رفعت رأسها لتتطلع ببنيتيها إلى والدتها وتحدثت بضعفٍ شطر قلب سامية:
-حتي انتِ كمان هتيجي عليا يا ماما وبرغم دموعها التي شقت صـ.ـدرها لنصفين إلا أنها اقتربت منها وقامت بجذبها من ذراعها لتهتف بحدة:
-إتعدلي كدة ويلا انطقي بكل اللي حصل،وإوعي تحاولي تكذبي عليا زي ما عملتي مع أبوكِ وأخوكِ
نظرت بعيناي والدتها فتيقنت أنها كاشفة ما بداخل روحها ولذا قررت الإعتراف بالحقيقة لتتحدث باستسلام:
-أنا هحكي لك على كل حاجة يا ماما
أخذت نفسًا عميقًا للإستعداد وبدأت تقص عليها ما حدث،وبعدما انتهت من السرد نظرت لها سامية وتحدثت لائمة:
-إيه اللي عملتيه في نفسك ده يا جنة، بقى يوم ما قلبك يدق،يسيب كل شباب العيلة والبلد كلها ومن بين زمايلك واللي اتقدموا لك ويختار ده؟!
وهو كان بإيدي يا ماما…نطقتها بدموعها المتألمة مما جعل قلب والدتها يلين ويحزن لأجلها وتحركت لتاخذها بداخل أحضانها، رفعت رأسها لتتطلع على والدتها وتحدثت بعينين راجيتين:
-كلمي بابا يا ماما وأترجيه ميحرمنيش من الجامعة،أنا ممكن أموت لو سيبت جامعتي تنهدت سامية ونظرت لها لتتحدث بهدوء:
-متقلقيش،على ما ييجي ميعاد الدراسة هتكون الحكاية هديت شوية وساعتها هكلمه وأتحايل عليه
ثم استطردت بطمأنينة:
-وإحمدي ربنا إنك في أجازة أخر السنة وإلا كانت هتبقى مصيبة.
هاتف محمد الانصاري عبدالله التهامي وقص عليه ما بدر من نجله ثم قام باخباره عن غضب شقيقها الأكبر وقام بتحذيره إن لم يبعد نجله عن ابنته سوف يطلق العنان لغضب علي وشقيقاه ليلحق بمحمود وحينها سيصبح الكل خاسر وما أشعل قلب محمد أن حكاية عشق إبنة الأنصاري وابن التهامية قد أشيعت بالقرية وبات الجميع يعلم بها بل ويتغنى بتمسك الفتى بغرامه،وبدوره وعده عبدالله بأن يفعل كل ما بوسعه لابعاد ابنه عنها لغلق الافواه، ذهب عبدالله إلى منزله وقام بتوبيخ ولده ونبه عليه أن يزيل من تفكيره ويعدل عن فكرة زواجه من ابنة الأنصاري وألا يعود لفتحه أبدا
لم يستمع محمود لنصيحة والده وحاول مرارًا أن يهاتف جنة وفي كل مرة يجد هاتفها مغلقًا حتى يأس وتيقن من أن والدها سحب منها الهاتف،مرت شهور الأجازة سريعًا وقبل بداية السنة الدراسية ضغط عبدالله على ولده وطلب منه بأن يقوم بخطبة إبنة لواء كي يضمن عدم تعرض نجله لجنة ويُثبت حُسن نيته أمام العهد الذي قطعه على نفسه أمام الأنصاري ولينأى بالعائلتين من بحر الدمـ.ـاء الذي كان حتمًا سيمتليء بدماء الأبرياء
عودة للحاضر
فاق محمود من شروده ليخرج تنهيدة حارة من صدره، أسند ظهره على التخت لينتبه حين أعلن هاتفه عن وصول مكالمة هاتفية ليرفع هاتفه وينظر بشاشته فابتسم بهدوء حين رأي نقش اسم صديقه المقرب سامح الذي تحدث بمجرد ضغط محمود فوق زر الإجابة:
-نايم يا حضرة الظابط ولا لسة صاحي؟ وتفتكر أنا ممكن يجي لي نوم في يوم زي ده يا سامح…كلمات نطقها محمود بقلبٍ محترق ليجيب صديقه للتخفيف عليه:
-هون على نفسك يا صاحبي وحاول تنسى علشان تقدر تعيش وتكمل حياتك
بالكاد انهى صديقه جملته ليهتف الأخر عاتبًا:
-إنتَ اللي بتطلب مني أنسي وأكمل حياتي يا سامح؟!
أمال لو مكنتش شاهد على قصة حبنا بنفسك! أجابه بواقعية:
-كُنت شاهد وياما حظرتك إنتَ وجنة وقولت لكم بلاش تكملوا في السكة دي، بس للأسف مسمعتوش غير لقلوبكم وبس واستطرد بنبرة بائسة:
-وأدي النتيجة،إنتَ وخطبت واحدة غصب عنك ومجبر تعيش معاها، وهي قلبها إنكسر وربنا يستر عليها وتقدر تستوعب اللي إنتَ عملته فيها أجاب صديقه مفسراً:
-ما أنتَ عارف إني اضطريت أوافق على الخطوبة علشان أصون كرامتي وكرامة أبويا اللي إتهانت على إيد محمد الأنصاري
صمتٍ رهيب دام بينهما لمدة ثواني فاتت كساعات ليهتف هو متسائلاً:
-جنة عاملة إية؟ أجاب صديقه بنبرة حزينة:
-مش كويسة،شفتها من كام يوم وأنا رايح عند خالتي اللي ساكنة جنب بيتهم،
واستطرد متأثرًا:
-مش دي جنة اللي أنا متعود عليها، خاسة وعندها هالات سودا تحت عيونها، أول مرة أشوفها مهزومة بالشكل ده إنفطر قلبه حزنًا وتحدث:
-ربنا يهون الفترة دي علينا إحنا الإتنين لحد ما أقدر أظبط الأمور هتعمل إيه يا محمود؟!…نطقها صديقه بارتياب ليُجيب الأخر:
-هحارب علشانها طبعاً
زفر سامح وتحدث بنبرة حادة:
-كفاية قرارات متهورة وسيب البنت في حالها بقى يا اخي، كفاية اللي جرى لها من ورا موضوعك لحد الوقت، خالتي قالتلي إن أبوها حالف عليها مش هتكمل جامعتها ظلا يتحدثا إلى أن أنهى المكالمة دون اقتناع محمود بكلمات صديقه الموصية بالابتعاد وغلق الموضوع نهائياً
******
مرت الأيام سريعًا وعادت جنة إلى جامعتها بعد عدة محاولات منها ووالدتها وأخذ محمد عهدًا من ابنته بالإبتعاد نهائيًا عن محمود وبدورها وعدته، مرت الأيام وجاء يوم حفل زفاف صديقة جنة بالثانوية العامة على أحد أقرباء محمود والذي أُقيم بإحدى قاعات الأفراح بالقاهرة الكبرى،سافرت جنة إلى شقيقتها ليلي للمبيت بمنزلها، ارتدت ثوبًا رقيقًا وتزينت ثم تحركت إلى قاعة الأفراح التي وما أن دلفت من بابها حتى اتجهت صوبها أعيُن الجميع لينبهروا بجمالها الخلاب،ومن بينهما صديقاي محمود في الداخلية علاء وأحمد والذي دعاهما لحضور حفل زفاف إبن عمه، اتسعت عيني علاء وتحدث بانبهار إلى صديقه المجاور أحمد:
-إيه البنت القمر اللي اقتحمت القاعة وقلبتها دي، البنت جمالها يسحر يا أحمد ضحك صديقه ونظر له ليتحدث محذرًا إياه بعدما رأى حالة الإنبهار تطل من عينيه:
-ما تلم نفسك يا حضرة الظابط بدل ما حد من أهلها يشوفك وأنتَ هتاكولها بعنيك كدة ويروقك قدام الناس
طب ياريت حد من أهلها يشوفني، مش يمكن أصعب عليه ويجوزها لي…هكذا تحدث علاء ليسألهُ الأخر متعجبًا:
-يجوزها لك مرة واحدة،يا ابني هو أنتَ على طول كدة متهور؟
واستطرد متسائلاً:
-مش يمكن تكون متجوزة؟
لا مش متجوزة ولا حتى مخطوبة…نطقها سريعًا ليسألهُ الأخر متهكمًا:
-وعرفت منين بقى يا فصيح!
أجابهُ الأخر ساخرًا:
– مش لابسة دبلة لا في صباعها اليمين ولا في الشمال يا أذكى أخواتك
ثم استرسل وهو يعدل من ياقة حلته:
-أنا مش عارف اللي زيك قبلوه في كلية الشُرطة إزاي
تحدث أحمد بعدما رأى والدة محمود وزوجتي نجليها الكبيران وفتاة أخرى يلتفون حول طاولة بينما يجلس والدهُ مع أولاد عمومته حول طاولة كبيرة:
-تعالى نسلم على والدة محمود أجابهُ علاء:
-خلينا لما محمود ييجي أفضل
ثم نظر بساعة يده وتحدث باستغراب:
-هو محمود إتأخر ليه كدة؟المفروض المأمورية خلصت من ساعة!
بالكاد أنهى جملتهُ ليستمع لرنين هاتفه ويتحدث بابتسامة ساخرة بعدما نظر بشاشته:
-ياريتنا كنا افتكرنا مليون جنيه