أبويا الله يرحمه سابلي محل عِـ,ـطارة في السيدة زينب وورثته منه أبًا عن جِد، ولأن سيرة أبويا كانت عاملة زي الجنيه الدهب فكل الناس تقريبًا كانت متعلقة بالمحل يمكن أكتر من بيوتهم، ويمكن أبويا كان دكتور مش مجرد عطار، كانت الست تجيله تقوله ابني أو جوزي بطنه تعباه فيعملها خلطة أعشاب تنضف المعدة والقولون، فلان عنده تعب في المفاصل يعمله خلطة، فلانة ابنها اتعور يغيرله على الجرح في المحل بالبُن، لدرجة إنهم لما كانوا بيهزروا معاه كانوا بيقولوا عليه (الدكتور مجدي) ولما بدأت أكبر شوية كنت بعترض على كرمه المُبالغ فيه، يومها أداني درس قاسي مش هنساه عمري كله..
قالي إننا عمرنا ما جُعنا ولا وقعنا في مشكلة رغم إن مكسب محل العطارة قليل أوي، وده لأن الصدقات وحُب الناس بيشبعونا وبيكونوا سبب في ستر كبير، إياك تمنع خير أو تعترض على اللي بعمله، مش شرط تشوف بعينك كمية المصايب اللي ربنا بيرفعها عننا عشان بس بنساعد الناس، أداني الدرس ده ووصاني إني موقفش اللي كان بيعمله أبدًا وتاني يوم بس مات..
ولما انتشر يومها خبر موته شوفت مشهد عجيب، آلاف الناس واقفين قدام المحل زعلانين ومنهم أطفال كتير بيبكوا وكأنهم فقدوا أمهاتهم، شيوخ كبار حضروا مخصوص للصلاة عليه ولحظة دفنته شوفت الكل بلا استثناء بيعيط بحُرقة وبيدعوله بالجنة، وقتها بس اتعلمت الدرس القاسي، أبويا فضل يحوش حاجات أهم من الفلوس طول عمره للحظة دي بس..
وعشان كدا قررت أتخطاه في الصدقات ومساعدة الناس والكرم، وقتها كان عندي 30 سنة كاملين، كنت خبير زي ما بيقولوا بكل حاجة في الأعشاب، وبعمل وصفات ممتازة بعسل النحل، وبقا بيجيلي زوار من كل مكان بالقاهرة عشان ياخدوا الوصفات، وكبرت المحل وكسبت مبالغ محترمة، ومكنتش بوقف مساعدة أبدًا، حتى الخلطات الزوجية قدرت أعملها وكلها حاجات ممتازة بدون ما أي شاب أو راجل كبير يلجئ للكيميا اللي بتدمر الجسم..
وكلها خمس سنين وشعري بدأ يقع وبقيت شبه أبويا الله يرحمه، وبقا يتقالي (عم صابر) زي ما كان بيتقال لأبويا (عم مجدي) وفضلت على الحال ده ماليش أهل غير أهل المنطقة اللي كانوا بيعتبروني أب وأخ وابن لحد ما قربت من الأربعين سنة، وقتها ظهرت بنت اسمها (زوبا) بنت جت من برة المنطقة وسكنت، وكانت بتجيلي من وقت للتاني تاخد خلـ,ـطات وأعشاب لأنها كانت فاتحة عربية أكل وبتحاول تكسب منها، وكلها أيام وجت البلدية شالوا عربيتها لأنها كانت مخالفة وجالها اكتئاب وبقت مش لاقية تاكل، ورغم إن أهل المنطقة كانوا بيساعدوها بس حالها كان بيصعب يوم بعد يوم..
وكانت بتجيلي كل شوية وتفضل تتكلم لحد ما حصل موقف وهي معايا في المحل، طفل اتعور جامد وخدناه على المحل ووقفتله النزيف بالبُن وغيرتله على الجرح وهي ساعدتني، معرفش ليه في اللحظة دي قلبي أتعلق بيها وهي كمان نظراتها اتغيرت ناحيتي، حسيت إنها حنينة جدًا، حنان يمكن فقدته من يوم موت أمي من زمن طويل حتى قبل ما استوعب وجودها في الدنيا..
بعد الموقف ده مبقتش تيجي لحد ما زارتني (أم ياسين) ست محبوبة جدًا في المنطقة وعرضت عليا اتجوز (زوبا) وقالتلي إني مش هلاقي زيها، أحنا الاتنين مقطوعين من شجرة وبنت شاطرة وهتساعدني في المحل وأمورنا هتكون عشرة على عشرة، ولما قولتلها إني أكبر منها يجي ب12 سنة قالتلي إن زوبا نفسها اللي بعتاها تعرض عليا الموضوع ده..
وفضلت تقنعني إني مينفعش أنسى نفسي وأفضل عازب لحد ما أموت، وفعلًا لمست جروح كتير أوي جوايا، أنا ليه متجوزتش وعملت بيت لحد انهاردة، أيه اللي يمنع، هل وفاة أمي وأبويا ولا أيه السبب، ليه التأخير ده كله، وفعلًا وافقت في النهاية وزوبا مطلبتش أي حاجة إطلاقًا، بل ووعدتني إنها هتساعدني وتشتغل معايا وهتبقا كل حاجة ليا في الدنيا، كل اللي بتطلبه تتستر بس لأنها متمرمطة فعلًا..