بهدوءٍ عميق: “وأنا؟ عدتُ الآن، لكن بعد فوات كل شيء. تأخرتُ عنك، وعن نفسي، وعن الحلم الذي تركناه يموـ,,ــــت.” لم أتكلّم. كنتُ أعلم أنه لا يطلب عودة، ولا فتح فصل قديم، بل كان يحاول فقط أن يُغلقه بشكل نظيف… لا بالصمت، ولا بالهرب، بل بالمواجهة.
قلت له وأنا أنظر إلى أطفالي يركضون في آخر القاعة: “هناك حياة بَنَتني من جديد. هناك وجوه تحتاجني، وأمانة أحملها. لم أعد أملك أن أُفكّر بقلبي وحده.” نظر إليهم بصمت طويل، ثم قال: “إذن… أنتِ سعيدة؟” قلت بابتسامة ثابتة، لا تنتمي للفتاة التي كنتُها، بل للمرأة التي صرتُها: “نعم. بحمد الله… حتى وإن بقي جزء صغير منّي لا يزال يحنّ لشيءٍ كان.” أخفض رأسه قليلًا… ثم رفعه وقال: “وأنا… ما زلتُ أحملك في الدعاء. ليس لأنني أريد أن أستعيدك، بل لأنكِ النسخة التي لا تتكرر من قلبي.”
حين قالها، علمتُ أن هذا سيكون آخر حديث بيننا. ليس لأن المشاعر مـ,,ــاتت، بل لأننا كبرنا عنها. هناك حبّ يولد ليُعاش، وهناك حبّ يولد ليُحفظ… مثل قصيدة لا تُلقى بصوت، بل تُخبّأ بين الصفحات. غادر بهدوء. لم يطلب رقمًا، ولا لقاءً آخر، ولا فرصة ثانية. ترك لي شيئًا واحدًا فقط: سلامًا جميلاً لم نتبادله حين افترقنا زمانًا. ومنذ ذلك اليوم… لم أره. لكني لم أعد أحزن حين أتذكّره. أصبحتُ أدعو له كما أدعو لنفسي:
“اللهم اجعل طريقه نورًا، وطمأنينة، وبركة… حتى إن لم يكن فيه شيءٌ منّي.” علّمني ذلك اللقاء أن الحب الأول لا يخرج من القلب، لكنه يغيّر مكانه فيه. لا يعود جرحًا… ولا يصبح خيانة للواقع… بل يتحوّل إلى ذكرى صافية لا تطلب شيئًا سوى أن نبتسم حين نتذكّرها. أنا اليوم امرأة، أم، زوجة… لكنني أيضًا فتاة أحبّت مرة واحدة بصدق، وأدركت أخيرًا: ليس كل حبٍ نريده نصيبًا وليس كل فراقٍ خسارة
أحيانًا… يكون الوـ,,ــــفاء أن تترك الباب مغلقًا، وأن تكتفي بالدعاء #حكايات_اسما_السيد