-أختك إتصلت وقالت إنها جاية فى الطريق مع جوزها،أهى تبات معاكى النهاردة وتحاول تفرفشك شوية. أومأت لها وبعد خروج والدتها ارتمت فوق وسادتها تبكى بحرقه وهى تتذكر أنه الآن فى حفل خطبته مع إحداهُن،بعد أن حلما معاً وخططا لحياتهما القادمة تركها بمنتصف الطريق خانعًا مُستسلماً وذهب لخُطبة غيرها وأستكمال حياته بصُحبة أخري تاركاً إياها لتواجه مصيرها المُعتم بدونه،كم شعرت بدونيته وبغبائها دخلت اختها الكبرى البالغة من العُمر الخامسة والعشرون وتدعي “ليلى”،متزوجة ولديها طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات،تسكن مع زوجها فى محافظة القاهرة الكبرى:
-حبيبتى يا جنة،عاملة إية؟
تعالى، وحشتينى…نطقتها “جنة” باشتياقٍ وهي تفتح ذراعيها لاستقبال شقيقتها نظراً لحبها الشديد لها وتوافقهما بالأراءِ والأفكار،ارتمت داخل أحضان اختها وأجهشت ببكاءٍ مرير ادمى قلب شقيقتها،ربتت “ليلى” علي ظهر شقيقتها وباتت تمسح بيدها عليه كي تحثها على السكون ثم تحدثت بتنبيه:
– إهدى يا “جنة”وبلاش اللى بتعمليه دا،بابا لو شافك كدا هيفهم، ولا علي، علي لو حس بحاجة هيطربق الدنيا على دماغنا خرجت من داخل أحضانها لتتحدث بهستيريا وعدم استيعاب لما يحدث:
-مش قادرة اتخيل إزاي هكمل حياتى من غيره يا “ليلى”،مش قادرة حتى اتخيل انه قاعد معاها الوقت وبكل سهولة قدر يستغنى عني ويسيبني
واستطردت وهي تهز رأسها بجنونٍ وعدم استيعاب:
-يا تري بيقول لها إيه،بيبص لها إزاي، فرحان ولا الموضوع بالنسبة له عادى،فاكرنى ولا خلاص نسينى وأعتبرني صفحة قلبها وهيكمل حياته بعدها،أنا هموت مش قادرة،معقولة بعد كل الحب دا النهاية تكون كدا؟! هزت رأسها باستنكار لتسترسل بتألم ظهر بَيِنّ بنبرة صوتها:
-دى البلد كلها كانت شاهدة علي قصة حبنا وعشقنا لبعض،دا كان بيبكى لو في يوم تعبت يا” ليلى”،فجأة كدة يبعد عني ومرة واحدة يسبنى وبعدها اسمع من الناس إنه خطب؟!
كانت تشاهد إنهيار شقيقتها الصُغري بقلبٍ يتمزق ألماً عليها،اردفت تعقيباً علي حديثها:
-وهو كان هيعمل إيه أكتر من اللي عمله يا “جنة”،ماهو بعت لبابا هو وأهله علشان ييجي يخطبك،وبابا رفض مع المرسال حتى ما أدهوش فرصة ييجي هو وأهله ويتكلموا،وإنتِ علي أخد منك التليفون وكسره. هتفت بنبرة حادة رافضة:
-يقوم يستسلم من أول جولة ويروح يخطب؟! واستطردت بتألم ظهر بَيِن بعيناها ونبرة صوتها:
-ده أنا قلت له إني عمرى ماهكون غير ليك،قولت له مستحيل إسمي يرتبط بإسم حد غيرك
تنهدت تلك التي تتوجع لاجلها ثم تحدثت للتخفيف عنها:
-معلش ياقلبى،قومى اتوضى وصلى الظهر وسبيها على ربنا ونعم بالله…جُملة مهمومة نطقت بها جنة قبل أن تنصاع لرأي شقيقتها وتذهب إلى الحمام لتتوضأ إستعدادًا للصلاة *****
فى الجهة الأخرى من نفس القرية،كان محمود البالغ من العمر الخامسة والعشرون،يجلس مع اسرتهُ يتبادلون فيما بينهم التهانى والمباركات فرحاً بخطبة غاليهم وذلك بعدما عادوا من منزل والد العروس بعد إتمام الخُطبة وقراءة الفاتحة إقتربت عليه الأم وتحدثت بوجهٍ سعيد:
-مبروك يا حودة،ألف مبروك يا حضرة الظابط
تطلع عليها بنظرة حزينة مُنكسرة كحال قلبه البالي ليتحدث ساخراً بإلتياع:
-مبروك عليكِ إنتِ يا ماما،مش اخترتى العروسة اللي علي مزاجك هتفت”عفاف” بنبرة حماسية:
-عروسه زي القمر وأبوها عميد في الشُرطة قد الدُنيا وهينفعك فى شغلك،هعوز لإبني إيه أكثر من كدة واستطردت بعتابٍ حادّ:
-وبعدين إنتَ زعلان ليه؟! ما أنت عملت اللي عليك واتقدمت للبنت اللي كنت عايزها ورفضوك حتى قبل ماتروح ولا يسمعوك،وقلوا مننا قدام البلد كُلها واخوها كان هيضربك
عبست ملامحها لتستطرد بنبرة تحمل الكثير من الاستياء:
-هو أبوك قليل في البلد علشان إبنه يترفض بالطريقة دي يا محمود؟
ده أنتَ ابن الحاج”عبدالله التهامي”على سِن ورُمح هز رأسه مقتنعًا بكلام والدته ثم تحرك صوب غرفته،ولج إليها ثم إرتمي بجسده فوق تختهُ باهمال ونفخ بقوة ليخرج لهيب صدرهُ المُحترق،بات يتذكر أول لقاء جمعهُ بها قبل سبعة أعوام من الأن، عندما كان طالبًا بالصف الثالث الثانوي فلااااااش باك
قبل سبعة أعوام من حاضرنا الأن
داخل المدرسة الثانوية المُشتركة بالبِلدة المجاورة وفي أول يومًا دراسياً بالعام الجديد، يقف محمود الطالب بالصف الثالث الثانوي ومجموعة من أصدقائه،سامح صديقهُ المُقرب والاخر يُدعي ذكريا المسيري،والذي كان يغار بشدة من محمود لكونهِ محبوباً من أصدقائه والمدرسين ولانهُ وسيماً للغاية ولذا تُعجب به كل من تراهُ من الفتيات المُثيرات
وأثناء حديثهم وضحكاتهم لفت إنتباه جميعهم ولوج فتاة جميلة للغاية وجمالها يكمن في جمال روحها التي طغت فوق ملامحها فجعلت منها جميلة حد الفتنة،كانت تمتلك عينين عسليتين ذات رموش كثيفة جذبت بها معظم الحضور،أما عن شفتاها فكانت كنزة باللون الوردي المُشهي لناظرهُ،متوسطة الطول
إرتبك بوقفته حين رأها تهلُ عليه كاقمراً
منيراً بليلة إكتماله،هتف ذكريا بعيناي منبهرة:
-أوباااا،إيه الصاروخ الأرض جو اللي إقتحم المدرسة ده نظر عليها وتحدث هو الاخر بانبهارٍ ظهر بَيِنّ داخل زرقاويتاه:
-مين البنت دي يا شباب،أنا اول مرة أشوفها أردف سامح وهو يتطلع عليها بتمعن:
-شكلها مُستجدة لأن أنا كمان أول مرة أشوفها في المدرسة. إبتسم محمود وتحدث بمداعبة لاصدقائه:
-شكلها كدة هتبقي سنة فُل علينا إن شاء الله ضحك الشباب باستهزاء في حين تحركت وهي تحتضن حقيبة كتبها وتقربها من صدرها،باتت تتجولُ بعينيها باحثةً عن أحداً تعرفهُ،إقترب منها ذكريا ووقف يقابلها ليتحدث بوقاحة:
-القمر أول سنة ليه في مدرستنا،صح؟
رمقته بنظرة محتقرة قبل أن تنطلق بطريقها مما جعل محمود وأمجد يطلقان ضحكاتهم الساخرة حتي بات كلاهما أن يقع أرضاً من شدة قهقهاتهما المتهكمة عليه مما جعل داخلهُ يستشيطُ غضبًا
دارت بعينيها مستكملة في البحث إلى أن استقرت بمقلتيها على مجموعة من صديقاتها بالصف الثالث الإعدادي يقتربن عليها مُرحبين بتهليل،إبتسمت بشدة وكأنها وجدت ضالتها وباتت الفتيات يتبادلن السلامات والترحاب ببعضهن البعض
نظر عليها بإعجاب ومُنذُ ذاك الحين وهو يراقب تحركاتها بالمدرسة،وبيومٍ من الأيام وبعد مرور حوالي ثلاثة اسابيع علي بداية الدراسة،خرج من بوابة المدرسة ووقف ينتظر قدوم سيارة أجرة جماعية كي توصلهُ إلي قريته حيثُ تبتعد عن القرية المتواجد بها المدرسة بثلاث قُري،إشتدت سعادتهُ حين وجدها تقف بجواره تُشير إلي إحدي السيارات وبعدما توقفت نطقت باسم قريتهُ لتُعلم السائق إذا كان باستطاعته إصطحابها أم لا
أعلمها السائق بموافقته فاستقلت بالمقعد المجاور للشباك ليجاورها هو الجلوس وتلاهُ بعض الطلبة حتى اكتمل عدد العربة،إبتعدت عنه لتلتصق بالشباك وقامت بوضع حقيبتها كفاصلٍ بينهما تجنبًا للتلامس،أعجبهُ تصرفها للغاية ليتحمحم متحدثًا إليها باستفسار:
-هو إنتِ من كفر هلال؟ تطلعت عليه بجبينٍ مُقطب ولم ترد فاسترسل مفسراً بهدوء:
-أنا مش قصدي أعاكس والله،أنا بس إستغربت لما لقيتك بتقولي للسواق علي بلدي وانا أول مرة أشوفك
واستطرد بإبانة:
-على فكرة،أنا معاكي في المدرسة،في تالتة ثانوي السنة دي
وأخيرًا قررت الخروج عن صمتها لتنطق بنبرة تهكمية دون النظر إليه:
-طب مش تذاكر علشان تجيب مجموع بدل ما أنتَ مقضيها فُرجة علي البنات إنتَ والأتنين أصحابك الرخمين اللي دايماً واقف معاهم إتسعت عينيه بعدم استيعاب لحديثها الذي جعلهُ يطير فرحاً،ليهتف بضحكة سعيدة اظهرت كم إبتهاجه:
-ده أنتِ عارفاني ومركزة معايا بقي إشتدت وجنتها توهجاً من شدة خجلها الذي إعتراها جراء حديثه الجرئ والذي جعلها تخجل من حالها وتسخط من سذاجتها،إبتلعت لُعابها وتحدثت بصعوبة بعد أن إستجمعت حالها:
-وهو فيه حد في المدرسة كُلها مايعرفش محمود عبدالله التهامي وشلته اللي ما سابتش بنت في المدرسة إلا وعاكسوها وضايقوها
قهقه بشدة جعلتها ترتبك ليتحدث إليها بدُعابة:
-طب والله أنا مظلوم في وسط الشِلة دي وبفكر أسيبهم بسبب السُمعة اللي مطلعينها عليا رمقته بنظرة عدم تصديق لحديثه ثم أشاحت بنظرها عنه لتتابع الطريق عبر النافذة، تحمحم ثم من جديد تحدث بملاطفة بعدما تفاجئ بتجاهلها له:
-طب مش هتقولي لي إنتِ بنت مين ومن أي عيلة عندنا في البلد؟ نظرت له وضيقت عيناها متعجبة إصرارة فتحدث بمشاكسة:
-طب ينفع تكوني عارفة عني كل حاجة وأنا معرفش حتي إسمك؟
أشاحت عنه ببصرها مطلة من جديد للخارج عبر النافذة مما جعلهُ يستشيطُ غضباً من تجاهلها المتعمد له ويقرر هو الأخر ان يتجاهل وجودها،وما هي إلا دقائق وتوقفت السيارة، ترجل من السيارة وتلتهُ هي حيثُ نزلا ببداية الطريق بالبلدة،تحرك في طريقه بوجهٍ غاضب فاقتربت عليه وتحدثت بنبرة هادئة:
-إسمي جنة،جنة محمد الأنصاري